منوعات

مع تزايد تلوث الهواء في سوريا.. دراسة تكشف تأثيراته على الدماغ

مع تزايد تلوث الهواء في سوريا.. دراسة تكشف تأثيراته على الدماغ

بقلم هلا يوسف

يعد الهواء النظيف من أهم العناصر التي يحتاجها الإنسان للحفاظ على صحته وجودة حياته، إلا أن تلوث الهواء أصبح اليوم من أخطر المشكلات البيئية التي تواجه العالم. وتزداد خطورة هذه المشكلة في الدول التي تعاني من أزمات طويلة الأمد وتراجع في البنية التحتية والخدمات البيئية، كما هو الحال في سوريا. فخلال السنوات الماضية، أسهمت عوامل متعددة في زيادة مستويات التلوث، من بينها الانبعاثات الناتجة عن وسائل النقل والمولدات والأنشطة الصناعية، إضافة إلى الآثار البيئية التي خلفتها سنوات الحرب.

وتشير بيانات مؤشر جودة الهواء (AQI) وتركيز الجسيمات الدقيقة (PM2.5) لعام 2025 إلى أن سوريا جاءت في المرتبة 36 من أصل 143 دولة على مستوى العالم من حيث تلوث الهواء. ولا ينعكس هذا الترتيب على البيئة فقط، بل يظهر بشكل واضح في صحة السكان، حيث ارتفعت الوفيات المرتبطة بتلوث الهواء بنسبة 17% بين عامي 2010 و2017، ووصل عدد الوفيات إلى 7,684 حالة. كما ازدادت معدلات الإصابة بالربو والتهابات الجهاز التنفسي الحادة، خاصة بين الأطفال وكبار السن الذين يُعدون الأكثر تأثراً بالهواء الملوث.

ومع استمرار التعرض للملوثات لفترات طويلة، بدأت الدراسات العلمية تكشف أن تأثير تلوث الهواء لا يقتصر على الرئتين والقلب فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الدماغ والجهاز العصبي، وهو ما دفع الباحثين إلى إعادة النظر في حجم المخاطر الصحية الناتجة عن هذه المشكلة.

من أمراض الرئة إلى أمراض الدماغ

عندما يذكر تلوث الهواء، يتبادر إلى الذهن عادةً الربو وأمراض الجهاز التنفسي أو أمراض القلب. إلا أن الأبحاث الحديثة تشير إلى أن الدماغ قد يكون من أكثر أعضاء الجسم تأثراً بالملوثات البيئية.

ويؤكد البروفيسور فيليب غراندجان، أستاذ الطب البيئي في جامعة جنوب الدنمارك والأستاذ المساعد في كلية هارفارد للصحة العامة، أن الدماغ يبدأ بالتطور بعد أسابيع قليلة من الإخصاب ويستمر في النمو والتغير طوال حياة الإنسان. ولهذا السبب فإن أي تعرض للمواد السامة خلال مراحل الحياة المختلفة قد يترك آثاراً طويلة الأمد يصعب علاجها لاحقاً.

وقد عرف العلماء منذ عقود أن بعض المواد مثل الرصاص والزئبق تؤثر سلباً في الدماغ، كما ثبتت خطورة العديد من المبيدات الحشرية على الجهاز العصبي. لكن الدراسات الحديثة أظهرت أن الهواء الذي نتنفسه يومياً قد يكون هو الآخر مصدراً مهماً لهذه المخاطر.

فقد وجدت الأبحاث أن التعرض المستمر لتلوث الهواء يرتبط بزيادة احتمالات الإصابة باضطرابات النمو العصبي، وضعف القدرات الإدراكية، والخرف، وبعض المشكلات العصبية الأخرى. وتقول الباحثة ديبورا كوري-سليشتا، أستاذة الطب البيئي في المركز الطبي بجامعة روتشستر، إن خطر تلوث الهواء على الدماغ أكبر بكثير مما كان يعتقد في السابق.

كيف يؤثر تلوث الهواء في الدماغ؟

يتكون تلوث الهواء من خليط معقد من المواد الضارة، مثل الانبعاثات الصناعية، والمعادن الثقيلة، والمبيدات الحشرية، والجسيمات الدقيقة العالقة في الهواء. ومن أكثر هذه الملوثات خطورة الجسيمات التي يقل قطرها عن 10 ميكرومترات (PM10) والجسيمات الدقيقة جداً التي يقل قطرها عن 2.5 ميكرومتر (PM2.5).

