اقتصاد

لجنة تحقيق السويداء: ما الذي يعنيه نشر “حصيلة وتوصيات” الآن؟

لجنة تحقيق السويداء: ما الذي يعنيه نشر “حصيلة وتوصيات” الآن؟

الكاتب: أحمد علي

ليست التقارير الثقيلة أوراقاً باردة كما تبدو من عناوينها، فهي حين تخرج من الأدراج إلى العلن تكون قد عبرت مسافة بين الألم واللغة، بين روايات الناس المتناثرة ومحاولة جمعها في نص واحد يمكن أن يُحاسَب عليه ويُناقَش ويُختبر. وفي الحالة السورية تبدو هذه المسافة أشد حساسية، لأن كل رقم لا يحمل قيمة إحصائية فقط، بل يحمل أيضاً سؤالاً عن العدالة، وعن الجهة التي تملك حق تسمية ما جرى، وعن التوقيت الذي تختار فيه الدولة أن تقول كلمتها.

لجنة تحقيق السويداء الآن

لا يمكن قراءة إعلان لجنة التحقيق الوطنية في أحداث السويداء، في 17 آذار 2026، حصيلة نهائية وتوصيات شاملة بوصفه خطوة إجرائية عابرة، فالتقرير، بحسب ما أُعلن في المؤتمر الصحفي، يقع في نحو 850 صفحة، وقد سُلّم كاملاً إلى وزارة العدل، بينما نُشر مضمونه للرأي العام تحت عنوان الحصيلة والتوصيات. وهذا يعني أن ما خرج إلى العلن ليس كل الملف، بل صورته العامة التي تسمح بإبلاغ الجمهور بأهم النتائج من دون كشف كامل المادة التحقيقية أو ما قد يتصل بحماية الشهود وسير الملاحقات القضائية.

وبحسب اللجنة، فقد جرى تنظيم 769 استمارة تضمنت إفادات 213 شاهداً و437 ضحية وذويهم، وانتهى العمل إلى توثيق 1760 ضحية و2188 مصاباً من جميع الأطراف، مع الحديث عن نزوح واسع طال أكثر من 27 ألفاً من البدو ونحو 34 ألفاً من أهل المحافظة (الدروز والمسيحيين). كما أحالت اللجنة نتائجها وأدلتها إلى الجهات القضائية المختصة، وقال رئيسها إن 23 عنصراً من الأمن والجيش أوقفوا ويُحاكمون علناً.

في المقابل، أقرت اللجنة بأنها لم تتمكن من تحديد هويات كثير من الملثمين، كما لم تحسم العدد النهائي للمفقودين. وهنا يبدأ معنى التوقيت، فالنشر الآن يقول إن مرحلة تقصي الوقائع الأساسية وصلت إلى سقفها الممكن، وإن الملف ينتقل من طور التجميع العام إلى طور الملاحقة والتنفيذ.

بين الحصيلة والسردية

ما الذي يعنيه نشر الحصيلة الآن أيضاً، وسط هذا التفاوت في الأرقام والروايات التي أحاطت بأحداث تموز 2025؟ المعنى الأول أن لجنة تحقيق السويداء تحاول تثبيت مرجعية مؤسساتية في فضاء امتلأ، منذ الصيف الماضي، بتقديرات متباينة وشهادات متصارعة. ففي آب 2025 تحدثت الشبكة السورية لحقوق الإنسان عن توثيق 1013 قتلى من مختلف الأطراف حتى تاريخ نشر تقريرها، ثم جاءت منظمات دولية مثل العفو الدولية في أيلول لتقول إنها وثقت أدلة على 46 حالة إعدام خارج القانون بحق دروز، نسبت تنفيذها إلى قوات حكومية أو تابعة لها. وبين هذا وذاك كانت لجنة التحقيق الأممية تتابع الملف من زاوية القانون الدولي وحقوق الإنسان.

لهذا يبدو نشر الحصيلة الرسمية اليوم محاولة لإنتاج مرجعية داخلية، لا لإلغاء بقية الروايات، بل لوضع رواية مؤسسية تقول إن الدولة أنجزت تحقيقاً وطنياً، وحددت أرقامها، وسمّت أنماط الانتهاكات، وأحالت المواد إلى القضاء. غير أن هذا المعنى لا يكتمل إلا مع ملاحظة أن اللجنة نفسها استخدمت لغة حذرة، فتحدثت عن تورط أطراف متعددة، وعن صعوبات في الوصول إلى بعض المناطق، وهو ما يجعل التقرير أقرب إلى تثبيت أرضية قانونية أولى، لا إلى إعلان حقيقة مكتملة لا تقبل المراجعة.

التوقيت ورسائل الداخل

من زاوية الداخل السوري، يمكن قراءة النشر باعتباره رسالة مزدوجة، الرسالة الأولى موجهة إلى الضحايا وذويهم ومجتمعات السويداء المتألمة، ومفادها أن ما جرى لم يُترك في خانة الإشاعة أو الإنكار، بل دخل الأرشيف الرسمي وصار موضوعاً معلناً للمساءلة. والرسالة الثانية موجهة إلى مؤسسات الدولة ذاتها، لأن نشر الحصيلة والتوصيات يرفع كلفة التراجع عن المسار القضائي لاحقاً، ويجعل أي تباطؤ في تنفيذ التوصيات أكثر وضوحاً أمام الرأي العام.

