أخبار سوريا

لماذا لا يستطيع الألمان “حشر” السوريين في الطائرات وإرسالهم إلى سوريا؟!

لماذا لا يستطيع الألمان “حشر” السوريين في الطائرات وإرسالهم إلى سوريا؟!

الكاتب: أحمد علي

السؤال المطروح في عنوان هذا المقال يبدو بسيطاً، لكنه ليس بسيطاً أبداً، طُرح سابقاً وقد يطرح الآن في نقاش عابر بشكل عبثي، ثم يتمدد سريعاً، لأن فيه شيئاً من الغضب، وشيئاً من التبسيط، وشيئاً من الرغبة في تحويل ملف كامل إلى صورة واحدة وشكل معالجة واحد.. طائرة تنتظر على المدرج، وسوريون يُدفعون إليها دفعة واحدة، ثم ينتهي الأمر…

بالتأكيد إن الكلام السابق ليس سوى وهم كامل، وسنناقش معاً في هذا المقال أسباب كونه كذلك. نقول بدايةً إن ما يجري في ألمانيا ليس بهذه السهولة، فالدولة هناك لا تتعامل مع السوريين بوصفهم كتلة واحدة، ولا مع الترحيل بوصفه قراراً سياسياً يقال في مؤتمر صحفي ثم يبدأ تنفيذه في اليوم التالي. فبين الجملة السياسية وبين الطائرة، توجد منظومة كاملة من القانون والمحاكم والطعون والملفات الفردية والتقييم الأمني، وهذه المنظومة هي التي تفسر لماذا يبدو الكلام سهلاً، بينما التنفيذ شيء آخر تماماً.

عاد هذا الكلام إلى الواجهة بعد تصريحات المستشار الألماني فريدريش ميرتس في 30 آذار 2026 إلى جانب الرئيس السوري أحمد الشرع، حين تحدث عن تعاون لإعادة أعداد كبيرة (80 % من السوريين في ألمانيا) خلال ثلاث سنوات، مع أولوية لمن لا يملكون إقامة قانونية وللمدانين بجرائم.

لم تمر الجملة هذه مرور الكرام، بل كانت مؤثرة وذات وقع كبير في سوريا وألمانيا، فبعدها مباشرة ظهرت موجة اعتراض في ألمانيا، ثم جاء التوضيح والتخفيف. وهنا بالضبط يبدأ السؤال الحقيقي، لا حول ماذا يريد السياسي من قوله، بل ماذا يستطيع أن يفعل فعلاً.

القانون يرى أفراداً

أول ما يجب تفكيكه هو الخلط بين العودة الطوعية والترحيل القسري. العودة الطوعية مسار مختلف، يقوم على التشجيع والدعم والتنظيم. أما الترحيل القسري فلا يبدأ أصلاً إلا عندما تصبح إقامة الشخص غير قانونية أو عندما تنتهي أسباب بقائه كلها بعد استنفاد الإجراءات. لهذا لا يكفي أن يكون الشخص سورياً حتى يدخل تلقائياً في خانة الترحيل.

على مستوى الاتحاد الأوروبي، توجيه العودة يضع قيوداً واضحة لا يمكن القفز فوقها. فهناك مبدأ عدم الإعادة القسرية، وهناك حق الطعن الفعال، وهناك إمكان تعليق التنفيذ إذا كان الإبعاد سيؤدي إلى خطر جدي أو إذا تعذر التنفيذ عملياً بسبب الهوية أو النقل، وهذا ليس تفصيلاً إجرائياً، هذا هو قلب الملف.

الأمر نفسه يتكرر في الميثاق الأوروبي للحقوق الأساسية، الذي يحظر الطرد الجماعي ويحظر نقل أي شخص إلى مكان قد يواجه فيه عقوبة الإعدام أو التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية. وتأتي اتفاقية اللاجئين لتضيف القاعدة نفسها تقريباً من زاوية أخرى. ثم تأتي المادة الثالثة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان لتجعل المسألة أشد صرامة، لأن الخطر هنا لا يخضع لمعادلة سياسية من نوع المصلحة العامة مقابل الضرر الفردي. فإذا وُجد خطر جدي، يتوقف الطريق.

داخل النظام الألماني نفسه، توجد قاعدة لا تقل أهمية، فالسلطة ليست مطلقة. كل قرار يمس الإقامة أو الحماية يمكن أن يصل إلى القضاء، والقضاء يملك أن يوقف التنفيذ أو يعلقه. لذلك لا معنى لفكرة حشر الناس في الطائرات وكأن الدولة تتحرك في فراغ قانوني، فهي لا تتحرك في فراغ، تتحرك داخل حائط من النصوص والرقابة.

