مشاهير

سوريا في قلب العاصفة..أضرار واسعة واستجابة تحت الضغط

سوريا في قلب العاصفة..أضرار واسعة واستجابة تحت الضغط

بقلم: ريم ريّا

لم تكن العاصفة الأخيرة في سوريا مجرد منخفض جوي عابر، في بلدٍ اعتاد على تتالي الأزمات المركبة، كل طارئ يشكل اختباراً جديداً للبنية التحتية الهشة التي باتت عاجزة عن الصمود. الاختبار ليس فقط للبنية وحدها بل لجاهزية مؤسسات الطوارئ في التعامل مع الكوارث الطبيعية التي تتقاطع فيها العوامل المناخية مع الواقع الاقتصادي والخدمي المتهالك في البلاد.

من اللاذقية على الساحل السوري، حيث تعطلت محطات المياه وهددت الأمواج المرافئ، وصولاً إلى حلب والرقة حيث تحولت الأمطار إلى سيول قاتلة، كشفت العاصمة تباعاً عن حجم الفجوة بين الاستجابة الممكنة وخطر تهديد الطبيعة، وعادت لطرح السؤال مجدداً: من يتحمل الخسارة ومن يعوضها؟

حجم أضرار العاصفة في سوريا.. من اللاذقية إلى باقي المحافظات

اللاذقية لم تكن بمنأى عن تأثير العاصفة المباشر، بل في الحقيقة كانت في قلبها. إذ أدت الرياح الشديدة والأمطار الغزيرة إلى اضطرابات خدمية وزراعية واضحة. أبرز تلك الاضطرابات تعرض محطات المياه الرئيسية المغذية للمدينة لانقطاع في التيار الكهربائي، ما انعكس بشكل مباشر على ضعف ضخ المياه وعدم انتظامه في عدد من أحياء المدينة وريفها، في مؤشر على هشاشة الربط بين قطاعي المياه والطاقة في أوقات الطوارئ والأزمات.

على الصعيد الميداني، شهد ريف اللاذقية فيضان لنهر الكبير الشمالي، والذي غمر مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في قرى جبريون والجنديرية وعين اللبن، ما أدى لخسائر مباشرة في الإنتاج الزراعي، دون تقدير رقمي دقيق حتى الآن، لكنه يندرج ضمن الأضرار المفتوحة زمنياً والتي تظهر آثارها لاحقاً في سلاسل الإمداد والأسعار تباعاً.

بحرياً، كانت الصورة الأشد خطورة من صور العاصفة، فقد تعرضت سفن راسية في مرفأ اللاذقية لانقطاع حبال الإرساء بفعل الرياح العنيفة والتي ترافقت مع ارتفاع الأمواج، ما استدعى تدخلاً عاجلاً لتفادي اصطدامها أو انجرافها، وسط اضطراب بحري وصل فيه ارتفاع الموج إلى نحو 5.5 أمتار، مع تسجيل هبات رياح تجاوزت 100 كم/ ساعة.

على مستوى سوريا ككل، اتسعت مروحة الأضرار بشكل لافت. سجلت الرقة كارثة إنسانية بفعل العاصفة أدت إلى وفاة أربعة أطفال إثر انهيار غرفة طينية في قرية الحردان في ريف المحافظة الشرقي. أما في حلب فقد غمرت السيول أحياء كاملة، ما أدى إلى قطع الخدمات الأساسية في بعضها ومنها الكهرباء.

في السياق ذاته، سجلت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث ما مجموعه 155 حالة طوارئ في حلب ودمشق وحدها توزعت إلى:

  • 55 موقعاً متضرراً في حلب وريفها.
  • أكثر من 100 استجابة ميدانية في دمشق وريفها.

وفي التفاصيل العملياتية:

  • فتح 90 ممراً مائياً داخل الأنفاق
  • سحب 11 آلية عالقة
  • تفريغ المياه من 11 منزلاً غارقاً
  • تضرر 11 مخيماً للنازحين
  • رصد 4 مبانٍ آيلة للسقوط

وفي حصيلة أشمل على مستوى البلاد تم:

  • تنفيذ عمليات في 108 مواقع ميدانية.
  • فتح أكثر من 150 ممراً مائياً.
  • تنفيذ 34 عملية سحب مياه من منازل وأقبية.
  • معالجة 6 مخيمات عبر فتح قنوات تصريف.
  • تفقد 6 منازل و10 خيام متضررة.
  • إخلاء 3 عائلات.
  • فتح 25 طريقاً.
  • سحب 23 سيارة عالقة.
  • التعامل مع سقوط أشجار وعمود كهرباء في موقعين.

