أخبار سوريا

محاربة الرشوة: من تشخيص الداء إلى “بناء” العلاج

محاربة الرشوة: من تشخيص الداء إلى “بناء” العلاج

بقلم هلا يوسف

لا يمكن الحديث عن سوريا الجديدة التي يحلم بها كل مواطن سوري دون وضع اليد على الجرح الذي لطالما عانينا منه خلال عقود ماضية وهو “الرشوة”، التي أرهقت جيوبنا عند كل معاملة في دوائر الدولة. وهنا لا يمكننا إلا أن نذكر أنه فعلاً ذهبت الرشوة أدراج الرياح في العديد من الدوائر والقطاعات التي كانت معروفة بأنها بؤر للفساد والرشوة مثل المنافذ الحدودية، إلا أن الأمر لا يمكن تعميمه على جميع قطاعات الدولة، فلا تزال هناك قصص تخرج للعلن وأخرى تدفن بأرضها.

وفي الحقيقة، لا تطرح قضية الرشوة بوصفها قضية قانونية بقدر ما هي قضية تمس جوهر الحياة اليومية للناس، إذ أن المواطن يفكر فقط في الوقت الذي أهدره خلال القيام بمعاملته، والمال الذي دفعه لتمشي أوراقه، والأسباب غير المفهومة لتوقف معاملته. من هنا تبدأ المشكلة: من الاحتكاك المباشر بين المواطن والموظف، حيث تتحول الإجراءات المعقدة أحياناً إلى بيئة خصبة لطلب المنفعة غير المشروعة.

وقد تداول كثيرون قصة مواطن روى تجربته داخل وزارة العدل، حيث أمضى ساعات طويلة متنقلاً بين المكاتب للحصول على إذن سفر، قبل أن يفهم بطريقة غير مباشرة أن “الدفع” قد يختصر الطريق. هذه الحكاية، سواء تكررت أم لا، تفتح الباب لسؤال أوسع: لماذا يصل الأمر إلى هذا الحد؟ وهل المشكلة في الأشخاص أم في البنية التي تسمح بتكرار مثل هذه الوقائع؟

حين نتأمل المشهد، نجد أن تعقيد الإجراءات، وكثرة التواقيع، وغياب سقف زمني واضح لإنجاز المعاملات، كلها عوامل تجعل تعطيل المعاملات ممكناً. وكلما طال التعطيل، أصبح العرض غير المشروع أكثر قبولاً لدى المواطن. يضاف إلى ذلك الواقع الاقتصادي الصعب، والرواتب المحدودة التي تغلب إرادة الموظف وتجعله يرى بالرشوة طريقة لتعويض انخفاض راتبه، وثقافة إدارية ترسخت عبر سنوات طويلة، حتى أصبح البعض يتعامل مع الرشوة كأمر اعتيادي لا كجريمة. لكن الاعتياد لا يمنح الشرعية، والضيق المعيشي لا يبرر إهدار حقوق الناس. لذلك أصبح الحديث عن طرق مكافحة الرشوة ضرورياً للتخلص منها.

كيفية مكافحة الرشوة؟

لا نستطيع الحديث عن مكافحة الرشوة بالعقوبة فقط، بل بإغلاق الأبواب التي تدخل منها. لتكون أولى الخطوات الحقيقية في هذا السبيل هو تبسيط الإجراءات إلى الحد الأدنى. بمعنى آخر، كل معاملة غير ضرورية يجب إلغاؤها، وكل وثيقة يمكن الاستغناء عنها ينبغي شطبها، وكل توقيع لا يضيف قيمة قانونية حقيقية يجب إزالته. فالدولة الحديثة لا تقاس بعدد الأختام، بل بقدرتها على إنجاز الخدمة بسرعة ووضوح.

ومن هذا المنطلق، يصبح التحول إلى الإدارة الإلكترونية خياراً استراتيجياً لا تجميلياً. فحين تنجز المعاملات عبر منصات رقمية، يقل الاحتكاك المباشر بين الموظف والمواطن، وتصبح كل خطوة موثقة زمنياً، وكل تأخير قابلاً للتتبع. وعندما يعرف المسؤول عن المعاملة ويحدد لها سقف زمني واضح، تضيق مساحة التعطيل المقصود.

غير أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي إن لم تترافق مع إصلاح حقيقي في ثقافة الوظيفة العامة. فالموظف العام ليس صاحب سلطة شخصية، بل مكلف بخدمة الناس وفق القانون. لذلك لا بد من إعادة تقييم الكوادر، ومحاسبة الفاسدين، وربط الأجور بالإنتاجية، وتعزيز الرقابة الداخلية والخارجية. كما أن الشفافية في طرح المناقصات والصفقات العامة عبر منصات مفتوحة تساهم في تقليل الشبهات وإغلاق باب التأويل. وبهذه الخطوات تتكامل المعالجة: تبسيط إداري، وتحول رقمي، ورقابة فعالة، وثقافة خدمة عامة قائمة على المسؤولية لا الامتياز.

القانون السوري يجرم الرشوة

لا يمكن الحديث عن مكافحة الرشوة دون وجود قوانين رادعة، تجبر الموظف على حساب ألف حساب قبل أن يطلب رشوة مقابل تمرير معاملة. وقد تطرق الدستور السوري إلى الرشوة، إلا العقوبات المرتبطة به لم تكن فاعلة على الأرض، فمن الناحية القانونية، لا تعد الرشوة مجرد مخالفة إدارية، بل جريمة يعاقب عليها القانون بوضوح. فقد نص قانون العقوبات السوري في مواده 341 و342 و343 على عقوبات تطال الموظف الذي يطلب أو يقبل منفعة، وكذلك الراشي.

فالمادة 341 تعاقب الموظف الذي يقبل منفعة مقابل أداء عمل مشروع من أعمال وظيفته بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، إضافة إلى غرامة لا تقل عن ضعف ما أخذ. أما إذا كان العمل منافياً للوظيفة أو يتضمن إهمالاً أو تأخيراً متعمداً، كما ورد في المادة 342، فتكون العقوبة أشد وتصل إلى الأشغال الشاقة المؤقتة وغرامة لا تقل عن ثلاثة أضعاف المنفعة. وتنص المادة 343 على أن العقوبات نفسها تنزل بالراشي، كما يعاقب القانون على مجرد عرض الرشوة حتى لو لم تقبل. ويتم إعفاء الراشي أو المتدخل من العقوبة إذا بادر بالإبلاغ قبل إحالة القضية إلى المحكمة، في محاولة لتشجيع كشف الجريمة قبل استفحالها.

إن وجود هذه النصوص يؤكد أن التشريع السوري تعامل مع الرشوة بوصفها اعتداءً على نزاهة الوظيفة العامة ومبدأ المساواة أمام القانون. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن بعدم وجود قوانين رادعة، بل في ضمان تطبيقها بعدالة وشفافية.

باختصار، صحيح أن الرشوة تبدأ من معاملة صغيرة، لكنها تنتهي بإضعاف الثقة بين المواطن والدولة. وإذا كانت الأسباب متعددة، فإن المعالجة كذلك يجب أن تكون شاملة، عندها فقط يصبح الحصول على الحق مساراً طبيعياً لا يحتاج إلى وساطة أو دفع غير مشروع، وتستعيد الإدارة دورها الحقيقي في خدمة الناس وصون كرامتهم.

اقرأ أيضاً: برنامج الإفصاح الطوعي لمكافحة الفساد ماذا يعني وكيف نستفيد منه؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.