الكاتب: أحمد علي
لا يعود التصريح السياسي دائماً لأنه يحمل جديداً كاملاً. أحياناً يعود لأنه يختار زاوية مختلفة للنظر إلى المشهد نفسه. هكذا بدت عودة توم باراك إلى الحديث عن سوريا بعد فترة صمت نسبي. لم يضع البلد في خانة الأزمة وحدها، ولم يكتف بمعجم العقوبات والحدود والملفات الأمنية. استخدم تعبيراً لافتاً، ووصف سوريا بأنها مختبر لتوافق إقليمي جديد.
الكلمة ثقيلة. فالمختبر ليس إعلان نجاح، بل مكان اختبار. فيه تُجرّب الفرضيات، وتُقاس النتائج، وقد تظهر الأخطاء قبل أن يظهر النموذج. لذلك لا يمكن قراءة تصريحات باراك باعتبارها مجاملة دبلوماسية فقط، ولا بوصفها تحولاً نهائياً في الموقف الأميركي. هي إشارة إلى مرحلة مفتوحة، فيها فرصة، وفيها شروط كثيرة أيضاً.
تصريحات باراك بين التفاؤل المحسوب والرسالة السياسية
قال المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم باراك، إن البلاد باتت تمثل مختبراً لتحالف إقليمي جديد قائم على الدبلوماسية والاندماج والأمل، معتبراً أن ما تحقق خلال الفترة الماضية يفتح الباب أمام تقدم للسوريين واستقرار أوسع في المنطقة. جاء ذلك بعد لقائه الرئيس السوري أحمد الشرع في دمشق، بحضور وزير الخارجية أسعد الشيباني، حيث تناول اللقاء، بحسب الرئاسة السورية، مستجدات الأوضاع في سوريا والمنطقة وسبل تعزيز التعاون الاقتصادي بين دمشق وواشنطن. هذا ظاهر التصريح. أما ما تحته، فيحتاج إلى قراءة أبطأ.
باراك لا يتحدث عن سوريا كملف منفصل. يضعها داخل شبكة أوسع من التفاهمات الممكنة. تركيا حاضرة في الحساب. الخليج حاضر. القوى الكردية حاضرة. أمن الحدود حاضر. وملف العقوبات حاضر أيضاً، حتى بعد تخفيف بعض القيود أو رفع أجزاء منها في مسارات أميركية وأوروبية. بهذا المعنى، تصبح سوريا نقطة اختبار لقدرة أطراف متباعدة على إنتاج حد أدنى من التفاهم حول بلد كان لسنوات طويلة ساحة اشتباك مفتوحة.
اللافت ليس قوله إن التقدم ملحوظ فقط. اللافت أنه ربط هذا التقدم بفكرة الاندماج الإقليمي. وهذا الربط يرفع سقف التوقعات، لكنه يرفع معه سقف المطالب. فالتقدم، في قاموس السياسة الخارجية، لا يثبت بالعبارات العامة. يثبت حين تستطيع الدولة ضبط الأمن، وفتح قنوات اقتصادية، وإدارة علاقات متوترة من دون دفعها إلى انفجار جديد.
ما بعد الغياب وتبدل اللغة لا الشروط
الحديث عن عودة باراك بعد غياب طويل لا يعني أنه كان خارج المشهد تماماً. الرجل ظل حاضراً في محطات مرتبطة بالملف السوري وبترتيبات المنطقة. لكن ما غاب طويلاً هو الصوت الأميركي الذي يتحدث عن سوريا بوصفها فرصة سياسية لا بوصفها عبئاً أمنياً فقط. هنا يقع التحول الأساسي.
قبل ذلك، كان الخطاب الأميركي يدور غالباً حول مكافحة الإرهاب، والعقوبات، وأمن الحدود، وحماية الحلفاء، وإدارة العلاقة مع القوى الإقليمية. اليوم يظهر قاموس آخر. اندماج. أمل. تحالف إقليمي. تعاون اقتصادي. هذه الكلمات لا تلغي القاموس القديم، لكنها تحاول أن تبني فوقه مساراً جديداً.
غير أن الدبلوماسية الأميركية، كما تظهر في ملفات مشابهة، لا تعطي ثقتها بلا مقابل. عندما تُطرح سوريا بوصفها مختبراً لتوافق إقليمي، فإن المعنى العملي هو أن على دمشق أن تثبت قدرتها على إدارة التناقضات التي تحيط بها. العلاقة مع تركيا ليست ملفاً جانبياً. العلاقة مع القوى الكردية ليست تفصيلاً أمنياً عابراً. الموقف من إسرائيل، وضبط الحدود، ومكافحة شبكات التهريب، وإعادة بناء الاقتصاد، كلها عناصر في امتحان واحد.
من هنا تبدو تصريحات باراك أقرب إلى فتح نافذة سياسية منها إلى إعلان عودة كاملة. النافذة مهمة، لكنها لا تساوي الطريق. والطريق يحتاج إلى أداء مستمر، لا إلى حدث واحد أو لقاء واحد أو عبارة لافتة في تصريح صحفي.
سوريا كمساحة توافق وأين يقع الامتحان الحقيقي؟
الفكرة الأعمق في كلام باراك هي نقل سوريا من صورة الساحة إلى صورة المساحة. الساحة تعني تصفية الحسابات. المساحة تعني إمكان ترتيب المصالح. الفرق كبير، لكنه ليس مضموناً. لا يكفي أن تريد واشنطن ذلك، ولا يكفي أن ترحب دمشق به. يجب أن تقبله العواصم المؤثرة، ويجب أن يجد له أساساً داخل سوريا نفسها.
هناك جانب اقتصادي واضح في اللقاء. الحديث عن تعزيز التعاون بين سوريا والولايات المتحدة يتصل مباشرة بمسار العقوبات، وبحاجة دمشق إلى الاستثمار والتمويل، وبحذر الشركات والمصارف من العودة السريعة. فرفع القيود أو تخفيفها لا يعني تلقائياً أن القطاع الخاص سيتحرك. الشركات تريد قوانين واضحة. المصارف تريد امتثالاً ومخاطر قابلة للحساب. والدول تريد مؤسسات تستطيع الالتزام بما توقعه.
وهناك جانب داخلي لا يمكن القفز فوقه. السوريون لا يقيسون قيمة الانفتاح الخارجي بعدد الصور أو التصريحات. يقيسونه بما يلمسونه في الأمن، والخدمات، وفرص العمل، وحركة السوق، وقدرة المؤسسات على العمل دون ارتباك دائم. إذا بقيت نتائج التحول محصورة في الخطاب السياسي، فستفقد العبارة معناها بسرعة. أما إذا بدأت تنعكس على الاقتصاد والإدارة والعلاقات الإقليمية، فستصبح سوريا فعلاً جزءاً من اختبار أوسع.
لذلك، لا تصنع تصريحات باراك مرحلة جديدة وحدها. لكنها تكشف ملامح مرحلة يجري اختبارها. سوريا لم تعد تُقرأ، في هذا الخطاب، كعقوبة مفتوحة أو كملف أمني جامد. صارت تُطرح، بحذر، كمكان يمكن أن يلتقي حوله المتخاصمون. هذا تغيير مهم. لكنه مشروط. فالمختبر لا يقاس باسم التجربة، بل بنتيجتها. والنتيجة لن يقررها التصريح، بل ما سيحدث بعده في السياسة والاقتصاد والداخل السوري.
اقرأ أيضاً: من هو توماس باراك وما أهمية تعيينه سفيراً لأمريكا في سوريا؟