مقال رأي – د. أسامة أحمد نزار صالح – سوريا والقطيعة مع إرث المناورة: من “الوصاية” إلى “الدولة العقار”
لا ينتمي أسلوب الرئيس أحمد الشرع في إدارة الدولة إلى مدرسة “الأسدين” (الأب والابن)؛ فهو لا يحترف اللعب على الحبال، ولا يستثمر في الأزمات لتعزيز قبضته الداخلية، بل يرفض بشكل قاطع رهن القرار السيادي لأي محور مقابل البقاء في السلطة.
وبدلاً من سياسة “الابتزاز” التي طبعت علاقة دمشق بالعالم لعقود، اختار الشرع إجراء “جراحة تجميلية كبرى” للهوية السياسية السورية؛ بدأت بتصفير العلاقة مع طهران، ثم اندفعت أخيراً نحو “سياسة الصدمة الدبلوماسية” تجاه موسكو. ولم يكن استقبال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في دمشق مجرد إجراء بروتوكولي، بل رصاصة الرحمة على حقبة الارتهان للقرار الروسي، وإعلاناً صريحاً بأن البوصلة السورية باتت تُضبط في ساحة الأمويين لا في أروقة الكرملين.
وبوضوح استراتيجي وفهمٍ دقيق لموازين القوى، اختار الشرع استعادة المركزية السورية ضمن محيطها العربي، نأياً بالبلاد عن محرقة المحاور. وبينما أصرّ “حزب الله” على تحويل الجغرافيا اللبنانية إلى “صندوق بريد” لخدمة طموحات طهران، كان الشرع يدرك أن تكلفة أدوار الوصاية القديمة أرهقت سورية أكثر مما نفعتها. لذلك، ورغم أن الانفتاح الغربي أثمر سريعاً في بتر “الشريان الوصل” اللوجستي لميليشيات سليماني بين إيران والعراق ولبنان، إلا أن هذا الاحتضان لم يُغْرِ الشرع باستعادة أدوات الوصاية البائدة؛ فلم يتخذ من “الانسداد اللبناني” ذريعةً للتدخل التقليدي، مدركاً أن قوة دمشق اليوم تكمن في “استكمال بناء نموذج مؤسساتي سيادي” لا في “حضور عسكري متهور”.

هنا تتجلى القطيعة الاستراتيجية مع الماضي؛ ففي حين استغل حافظ الأسد قديماً “حماية المسيحيين” كستار لابتلاع لبنان، ابتعد الشرع اليوم عن استغلال ثلاثة عوامل ذهبية: “الضوء الأخضر الغربي”، و”تآكل قوة حزب الله”، وحجة “حماية اتفاق الطائف” لتعزيز مكاسب سيهلل له فيها المحور الغربي-الإسرائيلي. هذا الترفع ليس زهداً أخلاقياً، بل واقعية سياسية تؤمن بأن “استقرار وسيادة لبنان” هو مصلحة سورية عليا لتثبيت الاستقرار الإقليمي، وأن دمشق لا تحتاج لأن تكون “إطفائياً” مولعاً بإشعال الحرائق لكي تثبت حضورها، بل شريكاً ندياً يسهم في “قلع أنياب” الفوضى الإيرانية عبر قطع شريان الإمداد كقرار سيادي يحمي الأمن القومي السوري أولاً، مقابل استحقاقات تنموية تنهض بالداخل السوري المنهك.
ومع وصول المفاوضات الأمريكية-الإيرانية إلى طريق مسدود، تبرز نذر “المواجهة الانتحارية”؛ وفي ظل الاندفاعة الإسرائيلية لاقتلاع ما تبقى من أذرع الميليشيات، يبرز دهاء الشرع في سحب الذرائع؛ فبقطع شريان الإمداد الإيراني، يكون قد عزل الجغرافيا السورية عن حرائق المواجهة المحتملة، وحمى الداخل من مغامرات “تفتيت الساحات”، فارضاً على تل أبيب واقعاً جديداً تتعامل فيه مع “دولة سيادية” تحمي حدودها بقرارها، لا مع “ساحة مخترقة” تستجلب العدوان.
وبينما تكتفي الصين باستقرار تجارتها العالمية، وروسيا بالدعم الدبلوماسي لحليفتها طهران، يبقى الرهان على نهج “الوضوح الاستراتيجي” السوري؛ محولاً سوريا إلى “الدولة العقار” التي تستثمر موقعها الجيوسياسي الفريد كضمانة لاستقرار المنطقة، ورأس مال سيادي يؤمن مستقبل السوريين بقرار وطني مستقل تماماً.
اقرأ أيضاً: هل ينتصر المواطن على قرار الكهرباء الحكومي في المحكمة؟