بقلم: ريم ريّا
ما زال المشهد النقدي في البلاد يعكس حالة من التناقض بين الأرقام الرسمية والواقع على الأرض. بعد مرور ثلاث أشهر على إطلاق عملية استبدال العملة الجديدة لا تزال هذه العملة مفقودة من الأسواق!. بالرغم من تصريحات البنك المركزي وإعلانه بلوغ نسبة الاستبدال نحو 35% من إجمالي الكتلة النقدية المقدرة ب 42 تريليون ليرة سورية، أي ما يزيد عن 13 تريليون ليرة قديمة.
الفئات القديمة لا تزال حاضرةً بقوة في السوق، لا سيما 5000 و2000 ليرة، وبعضها لم يتم تداوله من قبل حتى. هذا التباين يثير تساؤلات حول فعالية عملية الاستبدال، وآليات توزيع العملة الجديدة، ويعتبر بمثابة القراءة لسلوك المتعاملين في السوق، إلى جانب أنه يطرح دلالات حول سبب البطء في الانتقال النقدي وانعكاسه على واقع الاقتصاد في سوريا.
حجم تداول العملة الجديدة في السوق وسلوك المتعاملين
أشارت البيانات الرسمية إلى أن ما يقارب 35% من الكتلة النقدية جرى استبدالها خلال الأشهر الأولى من العام الجاري 2026، وهي نسبة بالمقياس النظري تعكس تقدم في تنفيذ عملية الاستبدال. والمصرف المركزي قام بضخ العملة الجديدة عبر قنوات متعددة، أهمها صرف رواتب شهر شباط الفائت بقيمة 45 مليار ليرة سورية جديدة، في محاولة لتعزيز حضورها في عمليات التبادل اليومي.
أما عملياً، الواقع في السوق السورية يعكس صورة مختلفة، فالعملة الجديدة اليوم محدودة التداول، بينما تستمر الفئات القديمة بالهيمنة على المعاملات، سيما في الأسواق والمحال التجارية. فرصدت حالة من “التداخل النقدي”، فالعملتان تتعايشان معاً ضمن دورة التداول، وسط عدم سحب الكتلة النقدية القديمة بالكامل، وتمديد مهلة الاستبدال حتى نهاية أيار.
بالنسبة لسلوك المتعاملين، فهناك ميل واضح من قبل الأفراد والتجار نحو الاحتفاظ بالعملة الجديدة، بدل من ضخها في السوق، سواء بدافع الثقة المتزايدة على حسب المركزي، أو بدافع الحرص والخوف من صعوبة الحصول عليها لاحقاً. فضلاً عن أنه يتم استخدام الفئات الكبيرة من العملة القديمة لتسهيل التعامل اليومي في ظل ارتفاع الأسعار، ولعدم توفر الفئات الصغيرة ونقصها.
هذا التباين الحاصل، وشح الكتلة المستبدلة وحضورها المحدود، يثير الكثير من التساؤلات من ضمنها: إذا كانت أكثر من ثلث الكتلة النقدية قد استبدلت، فأين ذهبت هذه السيولة؟، هذا السؤال يعكس فجوة واضحة بين المؤشرات الرسمية والديناميكيات الفعلية في السوق.
اقرأ أيضاً: أزمة السيولة في سوريا مستمرة.. هل تتولى العملة الجديدة الإنقاذ؟
أسباب قلة انتشار العملة الجديدة في الأسواق
هناك العديد من الأسباب التي ترجع إليها محدودية انتشار العملة الجديدة، ولا يمكن اختزالها بعامل واحد، بل هي نتيجة تداخل مجموعة من العوامل الاقتصادية والمؤسساتية والسلوكية.
لعل أبرز العوامل السلوكية، الاكتناز (الاحتفاظ بالعملة الجديدة)، الذي يلجأ إليه الأفراد والتجار نتيجة عدم اليقين، وغياب وضوح السياسات النقدية، يقلل من سرعة دورانها في السوق ويتسبب في محدودية وجودها بطريقة أو بأخرى.
