روايات

ما دور الوزراء في سوريا ما بعد الأسد؟

ما دور الوزراء في سوريا ما بعد الأسد؟

الكاتب: أحمد علي

لم ينهِ سقوطُ سلطة بشار الأسد في الثامن من كانون الأول 2024 سؤال السلطة في دمشق، بل أعاد طرحه بصيغة أكثر مباشرة.. تغيّرت الوجوه والشعارات، لكن كثيرين ما زالوا يسألون عن الجهة التي تُتخذ عندها القرارات اليومية، وعن مساحة الوزراء في إدارة الملفات بعيداً عن النفوذ غير المعلن.

تنتشر رواية تقول أن “شيوخاً” هم من يمسكون بخيوط الحكم، وأن الوزراء لا يتجاوز دورهم الواجهة وبعض التسيير الإداري. في المقابل يؤكد مسؤولون أن الدولة تُدار عبر الحكومة والقوانين لا عبر حلقات مخفية. بين الروايتين تظهر مساحة رمادية تتغذى من نقص المعلومات عن آلية القرار، ومن التباس الحدود بين السياسي والديني والأمني في مرحلة انتقالية مضطربة.

من يحكم سوريا بعد الأسد

بدأت الصورة الرسمية تتبلور في أواخر كانون الثاني 2025 مع إعلان تعيين أحمد الشرع رئيساً للمرحلة الانتقالية، ثم توقيع إعلان دستوري مؤقت في 13 آذار 2025 حدّد مرحلة انتقالية لخمس سنوات.

ما بعد ذلك، أُعلنت حكومة انتقالية في 29 آذار 2025، وقُدمت بوصفها مزيجاً بين وجوه تكنوقراطية وأخرى قادمة من تجربة الإدارة في الشمال السوري، مع بقاء وزارات سيادية بيد شخصيات قريبة من القيادة. لذلك لا ينحصر سؤال من يحكم سوريا بعد الأسد في أسماء الوزراء، بل في قدرة الحكومة على فرض قراراتها على الأرض وسط ولاءات محلية وقوى مسلحة وإرث إداري منهك.

حكومة رسمية وشبكات نفوذ

الحديث عن حكم “رجال مخفيين” يُطرح غالباً كقراءة لطبيعة النفوذ أكثر منه كخبر. تحدث تقرير لصحيفة لوموند عن وجود مسؤولين دينيين وعسكريين داخل الإدارات من دون صفة رسمية لضمان تنفيذ التوجيهات، ورأى أن القرار يصنع في دوائر ضيقة. وفي السياق نفسه قال الباحث طارق جزماتي لصحيفة لوموند: “الناس الذين يثقون بهم أكثر هم الشيوخ”. ومثل هذا التوصيف لا يثبت أن الوزير بلا صلاحية، لكنه يفسر لماذا يُنظر إلى بعض الوزراء كمنفذين لا كمقررين.

في المقابل تحاول السلطة تنظيم المجال الديني عبر مؤسسات رسمية، فقد قامت بتعيين مفتي عام وأعادت تشكيل مجلس أعلى للإفتاء، وهي خطوة يراها مؤيدون تقنيناً للمشهد الديني، بينما يراها منتقدون مؤشراً على تمدد النفوذ الديني في السياسة العامة. وغياب تعريف واضح لدور هذه المؤسسات، استشاري أم توجيهي، يجعل الجدل مفتوحاً.

الثقافة والسياحة تحت الاختبار

قدمت وزارة الثقافة مثالاً على ارتباك الصلاحيات أو تداخلها. في كانون الأول 2025 ثار جدل حول إلغاء حفلات الموسيقار مالك جندلي في حمص ودمشق. بيان لوزارة الثقافة قال إن تغييراً طرأ على برنامج حفلات حمص لأسباب لم تُبلّغ بها الوزارة، وإن جندلي اعتذر عن الحضور بعد إلغاء فعالية قبل موعدها بساعات.

جندلي اعتبر أن التعديل مس جوهر المشروع. والواقعة صنعت سؤالاً بسيطاً لكنه ثقيل، إذا كانت الوزارة لم تُبلّغ، فمن يملك قرار الإلغاء في الميدان وكيف تُنسب المسؤولية.

