اقتصاد

قراءة شاملة لمفاوضات باريس.. ما الذي تغيّر؟

قراءة شاملة لمفاوضات باريس.. ما الذي تغيّر؟

الكاتب: أحمد علي

تستحق جولة باريس الأخيرة أن تُقرأ بهدوء، لأن الجديد فيها ليس “مصافحة سياسية” ولا إعلان سلام جاهز للتوقيع، بل محاولة منظمة لتخفيف الاحتكاك وتدوير الزوايا تحت عين أميركية مباشرة. هذا وحده كافٍ ليجعلها مختلفة عن جولاتٍ سابقة كانت تنتهي غالباً إلى عناوين عامة وتسريبات متضاربة، ثم عودة سريعة إلى المربع الأمني نفسه. ما خرج هذه المرة، كما نقلته مصادر متعددة، هو إطار عملي واضح: لقاء لمسؤولين سوريين وإسرائيليين “رفيعي المستوى” برعاية ووساطة أميركية في باريس، مع حديث عن “نقاشات مثمرة” وتجديد التزام الطرفين بالسعي إلى ترتيبات أمنية واستقرارية “دائمة” للبلدين.

بيان مشترك ومعنى التوقيت

أبرز ما يلفت في مخرجات باريس هو أن الأطراف الثلاثة (واشنطن وتل أبيب ودمشق) قدّمت الرواية الأساسية عبر بيان مشترك نقلته وكالات وصحف دولية، لا عبر تسريبات متفرقة فقط. البيان، وفق ما أوردته رويترز، تحدث صراحة عن اتفاق لإنشاء “آلية تنسيق” لتبادل المعلومات الاستخباراتية والتنسيق في ملفات خفض التصعيد، إضافة إلى مساحة للانخراط الدبلوماسي والفرص التجارية، مع التأكيد على أن ذلك يتم “تحت إشراف الولايات المتحدة”.

هذا التفصيل مهم لأنه يرفع مستوى الرعاية الأميركية من دور “وسيط يسهّل” إلى دور “مشرف يدير”، وهو ما ينسجم مع قراءة تتعامل مع المسار بوصفه إدارة نزاع أكثر منه تسوية نهائية، خصوصاً مع بقاء الملفات الجوهرية كقضية الأراضي والانسحاب خارج أي نص صريح ملزم حتى الآن.

خلية اتصال.. لا معاهدة سلام

الآلية المقترحة ليست مجرد “خط ساخن” رمزي. بحسب ما نقلته Axios عن مسؤول أميركي، طرحت واشنطن إنشاء “خلية اندماج/تنسيق” في عمّان للإشراف على الوضع الأمني في جنوب سوريا واستضافة محادثات لاحقة حول نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي دخلتها “إسرائيل” بعد سقوط الأسد.

هنا تظهر الفكرة التي التقطها البعض: أميركا لا تبيع وهماً اسمه “السلام غداً”، بل تحاول بناء غرفة عمليات سياسية-أمنية صغيرة تمنع سوء الفهم، وتخفض احتمالات الانزلاق، وتفتح منفذاً تدريجياً لصفقات أوسع إذا استقر الميدان. هذه ليست شاعريّة دبلوماسية، بل هندسة مخاطر: تقليل الاحتكاك أولاً، ثم اختبار إمكانية توسيع العناوين نحو الاقتصاد والملفات المدنية لاحقاً، وهو ما روّج له أيضاً المبعوث الأميركي توم باراك في تصريحات نقلتها “جيروزاليم بوست” عندما وصف ما تحقق بأنه “اختراق” وبداية انتقال نحو تعاون وازدهار.

روايتان حول “تعليق العمليات”

في المقابل، ظهرت مباشرةً فجوة بين ما تريد واشنطن وتل أبيب تسويقه كخطوات بناء ثقة، وما تريد دمشق تثبيته كشروط سياسية. فقد نقلت تقارير عن مسؤول سوري (بلا اسم) أن الجولة اختتمت بمبادرة لتعليق جميع الأنشطة العسكرية الإسرائيلية ضد سوريا، لكن “إسرائيل” لم تؤكد ذلك فوراً، واكتفى مكتب نتنياهو بالقول إن التركيز كان على القضايا الأمنية إلى جانب التعاون الاقتصادي.

