مشاهير

حقوق المواطنين السوريين الكرد بين مرسومي 2011 و2026

حقوق المواطنين السوريين الكرد بين مرسومي 2011 و2026

الكاتب: أحمد علي

تبدو القوانين أحياناً مثل مرايا صغيرة تعكس ما لا تقوله الخطب الكبيرة. مرسوم واحد قد يغيّر تعريف الدولة لمواطنيها، ومرسوم آخر قد يكتفي بتعديل سطر في السجلات دون أن يلمس جذور المشكلة.

في سوريا، عاد ملف الكرد إلى الواجهة عبر مرسوم رئاسي صدر في كانون الثاني 2026، وجرى وضعه مباشرة في مقارنة مع مرسوم سابق صدر عام 2011. المقارنة هنا ليست تمريناً تاريخياً فقط، بل طريقة لفهم كيف تتحوّل قضية جنسية وهوية ولغة من “حلّ جزئي” إلى محاولة صياغة عقد وطني أوسع، وكيف يمكن أن تصطدم النصوص بالواقع الإداري والسياسي والاجتماعي الذي راكمته عقود طويلة.

حقوق المواطنين السوريين الكرد تتغير

قدّم المرسوم رقم 13 لعام 2026 نفسه بوصفه إعلاناً واضحاً بأن الكرد “جزء أساسي وأصيل” من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء من الهوية الوطنية المتعددة والموحّدة. النص لم يتوقف عند الإقرار الرمزي، بل أدرج بنوداً عملية تمسّ الحياة اليومية، مثل اعتبار اللغة الكردية “لغة وطنية” والسماح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق ذات الحضور الكردي الملحوظ، وإقرار عيد النوروز عطلة رسمية مدفوعة الأجر على مستوى البلاد.

كما تضمّن حظراً قانونياً للتمييز على أساس عرقي أو لغوي، ونصّ على معاقبة التحريض على “الفتنة القومية” وفق القوانين النافذة.

اللافت أيضاً أن المرسوم ربط هذه الحقوق مباشرة بملف الجنسية الذي ظل عقدة قديمة، إذ نصّ على إلغاء العمل بكل القوانين والتدابير الاستثنائية التي ترتبت على إحصاء عام 1962 في الحسكة، ومنح الجنسية السورية لجميع المواطنين من أصول كردية المقيمين في سوريا بمن فيهم “مكتومو القيد”، مع مساواتهم التامة في الحقوق والواجبات.

بهذا المعنى، لم يعد الحديث عن حقوق المواطنين السوريين الكرد مقصوراً على الاعتراف الثقافي، بل امتد إلى سؤال المواطنة القانونية ذاتها.

إحصاء الحسكة وجذور الأزمة

لفهم حساسية أي حديث عن حقوق المواطنين السوريين الكرد، لا بد من العودة إلى لحظة مفصلية عام 1962، حين جرى “إحصاء استثنائي” في محافظة الحسكة استند إلى مرسوم تشريعي صدر في أغسطس 1962، ونُفّذ في يوم واحد. النتيجة كانت تجريد آلاف من الجنسية وتصنيفهم في فئات أبرزها “أجانب الحسكة” و”مكتومو القيد”.

والفارق بين الفئتين مهم، فـ”مكتومو القيد” هم أشخاص لم تُسجّل أسماؤهم في السجلات الرسمية أساساً، ما جعل وجودهم القانوني هشاً إلى درجة أن كثيراً منهم لم يكن قادراً على الحصول على وثائق دولة نظامية.

وهذه الحالة لم تبق مسألة قانونية مجردة، إذ توثق تقارير أن آثارها امتدت إلى التعليم والعمل والتملك والتنقل وتسجيل الزواج والمواليد، وأن الحرمان من الجنسية تحوّل مع الوقت إلى وضع متوارث عبر الأجيال.

ويشير تقرير “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” إلى أن المشكلة لم تكن مجرد خطأ إداري، بل نمط تمييز بنيوي ترك جروحاً اجتماعية عميقة، وهو ما يفسر لماذا يُقرأ أي مرسوم جديد اليوم كاختبار حقيقي لجدّية الدولة في معالجة إرث طويل، لا كخبر عابر.

مرسوم 2011 وحدوده العملية

في نيسان 2011 صدر مرسوم تشريعي معروف على نطاق واسع بأنه المرسوم رقم 49 لعام 2011، ونصّه المختصر يمنح الجنسية للمسجلين في سجلات “أجانب الحسكة”. وبعض التغطيات الدولية في ذلك الوقت قدّمته كخطوة تمنح الجنسية لآلاف الأكراد المصنفين “أجانب” في الشمال الشرقي.