السياحة أيضاً كانت اختباراً للحريات، ففي حزيران 2025 أصدرت وزارة السياحة توجيهات تتعلق بلباس السباحة والسلوك في الشواطئ، ثم نقلت الغارديان توضيح الوزارة بأنها إرشادية بلا عقوبات وأن المنتجعات مستثناة، مع التأكيد على التنوع الثقافي والديني. النقاش لم يكن حول اللباس فقط، بل حول من يحدد معيار المقبول في الفضاء العام، وهل تملكه الوزارة أم ضغط اجتماعي وديني يسبقها.

الطاقة والرياضة ومعيار الدولة الجديدة

في ملف الطاقة يظهر ارتباط أكبر بمركز القرار بسبب حساسية الخدمة العامة. في 29 أيار 2025 وُقعت مذكرة تفاهم بقيمة سبعة مليارات دولار بين وزير الطاقة وتحالف شركات دولية لتطوير محطات توليد كهرباء ومشروع طاقة شمسية، بحضور الرئيس في دمشق وفق تغطية الجزيرة. حضور الرئاسة هنا يقرأه البعض دعماً سياسياً لملف الكهرباء، ويراه آخرون دليلاً على أن القرارات الكبرى لا تُترك للوزارة وحدها.

وفي أيلول 2025 صدر مرسوم بإحداث وزارة للطاقة توحّد ملفات النفط والكهرباء والموارد المائية. المركزية قد تحسن التنسيق، لكنها تضع الوزير تحت رقابة أشد لأن أي خلل في الكهرباء أو الوقود يتحول سريعاً إلى مسألة استقرار.

أما الرياضة فتكشف انتقال الصراع إلى مؤسسات جديدة. وثقت المعيطات نقاشاً بعد إنشاء وزارة الرياضة والشباب لأول مرة، بين متفائلين بإنهاء وصاية الاتحاد الرياضي العام، ومتحفظين على محدودية الاستقلال المالي والقانوني. لاحقاً أثارت تعديلات في اتحاد كرة القدم جدلاً بين مؤيدين ومعترضين، ما يشير إلى أن بناء مؤسسات جديدة لا يلغي فوراً صراع الشرعية، بل ينقله إلى اللوائح والتمثيل.

ربّما قضية النقل الحصري للدوري السوري، بين تصريحات الوزارة والاتحاد، والحديث عن أشخاص يعملون في الخفاء لإفشال عقد الناقل الحصري لمنحه لمستثمرين آخرين، يعبّر أكثر ما يمكن عن وجود “سماسرة” لديهم القدرة على تسيير الوزارة الاتحاد كما يشاؤون.

هامش الوزراء وحدود المساءلة

مقارنة بعض السوريين بين وزراء الأسد والوزراء الحاليين تنطلق من فكرة أن البيروقراطية القديمة كانت تملك قنوات قرار معروفة حتى لو كانت مغلقة على الجمهور. اليوم يتداخل نفوذ رئاسي كبير في النص الدستوري المؤقت مع نفوذ غير رسمي لم يُدمج في قواعد معلنة، فتبدو الصلاحيات أقل وضوحاً.

واختبار هذه المرحلة ليس في النوايا بل في الإجراءات، فحين تُنشر المراسيم وتُعلن معايير التعيين وتُتاح البيانات المالية ويصبح الاعتراض ممكناً عبر مؤسسات لا عبر الوساطات، يتراجع دور الشبكات غير الرسمية تلقائياً. فالإعلان الدستوري تحدث عن لجنة شعب انتقالية، لكن قيمتها ستُقاس بقدرتها على مساءلة الوزراء علناً، لا بمجرد وجودها على الورق. عندها فقط يمكن تحويل سؤال من يحكم سوريا بعد الأسد من جدل شعبي إلى آلية دولة.

مع ذلك لا يمكن حسم صورة الوزراء الحاليين بأنهم بلا دور مطلقاً، فبعضهم يعلن سياسات ويتحمل نقاشاً عاماً لم يكن متاحاً سابقاً بهذا الشكل. لكن ربما المشكلة أن المحاسبة بشكلها الحالي ما زالت شعبية أكثر منها مؤسسية، ولا تعوض غياب برلمان منتخب وقضاء مستقل ومسارات واضحة للطعن.

ولهذا ربما سيظل سؤال من يحكم سوريا بعد الأسد معياراً لولادة دولة قواعد، فإذا لم تُعرَّف المسؤولية بوضوح سيبقى الوزير موضع شك، وسيبقى المواطن يبحث عن صاحب القرار خارج الحكومة.

اقرأ أيضاً: مداهمة في شاطئ اللاذقية تنتهي بالضرب والإهانات… والضحايا يطالبون بالمحاسبة لا الانتقام

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.