الإقامة ليست ورقة

جزء كبير من النقاش الشعبوي يتصرف مع السوريين في ألمانيا كأنهم يحملون بطاقة واحدة قابلة للسحب بجملة سياسية، وهذا غير صحيح. هناك حق لجوء، وهناك صفة لاجئ، وهناك حماية فرعية، وهناك حظر وطني على الترحيل. كل وضع من هذه الأوضاع له شروطه وآثاره ومساره القانوني، ولا يمكن إذابتها كلها في سلة واحدة.

حتى الحماية الفرعية، التي يُشار إليها كثيراً بوصفها أضعف من غيرها، ليست إقامة هشة بالمعنى المتداول شعبياً. صاحبها يحصل على تصريح إقامة لثلاث سنوات قابل للتمديد، ويمكن أن يسلك لاحقاً طريق الإقامة الدائمة ضمن شروط إضافية. هذا يعني أن البطالة وحدها ليست زر طرد، وأن فقدان العمل لا يحول الشخص آلياً إلى هدف جاهز للترحيل.

وإذا تغيرت أوضاع البلد الأصلي، فإن القانون الأوروبي لا يتحدث عن تحسن عابر أو قراءة سياسية متفائلة، بل عن تغير جوهري ودائم ومستقر بحيث لا يعود الشخص بحاجة إلى الحماية. وكلمة دائم هنا مهمة جداً، لأن كثيراً من الخطاب السياسي يبني على رغبة في إعلان نهاية الخطر أسرع مما تسمح به الوقائع.

فوق ذلك، هناك حقيقة أخرى تزعج من يحبون الحلول السريعة، فهناك عدد كبير من السوريين صاروا مواطنين ألمان. أظهرت بيانات 2024 أن السوريين كانوا أكبر مجموعة بين الحاصلين على الجنسية في ألمانيا. وهؤلاء خرجوا أساساً من ملف الترحيل، لأن سحب الجنسية ليس أداة سهلة أو مفتوحة، والدستور الألماني يضيق هذا الباب إلى حد بعيد.

من يملك المفتاح؟

الكلام عن أن المستشار يستطيع أن يوضب الناس في الطائرات يخفي سوء فهم لطبيعة الدولة نفسها، لأن إجراءات اللجوء تتولاها جهة اتحادية مختصة، أما تنفيذ قرارات المغادرة والعودة فيقع ضمن اختصاصات سلطات الأجانب في الولايات والبلديات، مع دور حاسم للمحاكم الإدارية. ولذلك المعنى هنا واضح، حتى إذا ارتفع السقف السياسي في برلين، فإن التنفيذ لا يتحول آلياً إلى أمر موحد وسريع في كل البلاد.

وعندما يُرفض طلب اللجوء نهائياً أو يفقد الشخص حق الإقامة، لا يحدث الترحيل كعملية مباغتة. يدخل الملف في مسار إنهاء الإقامة، ويمكن في هذا المسار أن يظهر تأجيل مؤقت أو تعليق للتنفيذ إذا وُجد مانع قانوني أو عملي. وقد يكون المانع متعلقاً بالخطر في بلد المقصد، وقد يكون متعلقاً بالوثائق، وقد يكون متعلقاً بالصحة أو بالهوية أو بغياب الجاهزية التنفيذية.

حتى إشعار التهديد بالترحيل ليس خاتمة فورية. هناك وجهة إبعاد محددة، وهناك حق اعتراض، وهناك مراجعة. وهذا كله يفسر لماذا لا تعمل الدولة هنا بمنطق الشحنة الجماعية. كل ملف يمر في غربال خاص به، وأحياناً يتوقف في اللحظة الأخيرة بسبب عنصر واحد كان كافياً لقلب القرار.

سوريا ليست محسومة

حتى حين يصبح الشخص ملزماً بالمغادرة من حيث المبدأ، يبقى السؤال الأثقل قائماً، إلى أين سيُعاد، وما مستوى الخطر هناك. المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين يوضح أن الحظر الوطني على الترحيل يمكن أن يقوم إذا كانت العودة ستخالف الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان أو إذا وُجد خطر ملموس على الحياة أو السلامة أو الحرية.

