مشاهير

من الدمار إلى المحاكم: معركة السوريين لاستعادة عقاراتهم المنهوبة باسم القانون!

من الدمار إلى المحاكم: معركة السوريين لاستعادة عقاراتهم المنهوبة باسم القانون!

بقلم هلا يوسف

تعد مشكلة العقارات المتنازع عليها، والتي ظهرت جلياً عقب سقوط النظام، من أكثر المشكلات انتشاراً. ويعود السبب في ذلك إلى استغلال نزوح الاهالي وبيع العقارات إلى أشخاص آخرين، وتعقيدات إثبات الملكية التي يواجهها السكان الأصليون. في هذا المقال سنسلط الضوء على عدد من الأحياء الدمشقية التي تعاني من هذه المشكلة، كما سنتعرف على القانون الذي ساعد زبانية النظام السابق في الاستحواذ على ممتلكات النازحين، وأخيراً كيف يمكن إثبات الملكية.

المناطق المتضررة: حكايات متشابهة بأماكن مختلفة

في حي تشرين بدمشق يروي الأهالي قصتهم بوصفها مأساة جماعية لا تخص عائلة بعينها. نحو ثمانية عشر ألف شخص وجدوا أنفسهم فجأة خارج بيوتهم، لا بسبب قذيفة أو اشتباك، بل نتيجة ما يصفونه بعمليات سلب عقاري ممنهجة. تشير إحصاءات أعدّتها اللجنة القانونية في الحي إلى أن ما يقارب مئة عقار، بمساحات كبيرة كانت تتراوح بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف متر مربع، انتقلت ملكيتها بطرق ملتوية خلال سنوات قليلة.

كانت هذه الأراضي زراعية في الأصل، ثم تحولت بجهد سكانها على مدى عقود إلى حي سكني متكامل. معظم القاطنين اشتروها بموجب وكالات عدلية غير قابلة للعزل، ولم يسجلوا ملكياتهم في الصحيفة العقارية، إما لجهل بالقانون أو بسبب التعقيدات الإدارية. هذا التفصيل الذي بدا هامشياً في السابق، تحول لاحقاً إلى الثغرة الأخطر. ففي بين عامي 2018 و2022 نشطت عمليات بيع مزدوجة، استغل فيها ورثة المالكين الأصليين بقاء الأسماء القديمة في السجلات الرسمية، فباعوا العقارات مرة أخرى لجهات جديدة.

لم تقتصر المسألة على الورق. بل رافقت هذه البيوع عمليات هدم طالت نحو ستة آلاف منزل، فقد نصفها ملكيته بالكامل، بالإضافة إلى منع أمني حال دون وصول أصحاب الحقوق الحقيقيين إلى ممتلكاتهم. هذا المنع، بذريعة “الإجراءات الأمنية”، منح وقتاً كافياً لإتمام نقل الملكيات وهدم أي دليل مادي على وجود السكان السابقين في ظل النظام السابق.

في داريا كانت القصة مختلفة في تفاصيلها، لكنها متشابهة في نتائجها. فخلال حصار المدينة بين عامي 2013 و2016، احترقت سجلات المحكمة الشرعية ودائرة الكاتب بالعدل، ما ترك آلاف السكان من دون أي وثيقة رسمية تثبت ملكيتهم. بعد سنوات، ومع عودة جزئية للسكان، اكتشف كثيرون أن إثبات الملكية لم يعد إجراءً إدارياً، بل نزاعاً قضائياً مفتوحاً لا يعرفون إلى أين سينتهي.

يحذر المهندس مظهر شربجي الرئيس السابق لبلدية داريا، من ظاهرة أكثر تعقيداً ظهرت في بعض الأحياء، حيث يملك شخص أسهماً محدودة في عقار، ثم يبيعه كاملاً عبر تزوير عدد الأسهم. في مثل هذه الحالات تصبح استعادة الحق لاحقاً شبه مستحيلة، لأن التزوير لا يطال عقداً واحداً فقط، بل سلسلة كاملة من التصرفات القانونية.

أما في مناطق السكن العشوائي مثل حي الخليج عند مدخل داريا من جهة دمشق، فالأزمة تأخذ شكلاً آخر. هناك لم يكن الدمار وحده هو المشكلة، بل اختفاء الحي ذاته من الخريطة. فالبيوت تم تسويتها بالأرض، والسجلات غير موجودة أصلاً، لأن الملكيات كانت قائمة اجتماعياً أكثر منها قانونياً. وبالتالي الكثير من السكان لا يملكون “الطابو الأخضر”، بل عقوداً عرفية أو خارجية لم تسجل يوماً في الدوائر الرسمية. ومع الحرب تحولت هذه المناطق إلى بيئة مثالية للنزاع للنزاع والتزوير واحتكار الحق.

