منوعات

سوريا: كيف تُدار الخدمات لــ 5.54 مليون نازح و1.86 مليون عائد داخلياً؟

سوريا: كيف تُدار الخدمات لــ 5.54 مليون نازح و1.86 مليون عائد داخلياً؟

الكاتب: أحمد علي

كتب سعد الله ونوس ذات يوم «إننا محكومون بالأمل»، غير أن الأمل في سوريا اليوم وبالنسبة للناس لا يُقاس بارتفاع النبرة ولا بكثرة الوعود، بل بقدرة الناس على الوصول إلى ماء نظيف، ودواء متاح، ومدرسة تعمل، ووثيقة تثبت الحق، وسقف يحمي العائد والنازح معاً. من هذه الزاوية تحديداً يبدو سؤال الخدمات أكثر من ملف إداري، لأنه يمس صميم المرحلة السورية الراهنة، حيث تتجاور حركة نزوح ما تزال واسعة مع عودة داخلية كبيرة، وتتحول الأرقام من مجرد إحصاء إلى اختبار يومي لطاقة المنظومة العامة والإنسانية على الاحتمال والتنظيم.

الخدمات للنازحين والعائدين في سوريا

بحسب لوحة المفوضية السامية لشؤون اللاجئين الصادرة في 19 آذار 2026، ما يزال في سوريا نحو 5.54 مليون نازح داخلياً، فيما بلغ عدد العائدين داخلياً منذ كانون الأول 2024 وحتى التاريخ نفسه نحو 1.86 مليون شخص. الأهم من الرقمين معاً أن 76 في المئة من النازحين يقيمون خارج مواقع النزوح الرسمية، مقابل 24 في المئة داخلها، مع وجود 1,419 موقع نزوح قائم، ونحو 1.08 مليون شخص داخل هذه المواقع، وكون النساء والأطفال يشكلون 78 في المئة من المقيمين فيها.

وهذا يعني أن إدارة الخدمات لا تُحسم داخل المخيمات فقط، بل في الأحياء والبلدات وشبكات الاستضافة والمراكز الصحية والمدارس ونقاط المياه، أي في المجال الأهلي والخدمي الأوسع. كما تُظهر الخريطة أن الثقل الأكبر للنزوح يتركز في إدلب وريف دمشق وحلب، بينما تتركز العودة الداخلية خصوصاً في حلب وإدلب وحماة ودير الزور وحمص، وهو ما يجعل الضغط الخدمي غير متساو بين المحافظات، ويجعل سؤال التوزيع لا يقل أهمية عن سؤال التمويل.

إدارة موزعة لا مركزية

ما يظهر من منصات التنسيق الإنساني الخاصة بسوريا أن الخدمات تُدار عبر شبكة متداخلة لا عبر مركز واحد مغلق، فهناك استجابة منسقة على مستوى الفريق الإنساني القطري، ولوحات متابعة للحضور والاستجابة وخرائط 4W، إلى جانب قطاعات متخصصة للصحة والمياه والحماية والمأوى، ومجموعة عمل للنقد، وصناديق تمويل إنسانية تتابع الأولويات والاعتمادات.

وتوضح صفحة قطاع الصحة مثلاً وجود بنية تشغيلية تشمل لوحات تفاعلية متعددة، ومسارات إحالة، واجتماعات تنسيق وطنية ودون وطنية، بينما تؤكد صفحة مجموعة العمل النقدية أن المساعدات النقدية باتت جزءاً منظماً من إدارة الاحتياج لا مجرد أداة طارئة هامشية.

ومن ثم يمكن القول إن الخدمات في سوريا تُدار اليوم بصيغة هجينة، تشترك فيها السلطات المحلية والوزارات والوكالات الأممية والمنظمات الدولية والمحلية وشبكات الإحالة المجتمعية، مع اعتماد كبير على التتبع الدوري للثغرات، وعلى إعادة توجيه الموارد بحسب حركة السكان لا بحسب الخرائط القديمة فقط.

وتزيد أهمية هذه القراءة حين يُلاحظ أن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أشار إلى أن العمل في مطلع 2026 كان لا يزال يستند إلى أرقام التخطيط الخاصة بعام 2025 بينما كان إطار 2026 في طور الاستكمال، وهو ما يكشف أن إدارة الخدمات تجري أيضاً في بيئة تخطيطية انتقالية، تتبدل فيها الأولويات بسرعة مع كل موجة حركة سكانية أو تراجع أمني جديد.