وتتميز هذه الجسيمات بصغر حجمها الشديد، مما يسمح لها بالوصول إلى أعماق الرئتين ثم الانتقال إلى مجرى الدم، ومنه إلى مختلف أعضاء الجسم بما في ذلك الدماغ. ويعتقد العلماء أن وجود هذه الجسيمات داخل الجسم يؤدي إلى حدوث التهابات مستمرة، وهي استجابة دفاعية طبيعية من الجسم، إلا أن استمرارها لفترات طويلة قد يسبب أضراراً في أنسجة الدماغ ووظائفه.

كما أظهرت بعض الدراسات تراكم جزيئات دقيقة ولويحات بروتينية مرتبطة بمرض ألزهايمر في أدمغة أشخاص وحيوانات تعرضوا لفترات طويلة لمستويات مرتفعة من التلوث. وتشير هذه النتائج إلى أن تلوث الهواء قد يساهم في تسريع التغيرات المرتبطة بالأمراض العصبية والتنكسية.

ويحذر غراندجان من أن أي تراجع بسيط في وظائف الدماغ قد يترك آثاراً كبيرة على حياة الإنسان، موضحاً أن فقدان عدد محدود من نقاط الذكاء يمكن أن يؤثر في التحصيل الدراسي ومستوى الدخل والفرص المستقبلية للفرد. ولذلك فإن حماية الدماغ من الملوثات لا تتعلق فقط بمنع الأمراض، بل بالحفاظ على أفضل مستوى ممكن من النمو والقدرات العقلية.

وفي بعض المناطق السورية التي تعرضت لظروف استثنائية، مثل الغوطة الشرقية، أظهرت التقارير زيادة في حالات الإجهاض والتشوهات الخلقية نتيجة التعرض المستمر للمواد السامة والهواء الملوث خلال هجمات الكيماوي، وهو ما يوضح أن آثار التلوث قد تمتد إلى الأجيال القادمة أيضاً.

أهمية الوقاية والحد من التلوث

أمام هذه المخاطر المتزايدة، يؤكد العلماء أن الوقاية تبقى الخيار الأكثر فعالية. فالتعامل مع الأمراض بعد ظهورها لا يعوض الخسائر الصحية التي يمكن تجنبها من الأساس من خلال الحد من التعرض للملوثات.

ويرى البروفيسور بروس لانفير، أستاذ العلوم الصحية في جامعة سيمون فريزر، أن الأدلة العلمية الحالية كافية لاتخاذ إجراءات وقائية دون انتظار ظهور أضرار أكبر في المستقبل. كما يشدد على أهمية اعتماد سياسات بيئية تستند إلى نتائج الأبحاث العلمية وتعمل على تقليل تعرض السكان للمواد الخطرة.

ومن جانبها، تؤكد الباحثة إيرفا هيرتز-بيتشيوتو، مديرة مركز علوم الصحة البيئية في جامعة كاليفورنيا ديفيس، أن مسؤولية حماية الصحة العامة لا يجب أن تقع على الأفراد وحدهم، بل تحتاج إلى قوانين وتشريعات فعالة تراقب مصادر التلوث وتحد من انتشارها.

ولا تقتصر المخاوف على الجسيمات الدقيقة المعروفة فقط، بل تمتد أيضاً إلى الجسيمات فائقة الدقة التي يقل قطرها عن 100 نانومتر، والتي ما تزال في كثير من الدول خارج نطاق الرقابة والتنظيم. وتوضح ديبورا كوري سليشتا أن هذه الجسيمات الصغيرة جداً تستطيع الوصول بسهولة إلى الرئتين والدم والدماغ، بينما لا تزال آثارها الصحية الكاملة غير معروفة حتى الآن.

في النهاية، قد لا نرى تلوث الهواء بأعيننا في كثير من الأحيان، لكن آثاره تظهر بوضوح في صحة الناس وحياتهم اليومية. فالهواء الذي نتنفسه يؤثر في أجسادنا وعقولنا منذ الطفولة وحتى مراحل العمر المتقدمة، ولذلك فإن الحفاظ على بيئة نظيفة ليس رفاهية، بل ضرورة لحماية الإنسان ومستقبله. وفي سوريا، كما في بقية دول العالم، تبقى الجهود الرامية إلى الحد من التلوث وتحسين جودة الهواء خطوة مهمة نحو مجتمع أكثر صحة وأماناً. فكل تحسن في جودة الهواء يعني أطفالاً أكثر صحة، وعائلات أكثر استقراراً، ومستقبلاً أفضل للأجيال القادمة.

اقرأ أيضاً: إضراب معلمي رأس العين.. رواتب معلّقة وتعليم مهدد

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.