لكن هذه الرسالة تحمل اختباراً صعباً، فحين تقول اللجنة إن الانتهاكات لم تكن ممنهجة وإنها فردية، ثم تتحدث في الوقت نفسه عن أنماط متكررة ووقائع موزعة على مناطق عدة، فإن النقاش ينتقل فوراً من وصف الجريمة إلى مساءلة البيئة التي سمحت بوقوعها. وهذا ما يفسر تركيز التوصيات على إصلاح أوسع، من تعزيز استقلال القضاء، إلى تدريب الجيش والشرطة على قواعد استخدام القوة، إلى الحد من خطاب الكراهية، ومتابعة ملف المفقودين، ودعم المصالحة المحلية. أي أن لجنة تحقيق السويداء، من حيث الأثر، لا تقدم فقط حصيلة لما وقع، بل ترسم أيضاً ملامح ما ينبغي تغييره حتى لا يعود المشهد نفسه بثياب أخرى.

أصوات من داخل المحافظة

وفيما يخص ردود أفعال أهل المحافظة، لا تظهر حتى الآن تغطية واسعة ومنهجية للنسخة النهائية في وسائل الإعلام العامة، لكن المواقف المعلنة عند عرض النتائج الأولية في تشرين الثاني 2025 تقدم مؤشراً مهماً إلى المزاج المحلي. ففي استطلاع نشرته رووداو قال بعض سكان السويداء إن اللجنة ليست مستقلة، وانتقدوا ما عدّوه غياباً كافياً لتوثيق الانتهاكات، فيما ركز آخرون على أولوية العدالة وحقوق النازحين والمتضررين.

كما رأى الأكاديمي والسياسي جمال درويش، وهو من أهالي السويداء، أن النتائج المعلنة آنذاك تفتقر إلى الحياد ولا تستوفي المعايير الدولية وفق تقديره. ولا يجوز تعميم هذه المواقف على كل أبناء المحافظة، لكنها تكشف أن أي تقرير، مهما كانت لغته قانونية، سيواجه في السويداء امتحان الثقة قبل امتحان الأرقام. وهذا يعني أن نجاح لجنة تحقيق السويداء لن يُقاس بما كتبته فقط، بل بقدرتها على إقناع بيئة محلية جُرحت عميقاً وتطالب برؤية العدالة على الأرض.

الخارج يراقب بحذر

لا ينفصل هذا النشر عن السياق الخارجي، فقبل التقرير النهائي كانت اللجنة قد عرضت في تشرين الثاني 2025 إطارها القانوني ومنهجيتها، ثم أطلعت وفداً من مجلس الأمن في كانون الأول على طريقة عملها، فيما كانت لجنة التحقيق الدولية الخاصة بسوريا قد قالت منذ تموز 2025 إنها تحقق في الانتهاكات المرتبطة بالسويداء. وفي هذا السياق يصبح نشر الحصيلة الآن رسالة إلى الخارج بقدر ما هو رسالة إلى الداخل، كأن الدولة تقول إنها لا تكتفي بوعود التحقيق، بل تضع خلاصة علنية يمكن مساءلتها على أساسها.

ومع ذلك فإن القيمة السياسية لهذا الإعلان ستظل مرتبطة بما يأتي بعده، فالتقارير لا تكتسب وزنها من اللغة التي تصوغها فقط، بل من الأثر الذي تتركه في القضاء والإدارة والأمن والمجتمع. وإذا كانت لجنة تحقيق السويداء قد أوصت بالمحاسبة، وبحماية مواقع الدفن المحتملة، وبجمع السلاح غير المرخص، وبمكافحة التحريض، فإن اختبار الجدية يبدأ عندما تتحول هذه البنود من نص منشور إلى سياسة قابلة للقياس.

العدالة بعد الإعلان

المعنى الأهم ربما أن نشر الحصيلة والتوصيات الآن لا يغلق الملف، بل يمنع إغلاقه السريع… إنه يعلن أن لدى الدولة رواية تحقيقية واسعة، لكنه يعلن أيضاً أن الملف ما زال مفتوحاً على القضاء، وعلى المفقودين، وعلى أسئلة المجتمع المحلي، وعلى رقابة المنظمات الحقوقية. لذلك يمكن القول إن توقيت النشر يحمل وظيفة تهدئة ووظيفة ضغط في آن واحد، تهدئة لأن هناك وثيقة رسمية خرجت أخيراً، وضغط لأن هذه الوثيقة نفسها ستصبح معياراً يُقاس عليه التنفيذ أو التعثر.

بهذا المعنى لا تبدو لحظة الإعلان خاتمة درامية، بل بداية أكثر صعوبة، فالسويداء لا تحتاج إلى لغة انتصار، بل إلى لغة دولة تعرف أن العدالة ليست مؤتمراً صحفياً واحداً، وأن الثقة لا تُستعاد بالوعود، بل بخطوات يمكن للناس أن يروها في المحاكم، وفي ملفات المفقودين، وفي عودة المهجرين، وفي كبح التحريض، وفي حماية المجتمع من جولة ألم جديدة.. هناك فقط يصبح نشر الحصيلة والتوصيات حدثاً ذا معنى، لا مجرد خبر عابر في دورة الأخبار.

اقرأ أيضاً: السويداء: هل تتحول المساعدات من استجابة طارئة إلى نموذج إمداد مستقر؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.