الكاتب: أحمد علي
حين يصدر قرار بزيادة الرواتب في سوريا، لا يبقى الخبر داخل الجداول المالية، وإنما يتجري التعاطي معه بصورة مميزة ومحددة وثابتة، إذ ينتقل فوراً إلى السوق.. يسأل الموظف عن راتبه الجديد، ثم يسأل مباشرة بعد دقائق عن سعر الخبز، والمواصلات، والإيجار، وما إذا كانت الزيادة ستبقى في جيبه أم ستسبقها الأسعار إلى الارتفاع. لذلك تبدو الزيادات الأخيرة أقل شبهاً بإجراء إداري، وأكثر شبهاً باختبار لاقتصاد متعب. الاختبار لا يتعلق بحسن النية، بل بالقدرة على تحويل زيادة الدخل إلى تحسن فعلي في المعيشة، من دون فتح باب جديد للتضخم…
الزيادة حين تصل بعد الأسعار
أصدر الرئيس أحمد الشرع في آذار 2026 المرسوم رقم 67، القاضي بإضافة 50 بالمئة إلى الرواتب والأجور المقطوعة للعاملين في الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة وشركات ومنشآت القطاع العام والوحدات الإدارية، إضافة إلى جهات القطاع المشترك التي لا تقل مساهمة الدولة فيها عن 50 بالمئة. وفي أيار، أصدرت وزارة المالية التعليمات التنفيذية لصرف الزيادة مع رواتب الأسبوع الأخير من الشهر نفسه.
لم تكن الزيادة العامة وحدها هي عنوان المرحلة. فالمرسوم رقم 68 أقر زيادات نوعية للعاملين في جهات محددة، بينها الصحة، والتعليم العالي، والتربية، والأوقاف، ومصرف سوريا المركزي، وأجهزة الرقابة، وهيئة الطاقة الذرية. وقدم وزير المالية محمد يسر برنية هذه الإجراءات باعتبارها جزءاً من إصلاح أوسع لمنظومة الأجور، تمهيداً لنظام يرتبط بغلاء المعيشة وبأداء الموظف، ويمنح قطاعات حساسة قدرة أكبر على تثبيت الكفاءات.
هذه هي الصيغة الرسمية. أما الصيغة الاجتماعية، فهي أبسط وأكثر قسوة. الراتب كان منخفضاً إلى درجة أن أي زيادة تبدو كبيرة على الورق، لكنها لا تصمد طويلاً أمام سلة المعيشة. ففي 2025، شهدت الرواتب زيادة كبيرة بنسبة 200 بالمئة، ونقل عن مسؤول في وزارة المالية أن رواتب تراوحت بين 200 و300 ألف ليرة، أي نحو 20 إلى 30 دولاراً، ارتفعت بعدها إلى ما بين 900 ألف ومليون ليرة، أي نحو 90 إلى 100 دولار. ومع ذلك، قال موظفون إن مصاريف الأسرة قد تصل إلى 5 أو 7 ملايين ليرة شهرياً.
الفجوة هنا لا تحتاج إلى شرح طويل. الزيادة تحسن الرقم، لكنها لا تلغي السؤال. ماذا يستطيع الراتب أن يشتري؟
آراء الاقتصاديين: ضرورة اجتماعية أم وقود للأسعار؟
تتباين آراء الاقتصاديين حول الأثر المتوقع للزيادات. لا أحد تقريباً ينكر الحاجة إلى تحسين الدخل، لكن الخلاف يبدأ عند التمويل، وحجم الزيادة، وقدرة الإنتاج المحلي على الاستجابة لأي طلب إضافي.
الخبير الاقتصادي سامر رحال رأى، في حديث لصحيفة الثورة، أن زيادة الرواتب محاولة لاحتواء التوترات الاجتماعية والحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة. لكنه حذر من أن زيادات كبيرة، خصوصاً إذا تجاوزت 200 بالمئة ولم تقترن بموارد حقيقية، قد تدفع نحو موجة جديدة من التضخم وارتفاع الأسعار. واقترح أن تكون الزيادة تدريجية، بين 120 و180 بالمئة، وأن تميل لمصلحة الشرائح الأدنى دخلاً، مع تمويلها من تحسين التحصيل الضريبي، وإعادة هيكلة المؤسسات العامة الخاسرة، وترشيد الدعم غير الموجه، ودعم الإنتاج المحلي.
في المقابل، شدد المحلل الاقتصادي شادي سليمان، في المصدر نفسه، على أن رفع الأجور بات ضرورة لمواجهة التضخم، لكنه ربط جدوى الزيادة بقدرتها الفعلية على ملاحقة ارتفاع أسعار السلع والخدمات. وطرح احتمالات تمويلها من فائض الموازنة، أو من إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، أو عبر تحسين أداء الشركات والمؤسسات المملوكة للدولة.
رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية، مازن ديروان، قدم قراءة أكثر تفاؤلاً. وبحسب ما نقلته صحيفة الحرية، فإن ديروان رأى أن الزيادة قد تنشط الاقتصاد المحلي، إذا بقي سعر الصرف مستقراً، لأن أصحاب الدخل المحدود ينفقون معظم دخلهم على السلع الأساسية، وكثير منها محلي. لكنه ربط الأثر الإيجابي بوجود منافسة وتحرير اقتصادي يمنع الاحتكارات من ابتلاع الزيادة عبر رفع الأسعار.
أما الخبير الاقتصادي محمد الحلاق، فاعتبر الزيادات خطوة مهمة وضرورية، لكنها غير كافية من دون رؤية اقتصادية شاملة. وحذر من أن ضعف الإنتاج قد يزيد عجز الموازنة، ومن أن رفع الحد الأدنى للأجور قد يرفع أعباء التأمينات الاجتماعية على قطاع الأعمال، بما قد يدفع بعض أصحاب العمل إلى تقليص العمالة. وفي الوقت نفسه، أقر بأن أثراً تضخمياً ما قد يحدث، لكنه رأى أنه قد يكون ثمناً ضرورياً لتخفيف جزء من الفجوة المعيشية.
هذه القراءات لا تلغي بعضها. هي تدور حول معادلة واحدة. إذا جاءت الزيادة من اقتصاد ينتج ويمول نفسه، فقد تتحول إلى تنشيط محدود. وإذا جاءت من كتلة نقدية أكبر تطارد السلع نفسها، فستعود إلى الناس على شكل أسعار أعلى.
ما بعد الراتب: الإنتاج والسيولة والثقة
لا يقف أثر زيادة الرواتب عند قرار الصرف، والتضخم لا ينتظر النشرة الرسمية. ما يحدد النتيجة هو مصدر التمويل، وحجم المعروض من السلع، وسلوك السوق. فإذا مولت الزيادة من موارد حقيقية، كتحسين الإيرادات أو ضبط الإنفاق أو دعم خارجي واضح، يكون الضغط التضخمي أقل. أما إذا جرى تمويلها بطباعة نقود أو بتوسيع الكتلة النقدية من دون إنتاج مقابل، فإن أثرها المعيشي يتآكل سريعاً.
قدّر تقرير محلّي، استناداً إلى أرقام عن عدد العاملين ورواتبهم، أن فاتورة الرواتب بعد زيادة 200 بالمئة قد تصل إلى نحو 112.5 مليون دولار شهرياً، مع عجز إضافي يقدر بنحو 75 مليون دولار شهرياً مقارنة بالوضع السابق. التقرير رأى أن التمويل عبر المنح والمساعدات أقل تضخماً من طباعة العملة، لكنه حذر من أن الاعتماد على الدعم الخارجي ليس ضمانة مستدامة.
تظهر هنا مسألة أخرى، هي السيولة. الخبير زياد عربش رأى، أن ضخ الرواتب قد يحفز النشاط الاقتصادي العام ولا يسبب بالضرورة ضغطاً تضخمياً مباشراً إذا تحركت الأسواق بسلاسة. لكنه حذر من استمرار حبس السيولة وصعوبة حصول المواطنين على أموالهم، لأن ذلك يضعف الثقة ويعطل حركة الاقتصاد. الراتب لا يؤدي وظيفته إذا بقي رقماً في الحساب لا يصل إلى يد صاحبه بسهولة.
من جهة السوق، تبدو المخاوف مفهومة. أي زيادة في الدخل قد تفتح شهية بعض التجار على رفع الأسعار، خصوصاً في ظل ضعف الرقابة على حلقات الجملة والوساطة. ومن جهة الأسر، تبدو الحاجة أشد وضوحاً. فترك الرواتب عند مستويات لا تكفي أياماً قليلة يعني دفع الموظف إلى عمل إضافي، أو دين، أو تقليص مستمر للغذاء والصحة والتعليم.
لذلك، لا يمكن الحكم على زيادات الرواتب الأخيرة بوصفها حلاً كاملاً أو خطأ كاملاً. هي ضرورة اجتماعية، لكنها ضرورة ناقصة. تنجح إذا جاءت ضمن سياسة أوسع تشمل الإنتاج، والتمويل المستقر، وضبط الأسواق، وتحسين الجباية من القادرين، وعدم خنق السيولة. وتفشل إذا تُركت وحيدة في مواجهة اقتصاد ضعيف وأسعار أسرع من الراتب.
الخلاصة أن زيادة الراتب تخفف الألم، لكنها لا تعالج المرض وحدها. المواطن يحتاج إلى دخل أعلى، نعم، لكنه يحتاج أيضاً إلى سوق لا يبتلع الزيادة في أسبوع، وإلى إنتاج يوسع المعروض، وإلى سياسة نقدية لا تطبع بلا حساب ولا تحبس المال عن الناس. عند هذه النقطة فقط يمكن أن تتحول الزيادة من خبر مريح لساعات إلى تغيير ملموس في حياة السوريين.
اقرأ أيضاً: قراءة في تقرير التضخم التراكمي ومعانيه.. أين وصل حال السوريين؟!