لكن قراءة أثره على الأرض تكشف حدوده، فالتطبيق واجه عراقيل إدارية وإجراءات معقدة، وارتبط أحياناً بموافقات أمنية أو تعطيل ملفات، والمرسوم لم يشمل “مكتومي القيد” الذين بقوا خارج أي معالجة واضحة. وفي تفسير سياق الخطوة عام 2011، ينقل تقرير حقوقي عن مدير منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” بسام الأحمد قوله: “كان واضحاً أنّ أسباب منح الجنسية للكرد المحرومين منها من قبل النظام السوري السابق عام 2011، ما هي إلا محاولة سياسية لاستمالة الكرد”.

هذا لا يلغي أن المرسوم فتح باباً قانونياً لفئة محددة، لكنه يفسر لماذا بقيت قضية حقوق المواطنين السوريين الكرد حاضرة بعده، ولماذا ظل جزء من المتضررين يشعر بأن الحل كان جزئياً، وأنه لم يمسّ الأساس الذي قامت عليه المشكلة منذ 1962.

مرسوم 2026 ومكتسباته الأوسع

الفارق الأوضح بين مرسوم 2011 ومرسوم 2026 ليس في اللغة السياسية فقط، بل في نطاق المعالجة. فمرسوم 2026 قدّم حزمة متشابكة تتناول الجنسية والهوية واللغة والرموز الثقافية وخطاب المؤسسات الرسمية معاً.

في مقارنة تحليلية، رأى البعض أن مرسوم 2011 كان “جزئياً وانتقائياً” لأنه منح الجنسية لشريحة محددة واستثنى مكتومي القيد ولم يُلغ الأساس القانوني لإحصاء 1962، بينما يذهب مرسوم 2026 أبعد بإلغاء الآثار القانونية للإحصاء وإعادة الجنسية للجميع دون استثناء، وتحويل القضية من “ملف أمني إداري” إلى مسألة حقوق دستورية مرتبطة ببنية الدولة.

في المقابل، يذهب مركز جسور للدراسات إلى أن اختلاف الدوافع لا يقل أهمية عن اختلاف البنود، إذ يربط مرسوم 2011 بمحاولة احتواء لحظة احتجاجات، بينما يقرأ مرسوم 2026 بوصفه محاولة إدماج وطني ضمن مرحلة سياسية جديدة، مع الإشارة أيضاً إلى توترات خطابية وسياسية مرتبطة بالفاعلين المسلحين في الشمال الشرقي بحسب قراءة المركز. وهذه زاوية تحليلية واحدة ضمن نقاش أوسع، لكنها تذكّر بأن النصوص لا تُفهم خارج سياقها السياسي.

تحديات التنفيذ وأسئلة المستقبل

بطبيعة الحال، فإن كل مرسوم يحتاج إلى “حياة تنفيذية” كي يتحول إلى واقع، ومنح الجنسية لمكتومي القيد مثلاً يفتح سؤال الإثبات والتوثيق، لأن المشكلة الأصلية كانت غياب التسجيل. هنا تظهر أهمية ما تذكره تقارير حقوقية عن ضرورة اعتماد آليات عادلة وشفافة لتثبيت القيود والأنساب والزيجات، كي لا يتحول الإصلاح إلى باب جديد للتعطيل أو الاستثناءات.

كما أن إدخال اللغة الكردية إلى التعليم يحتاج قرارات وزارية ومناهج ومعلمين وتمويلاً، وإلا بقي بند “لغة وطنية” عنواناً بلا أدوات.

ثم يأتي سؤال ضمان عدم التمييز وتطبيق تجريم التحريض على الفتنة القومية، وهو بند يحمل وزناً خاصاً في مجتمع عاش سنوات حرب وانقسام وخطابات تعبئة. فنجاح هذا البند لا يتوقف على العقوبات فقط، بل على خطاب مؤسسات الدولة الإعلامية والتربوية كما نص المرسوم، وعلى قدرة الدولة على جعل حقوق المواطنين السوريين الكرد جزءاً طبيعياً من فكرة المواطنة، لا “ملفاً” يعود إلى الطاولة كلما تغيّر ميزان السياسة.

أخيراً، تبقى نقطة دستورية أعمق، فالمراسيم، مهما اتسع نطاقها، تظل قابلة للتغيير ما لم تُترجم إلى ضمانات في الدستور وقوانين تفصيلية وإجراءات ثابتة. لذلك يبدو النقاش العام اليوم أقرب إلى اختبارين متوازيين، اختبار الإرادة السياسية في تحويل الاعتراف إلى مؤسسات، واختبار القدرة الإدارية في معالجة تركة تراكمت ستة عقود. وبين هذين الاختبارين، يقف السوريون جميعاً أمام فرصة لتثبيت مفهوم أن حقوق المواطنين السوريين الكرد ليست منحة ظرفية، بل جزء من تعريف الدولة الحديثة لمواطنيها.

اقرأ أيضاً: دمج قسد: كتلة أم أفراد؟ وكلفة كل خيار على سوريا

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.