الأهم في الرواية السورية، كما أوردتها رويترز قبل الجولة وأثناء تغطية استئناف المحادثات، هو الإصرار على أن أي تقدم “استراتيجي” يحتاج جدولاً زمنياً واضحاً وملزماً لانسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما قبل التطورات التي أعقبت كانون الأول 2024، مع رفض إعطاء شرعية لأي وجود إسرائيلي داخل الأراضي السورية.

بهذا المعنى، يمكن تلخيص “باريس” بكلمة واحدة غير رومانسية: اختبار حدود الممكن. واشنطن تريد “آلية” تعمل الآن، دمشق تريد “جدول انسحاب” يسبق توسيع الملفات، وتل أبيب تريد ضمانات أمنية وتخفيض تهديدات مع أقل كلفة سياسية داخلية.

الصمت الرسمي السوري.. إشارة لا تفصيل

وسط كل ذلك، يظل الصمت السوري الرسمي لافتاً: لا إعلان واضح عن تفاصيل اللقاء ولا شرح لسقف التفاوض، بينما تتسرب التفاصيل عبر وكالات أجنبية ومنابر دولية. هذا الصمت لا يثبت وحده نوايا أو تنازلات، لكنه يزيد مساحة الشكوك ويترك الرأي العام أمام نسختين: نسخة بيانات دولية تتحدث عن آليات تنسيق وفرص تجارية، ونسخة شروط سورية تتحدث عن انسحاب وجدول زمني. والنتيجة أن “الحدث الكبير” يُروى من الخارج أكثر مما يُشرح من الداخل، وهذه عادةً ليست وصفة ممتازة لبناء إجماع داخلي حول ملف حساس أصلاً.

أنقرة وموسكو أمام “الآلية المشتركة”

السؤال الواقعي الآن: أين تركيا وروسيا من آلية يُفترض أن تُدار أميركياً ومن عمّان، وتتعلق بالجنوب السوري تحديداً؟ بالنسبة لتركيا، المؤشرات المتاحة تقول إنها تراقب بحذر أي ترتيبات قد تعيد رسم توازنات سوريا من دونها. وجود وزير الخارجية هاكان فيدان في باريس ولقاؤه بنظيره السوري على الهامش يرسل رسالة اهتمام مباشر، حتى لو لم تُنشر تفاصيل كثيرة. كما أن الخطاب التركي في الأشهر الماضية شدد على رفض الضربات الإسرائيلية واعتبارها انتهاكاً لسيادة سوريا، وهو موقف يجعل أنقرة حساسة لأي آلية قد تُفهم كغطاء لتثبيت واقع أمني جديد.

وإلى جانب ذلك، تركيا ترى ملف الشمال ودمج/تفكيك القوى الكردية المسلحة أولوية أمن قومي، وقد اتهمت أنقرة “قسد” بالتنسيق مع “إسرائيل” في سياق خلافاتها حول مسار الاندماج مع الدولة السورية، ما يعني أن أي توسع للدور الإسرائيلي داخل المشهد السوري يلامس أعصاباً تركية مباشرة.

لكن كما يبدو فإن خلاصة الموقف التركي: إذا كانت الآلية الأميركية تقلل احتمالات التصعيد وتحد من ضربات قد تفجر الجنوب، فقد تتعامل معها أنقرة كـ ”أمر واقع” بشرط ألا تتحول إلى منصة تتجاوز دورها أو تُنتج ترتيبات نهائية تمس وحدة القرار السوري أو تخلق قنوات إسرائيلية دائمة داخل سوريا من دون حساب للتوازنات الإقليمية.

أما روسيا، فالقصة أوضح من حيث التعارض البنيوي: موسكو كانت تاريخياً جزءاً من معادلة “ضبط الجنوب” عبر وجودها العسكري وعبر توظيفها لاتفاق فض الاشتباك لعام 1974 كمرجعية أمنية، بل إن تحليلات إسرائيلية-روسية سابقة تعاملت مع الاتفاق كقاعدة لترتيبات مستقبلية على خط الجولان.

ومنذ دخولها العسكري إلى سوريا، بنت روسيا أيضاً قنوات “منع الاحتكاك” مع “إسرائيل” لتفادي الصدام المباشر في الأجواء السورية. وفي الأمم المتحدة، أعلنت روسيا بوضوح رفضها للسيطرة الإسرائيلية على المنطقة العازلة بعد كانون الأول 2024، واعتبرت الضربات انتهاكاً للسيادة السورية، وطالبت بعودة “إسرائيل” لتطبيق اتفاق 1974 عملياً بما يشمل الانسحاب ووقف الضربات.