أما العوامل المؤسساتية، فهي تتمثل في خلل توزيع العملة الجديدة. هذا الخلل أشارت إليه التقديرات التي أفادت أن جزءاً كبيراً من الكتلة المستبدلة قد تركز لدى فئات محددة أو “أصحاب رؤوس الأموال”، ما أدى إلى ضعف وصولها إلى القاعدة الواسعة من المتعاملين. وقيود السحب المصرفي، التي تعيق انتقال السيولة إلى قطاع الأعمال، وتحد من قدرة السوق على إعادة تدوير النقد، حتى في حال توفره بشكل نظري. كما لعب تمديد المهلة دوراً في نقص الفئات الجديدة، فالتعايش النقدي الذي سمح فيه ولّد تقليل في الشعور بإلحاح التبديل وضروريته، بالتالي استمر تداول العملة القديمة دون ضغط فعلي للاستبدال السريع.
ناهيك عن عوامل اقتصادية عديدة متمثلة في نقص السيولة في الفئات الصغيرة، ما دفع المتعاملين للاعتماد على الفئات الكبيرة القديمة، ما عزز من استمرار تداولها. إلى جانب، انتشار الصرافة غير الرسمية، تحديداً في المناطق التي تفتقر للبنية المصرفية، ما ساهم في إبقاء العملة القديمة ضمن الدورة الاقتصادية والهيمنة عليها.
ناهيك، عن التضخم وارتفاع سعر الصرف.. الدولار في الوقت الحالي تجاوز 12 ألف ليرة سورية ويقترب من 13 ألف، ما يدفع الفرد للجوء إلى سلوكيات دفاعية تتمثل في التسعير السريع أو الاحتفاظ بالنقد الأقوى، ما يضعف الثقة في التداول الطبيعي للعملة.
فضلاً عن غياب حملات التوعية الكافية حول عملية الاستبدال، ما أربك المواطن وخلق حالة من التردد وعدم الفهم الكامل لآليات الاستبدال، ما أبطأ الإقبال على العملية. وما أوضح نقص العملة أكثر، هو ضعف وسائل الدفع الإلكتروني، وأدى ذلك إلى زيادة الاعتماد على النقد القديم وضغط على توفر السيولة. بالإضافة إلى غياب جدول زمني واضح لعملية الضخ النقدي ما يعزز من فقدان الثقة في التداول الروتيني للعملة.
دلالات ضعف حضور العملة الحديدة في التداول
استمرار هيمنة العملة القديمة، بالرغم من التصريح باستبدال أكثر من ثلث الكتلة النقدية، يحمل دلالات عميقة تتجاوز الجانب الفني لعملية الاستبدال. وأول ما يشير إليه هو ضعف الثقة بالسياسات النقدية، فلا يكفي تغيير شكل العملة لتعزيز الثقة، بل يتطلب ذلك استقراراً في سعر الصرف ووضوحاً في إدارة السيولة. كذلك يكشف مدلول ثاني، وهو خلل في كفاءة نقل السياسة النقدية من مستوى المركزي إلى مستوى السوق، نتيجة ضعف البنية المصرفية وانتشار القنوات غير الرسمية.
والدلالة التي لا تقل أهمية عن سابقاتها، والتي تنم عن وجود أزمة سيولة حقيقية أو مُدارة، إذ تبدو الكتلة النقدية وكأنها “موجودة حسابياً، لكنها غائباً فعلياً” عن التداول.
هذا الوضع أتاح انتشار ظواهر مثل التسعير الضمني بالدولار وازدواجية المعايير في السوق، ما أضعف دور العملة المحلية كوسيط للتبادل ومخزن للقيمة. كما أن محدودية تداول العملة الجديدة وضحت لنا أن عملية استبدال العملة، بحد ذاتها، إجراء شكلي محدود التأثير، في حال لم تترافق مع إصلاحات اقتصادية أعمق، تشمل ضبط التضخم، وتحفيز الإنتاج، وتعزيز الثقة بالمؤسسات.
تظهر تجارب دول أخرى أن نجاح عمليات استبدال العملة يرتبط بسرعة التنفيذ، ووضوح السياسات، وتوفر السيولة، وهي عناصر لا تبدو مكتملة في الحالة السورية حتى الآن. ففي تجربة استبدال العملة في تركيا عام 2005، عندما تم حذف ستة أصفار من الليرة، جرت العملية ضمن جدول زمني واضح، مع حملات توعية واسعة، وضخ كافٍ للعملة الجديدة، ما أدى إلى اختفاء سريع للفئات القديمة من التداول خلال فترة قصيرة نسبياً. في المقابل، تظهر الحالة السورية بطئاً في الانتقال، وتداخلاً مستمراً بين العملتين، ما يعكس فجوة بين التخطيط والتنفيذ، ويشير إلى أن غياب الوضوح وكفاية السيولة يحد من فعالية أي عملية استبدال نقدي.