بعد التغيير السياسي الكبير في سوريا نهاية 2024، بدأ في برلين كلام جديد عن إعادة التقييم. لكن حتى الحكومة الألمانية نفسها لم تتصرف كأن الصورة أصبحت مستقرة. في مؤتمر صحفي حكومي في كانون الثاني 2026 قيل بوضوح إن الوضع في سوريا يجب أن يُقاس تقريباً يوماً بيوم. وهذه العبارة وحدها تكفي لفهم حجم التحفظ داخل الإدارة الألمانية.

وفي المؤتمر نفسه، كان التركيز الرسمي عند الحديث عن الإبعاد موجهاً أساساً إلى مرتكبي الجرائم، مع الإشارة إلى حالات فردية محدودة لا أكثر. حتى التطور القضائي الذي ظهر بعد تغير السلطة في سوريا لم يقل إن الباب فُتح على مصراعيه، بل أظهر أن الرفض مع إنذار بالترحيل قد يصبح ممكناً في حالات معينة. أي مرة أخرى، المدخل فردي وقضائي، لا جماعي وسياسي.

ثم هناك الواقع العملي الصلب، الترحيل الجوي يحتاج إلى هوية مثبتة، ووثائق، وتنسيق، وطريق قابل للتنفيذ. وهذا كله قد يسقط لأسباب تقنية أو إدارية قبل أن يصل إلى مطار أصلاً. أي أن الرغبة السياسية شيء، والقدرة التنفيذية شيء آخر.

السياسة تعد كثيراً..

صنعت تصريحات ميرتس عن إعادة أعداد كبيرة خلال ثلاث سنوات انطباعاً سريعاً بأن برلين تتهيأ لحملة واسعة. لكن ما حصل بعد ذلك كان كاشفاً، إذ عاد الرجل نفسه إلى التوضيح بعد الانتقادات، لأن الجملة السياسية حين تنفصل عن شروط القانون والإدارة تتحول إلى عبء على قائلها.

والاعتراضات لم تأت من جهة واحدة، فقد حذرت منظمات حقوقية من تحويل البشر إلى أرقام معلنة سلفاً. وسياسيون واقتصاديون أثاروا سؤالاً آخر، ماذا عن سوق العمل والخدمات العامة إذا جرى التعامل مع السوريين فقط من زاوية الإبعاد. وهذا سؤال عملي لا دعائي، لأن ألمانيا تعتمد فعلاً على أعداد كبيرة من الأطباء السوريين، وقد قيل علناً إن المستشفيات تحتاج إليهم.

وهنا تظهر المفارقة، فالخطاب السياسي يريد أن يقول للشارع إن الدولة تمسك الملف. لكن الواقع يقول إن هذا الملف متشعب أكثر من أن يُحسم بجملة سياسية وتحمل أبعاد انتخابية، لا سيما في بلد تتداخل فيه اعتبارات القضاء والحقوق وسوق العمل والالتزامات الأوروبية مع الحسابات الأمنية.

ما الذي يمكن فعله؟

إذا أرادت ألمانيا أن تزيد وتيرة العودة فعلاً، فهي تحتاج إلى أكثر من قرار سياسي، تحتاج إلى تغير مستقر في ظروف البلد الأصلي، وإلى مراجعات فردية واسعة، وإلى قنوات تنفيذ عملية، وإلى قدرة على تجاوز الطعون أو انتظارها، وإلى تفاهمات تشغيلية لا تصنعها المؤتمرات الصحفية وحدها. من دون هذا كله، يبقى السقف منخفضاً مهما علا الصوت.

لهذا تبدو العودة الطوعية الطريق الأقل اصطداماً بالقانون والأكثر قابلية للاستخدام، فالدولة تستطيع أن تدفع بهذا المسار، وأن تموله، وأن تنظمه، وأن تعرضه بديلاً عملياً عن معركة قضائية طويلة. أما الترحيل القسري الجماعي، فهذه صيغة أقرب إلى الشعار أو الدعاية السياسية التي تحاول الاستثمار بملف اللاجئين.

وفي خلاصة الكلام نقول إن ألمانيا تستطيع أن ترحل أفراداً في حالات محددة، خصوصاً حين تكون الملفات الجنائية ثقيلة وتكون الشروط القانونية والتنفيذية متوافرة. لكنها لا تستطيع أن تنظر إلى السوريين ككتلة واحدة ثم تحملهم إلى الطائرات بقرار فوقي، فالقانون لا يرى جموعاً مجردة، يرى أشخاصاً، وملفات، وحقوقاً، وخطراً يجب فحصه قبل أن يتحرك أي شيء.

اقرأ أيضاً: لماذا تغيّر موقف العالم من اللاجئين السوريين؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.