لكن الآلية الجديدة كما تُطرح الآن تُدار أميركياً ولا تتضمن روسيا، ما يعني أنها عملياً تزيح موسكو من “مقعد الضابط” إلى “مقعد المراقب” في ملف الجنوب، على الأقل في هذه المرحلة. هل يعطل ذلك الدور الروسي بالكامل؟ ليس بالضرورة. روسيا ما زالت تمتلك أوراقاً: وجوداً عسكرياً وشبكات علاقات مع دمشق، وقدرة تأثير عبر مجلس الأمن، وحتى خطاباً رسمياً يقول إن علاقتها بالقيادة السورية الجديدة ستتطور “بشكل مستقل” عن مسار دمشق مع واشنطن.

لكن الواقعية تفرض جملة بسيطة: إذا نجحت “خلية عمّان” الأميركية في إنتاج قواعد اشتباك عملية وتثبيت خطوط خفض التصعيد وإدارة الانسحاب أو تجميد العمليات، فإن الحاجة إلى “وسيط روسي” في الجنوب ستتراجع تلقائياً، أو ستُحشر في دور مكمل لا قائد. وإذا تعثرت الآلية أو اصطدمت بتباين الشروط (انسحاب مقابل نزع سلاح، أو اقتصاد قبل سياسة)، فحينها يعود الباب لعودة مقترحات روسية أو ترتيبات متعددة المسارات، لأن الفراغ في الجنوب السوري لا يحب البقاء فارغاً، وهذه قاعدة كونية مملة لكنها صحيحة.

باختصار، الاتفاق لا “يلغي” روسيا بقرار إداري، لكنه يضعها أمام واقع جديد عنوانه أن واشنطن تحاول أن تكون غرفة التحكم الأولى في الجنوب، وتركيا لن تقبل أن تتحول إلى متفرج، فيما دمشق وتل أبيب تختبران ما إذا كانت إدارة النزاع يمكن أن تصبح جسراً لتسوية، أم مجرد هدنة طويلة باسم جديد.

كلمة أخيرة

في النهاية، جوهر الاعتراضات على هذه العملية يتمحور حول أنها ليست مسار سلام بقدر ما هي صيغة “إدارة نزاع” تُدار بأدوات أمنية واقتصادية تحت إشراف خارجي مباشر، من دون أن تتضمن التزامات صريحة بشأن الانسحاب أو معالجة جوهر الصراع. تُنتقد الصياغة لأنها تُعيد تعريف الأولويات عملياً: تخفيف الاحتكاك وتثبيت ترتيبات تنسيق وتبادل معلومات وفرص تجارية، مقابل إرجاء قضايا الأرض والاحتلال والحقوق والسيادة إلى هامشٍ غير مُعلن، بما يجعل “الآلية” بديلاً عن الحل لا جسراً إليه.

ويُؤخذ عليها أيضاً أنها تُقدّم تنازلات ضمنية أو “تخفيضاً للسقف السيادي” عبر القبول بإطار عمل يتجنب ذكر القضايا المركزية ويستعيض عنها بلغة استقرار وتهدئة، ما يفتح الباب لتطبيع واقع ميداني جديد كأمر واقع مؤجّل النقاش.

كذلك تُطرح إشكالية الشرعية، فقرارات بهذا الحجم يُفترض أن تستند إلى تفويض شعبي ودستوري واضح، لا إلى حسابات بقاء سياسي أو رهانات على رضا القوى الكبرى كغطاء حماية. ومن زاوية سياسية أوسع، يُحذَّر من أن الاقتصاد والتجارة قبل حل مسألة الأرض ليسا ضمانة للاستقرار، بل قد يتحولان إلى أداة لتجميد الصراع تحت سقف منخفض من الطموحات، بحيث تتراكم أسباب فقدان الشرعية بدل ترميمها، وتبقى التسوية الحقيقية مؤجلة وقابلة للانهيار عند أول اختبار ميداني جدي، لأن الاستقرار المبني على إنكار الحقوق لا يدوم.

اقرأ أيضاً: هل يمكن أن تكرر «إسرائيل» سيناريو الصومال في الجنوب السوري؟!

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.