هذه الأرقام، رغم كثافتها، تعكس جانباً من الصورة فقط، إذ تبقى الخسائر غير المباشرة، خصوصاً الزراعية والخدمية، خارج التقدير الفوري.

اقرا أيضاً: اللاذقية وطرطوس بعد العواصف: ما الذي كشفته الفيضانات عن هشاشة البنية الخدمية؟

آلية عمل الطوارئ وكيف تمت عملية الاستجابة

في الواقع، كانت الاستجابة الرسمية على مستوى عالي من الاستنفار، أقله من ناحية حجم العمليات المنفذة وتوسعها الجغرافي. فقد رفعت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث جاهزية فرقها الميدانية، فيما كثف الدفاع المدني عملياته للتعامل مع عشرات النداءات يومياً.

شمل تركز الاستجابة ثلاث محاور أساسية، أولها، حماية الأرواح عن طريق الإخلاء المباشر، كما حصل مع العائلات التي حوصرت بالمياه في ريف حلب، إلى جانب إخلاء ثلاث عائلات في مناطق أخرى.

شمل المحور الثاني، المحافظة على البنية التحتية التشغيلية، من خلال فتح الطرق المغلقة قرابة 25 طريقاً وإعادة تصريف المياه عبر أكثر من 150 ممراً مائياً، ما ساهم في تخفيف الضغط عن المناطق المنخفضة والأنفاق.

أما المحور الثالث، فقد شمل العمل على تقليل الخسائر المادية، من خلال سحب السيارات العالقة، ما يقارب 23 سيارة، ومعالجة تجمعات المياه في الأقبية والمنازل، فضلاً عن التعامل مع الأبنية المهددة بالانهيار.

في محافظة اللاذقية على وجه الخصوص، كان هناك استجابة نوعية من قبل فرق الإرشاد البحري، التي تحركت فوراً وبشكل سريع لتثبيت السفن المتضررة داخل المرفأ، في عملية دقيقة تهدف إلى حماية الأرواح ومنع خسائر اقتصادية أكبر، خاصةً في ظل اضطراب بحري شديد.

كما أصدرت الجهات المختصة سلسلة إرشادات للسكان في وقت سابق، شملت تجنب مجاري الأودية، والابتعاد عن الأبنية المتصدعة، وتخفيف السرعة أثناء القيادة، في محاولة لتقليل الخسائر قبل وقوعها، وهي نقطة تحسب نظرياً، حتى لو كان الالتزام بها عملياً متفاوتاً.

السؤال الرئيسي “من يعوض المواطن؟”.. وما أبرز الشكاوى

في سوريا، يعتمد على صندوق التخفيف من آثار الجفاف والكوارث الطبيعية التابع لوزارة الزراعة في تعويض الأضرار، والذي يرصد مبالغ مالية تصل إلى مليارات الليرات السورية، موجهة بشكل رئيسي للمزارعين والمتضررين في القطاعات الإنتاجية.

أما عن آلية التعويض، فتتم بعد تشكيل لجان مختصة تقوم بحصر الأضرار بشكل ميداني، ومن بعدها إعداد تقارير مفصلة يتم رفعها إلى الجهات المعنية لإقرار التعويضات. هذه العملية من الناحية النظرية منظمة، أما عملياً تبدو بطيئة ومعقدة، وهو ما يفتح الباب أمام شكاوى متكررة.

ومن أبرز الشكاوى التي تم رصدها على لسان المواطنين عبر منصات التواصل الاجتماعي، تمحورت جلها حول تأخر صرف التعويضات لفترات طويلة، عدم كفاية المبالغ مقارنةً بحجم الخسائر الفعلية، استبعاد بعض المتضررين لعوامل عديدة منها نقص التوثيق. وجانب من المواطنين مستاء من التركيز على قطاعات محددة مثل الزراعة، على حساب أضرار أخرى سكنية وخدمية، فضلاً عن ضعف الشفافية في عمل لجان التقدير.

كذلك، حسب بعض الآراء التي تم رصدها، كثيراً ما يجد المتضرر نفسه أمام مفارقة قاسية، إما خسارة فورية وواضحة أو تعويض جزئي أو مؤجل، وربما لا يصل من الأصل.

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.