العودة تنقل العبء الخدمي

العودة الداخلية لا تعني تلقائياً تراجع العبء على الخدمات، بل غالباً ما تعني انتقاله إلى مناطق أخرى واستبدال نوع من الضغط بنوع آخر، فتقارير المفوضية والتحديثات الإقليمية خلال 2026 تُظهر أن كثيراً من العائدين يحتاجون إلى المأوى والحماية والمساعدة النقدية والغذاء والمساعدة القانونية، لا لأنهم عادوا إلى بيئة مستقرة تماماً، بل لأن العودة نفسها تتم إلى أماكن ما تزال قدرتها على الاستيعاب محدودة.

وتدعم مؤشرات المنظمة الدولية للهجرة هذا المعنى، إذ تشير إلى أن كثيراً من مجتمعات العودة تعاني من عدم انتظام الكهرباء والمياه والخدمات الصحية، ومن فجوات في الوثائق المدنية التي تعيق الوصول إلى الخدمات أو استعادة حقوق السكن والأرض والملكية، فضلاً عن ضعف فرص العمل وبطء ترميم المساكن.

وهنا يصبح معنى إدارة الخدمات أوسع من تشغيل مركز أو توزيع سلة، لأنه يتعلق أيضاً بقدرة المناطق المستقبلة على استيعاب العائدين من دون أن ينهار التوازن الهش بين السكان المقيمين والعائدين والنازحين المستضافين.

بين الإسعاف والتعافي المبكر

المشهد السوري في 2026 يفرض على الخدمات أن تعمل بمنطقين معاً، منطق الاستجابة السريعة ومنطق التعافي المبكر. فالتقارير الأممية عن شمال شرقي سوريا وحلب أظهرت في مطلع العام أن أكثر من 116 ألف نازح بقوا موزعين على 165 مجتمعاً محلياً، مع استمرار أعطال البنية التحتية وانقطاعات الكهرباء وتأثر محطات المياه والمستشفيات ومسارات الإحالة الطبية. كما أشارت تحديثات أخرى إلى أن الأضرار اللاحقة بالبنية التحتية، والمخاطر الناجمة عن الذخائر غير المنفجرة، والقيود على الحركة، كلها عوامل تحد من توسعة المساعدة وتؤخر العودة الآمنة.

ولهذا لا تُدار الخدمات هناك كملف رفاه إداري، بل كعملية ترميم مستمرة لخطوط الحياة الأساسية، تبدأ من المياه والصحة والحماية والتعليم، وتمر عبر النقد والمأوى، ولا تنفصل عن أعمال إزالة الخطر من الذخائر وتأمين الوصول الإنساني. وتنسجم هذه المقاربة مع ما تقوله خطط التعافي المبكر واستجابة المنظمة الدولية للهجرة لعام 2026 عن ضرورة الجمع بين معالجة الاحتياج الفوري، وتعزيز قدرة المؤسسات المحلية، ودعم إعادة الإدماج المستدام.

التمويل هو الاختبار

العقدة الحاسمة ليست تقنية فقط، بل مالية أيضاً. فمع أن بنية التنسيق موجودة، ومع أن البيانات صارت أكثر انتظاماً، إلا أن استدامة الخدمات تبقى رهينة التمويل المنتظم والقدرة على حماية القطاعات الأساسية من الانقطاع.

وتحدثت تقارير اليونيسف في نهاية 2025 بوضوح عن أن نقص التمويل يقوض استمرارية الخدمات المنقذة للحياة وخدمات الحماية للأطفال والنساء، كما حذرت المتابعات الإنسانية من فجوات تهدد خدمات المياه على نحو خاص في بعض المخيمات والمناطق الهشة. وهذا يفسر لماذا لا يكفي الحديث عن عودة الناس بحد ذاته، لأن العودة التي لا تجد ماء وكهرباء وصحة ووثائق وفرص دخل قد تتحول إلى استقرار هش أو إلى نزوح جديد مقنع.

كما أن الضغط لا يقع على العائدين وحدهم، بل يمتد إلى المجتمعات المضيفة نفسها، إذ إن المدرسة والمخبز والمركز الصحي وشبكة المياه لا تميز بين مقيم وعائد ونازح، وأي نقص في السعة أو التمويل يتحول سريعاً إلى توتر اجتماعي أو إلى تراجع في مستوى الخدمة للجميع.

ولذلك فإن إدارة الخدمات لخمسة ملايين ونصف مليون نازح، ولما يقرب من مليونين من العائدين داخلياً، ليست مسألة توزيع مساعدات فحسب، بل عملية موازنة دقيقة بين الإغاثة والتمويل والحوكمة المحلية وإعادة تشغيل البنية الأساسية. والاختبار الحقيقي في سوريا اليوم ليس في إعلان القدرة على الاستجابة، بل في جعل هذه الخدمات قابلة للاستمرار، وعادلة في التوزيع، ومرتبطة بخريطة الحركة السكانية الجديدة لا بذكريات الخرائط القديمة.

اقرأ أيضاً: المواطن السوري يرزح تحت الضرائب دون الحصول على الخدمات!

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.