حين يتحول التشريع إلى أداة سلب

لم تتشكل أزمة الملكيات في سوريا من الفوضى وحدها، بل من منظومة قانونية أُقرت خلال سنوات الحرب، وتم استخدامها لتوسيع الحجز والمصادرة، خصوصاً بحق النازحين والمعارضين السياسيين. منذ عام 2011، صدرت عشرات القوانين والمراسيم التي منحت السلطات صلاحيات واسعة للتصرف بأموال المواطنين المنقولة وغير المنقولة.

يعد قانون مكافحة الإرهاب رقم 19 لعام 2012 أحد أبرز هذه القوانين. فالمادة الثانية عشرة منه تنص على مصادرة الأموال في حال الإدانة، لكن الأخطر جاء في المادة الحادية عشرة، التي سمحت للنائب العام بتجميد الأموال قبل صدور أي حكم قضائي نهائي، بمجرد تقديره وجود دلائل كافية. هذا التوسع في الحجز خارج القضاء تعزز أكثر مع المرسوم التشريعي رقم 63 لعام 2012، الذي خول السلطات الضابطة العدلية طلب الحجز الاحتياطي على أموال المتهمين في قضايا أمن الدولة.

تكشف أرقام وزارة المالية عن حجم هذه الإجراءات فهناك أربعون ألف حالة حجز احتياطي عام 2017، وثلاثون ألف في عام 2016، معظمها بذريعة “الإرهاب“. لم تكن هذه الأرقام مجرد إحصاءات، بل قصص عائلات وجدت نفسها فجأة محرومة من ممتلكاتها دون أن تمثل أمام قاضي.

إلى جانب قوانين الأمن، لعبت قوانين التنظيم العمراني دوراً إضافياً في إعادة تشكيل الملكية. فالقانون رقم 10 لعام 2018، الذي أتاح إحداث مناطق تنظيمية وتحويل الملكيات إلى أسهم ضمن مخطط تنظيمي، أثار مخاوف واسعة من ضياع أملاك النازحين، خاصة مع تحديد مهلة زمنية قصيرة لإثبات الملكية. أما قانون التخطيط وعمران المدن رقم 23 لعام 2015، فرغم أنه نظرياً ينظم عملية التعويض، إلا أن تطبيقه على الأرض رافقته شكاوى واسعة من البطء وعدم الإنصاف.

كل ذلك يتعارض مع مبادئ دولية واضحة، كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بل ويتناقض حتى مع الدستور السوري نفسه، الذي يكفل في مواده حق الملكية الفردية.

كيف تثبت ملكيتك عندما تختفي الأوراق؟

في هذا الواقع يجد العائدون أنفسهم أمام سؤال بسيط ومعقد في نفس الوقت وهو كيف يمكن إثبات ملكية بيت لم يعد له سجل، ولا وثيقة، ولا حتى جدران؟ يوضح الخبير القانوني مالك العودة أن المشكلة الأساسية اليوم هي فقدان الثبوتيات العقارية. آلاف الوثائق الأصلية تعرضت للحرق أو التلف أو التزوير، ومع غياب الأدلة الكتابية، لا يبقى أمام المالك سوى القضاء.

ففي تشرين الثاني 2025 أصدرت وزارة العدل تعميماً يحدد آليات ترميم بعض سجلات الكاتب بالعدل، لكنه اشترط وجود نسخة أصلية مصدقة عن الوثيقة المفقودة. وفي المناطق التي دمرت فيها المحاكم بالكامل، بدا هذا الشرط مستحيل التحقيق، ما دفع بالمتضررين إلى مسار قضائي طويل ومكلف.

وعند غياب الطابو أو العقد المسجل، يعتمد القاضي على ما يعرف بالأدلة غير الكتابية: سماع الشهود، والاستجواب، واليمين القانونية، والقرائن المادية مثل فواتير الكهرباء والمياه والهاتف. يرى الأهالي أن هذه القرائن يجب أن تعامل كأدلة قوية، إذ ليس منطقياً أن يدفع شخص فواتير وضرائب عقار لعشرات السنين دون أن يكون مالكه.

لكن هذا الفراغ القانوني فتح الباب أمام شبكات منظمة. فقالت المحامية هند الصالح أنه انتشر في زمن النظام السابق سماسرة ووسطاء استغلوا غياب أصحاب العقارات، وأعادوا تسجيل البيوت بطرق غير قانونية. وفي نيسان 2023، كشف تحقيق استقصائي أجرته وحدة “سراج” بالتعاون مع صحيفة الغارديان عن وجود أكثر من عشرين شبكة أمنية متخصصة بتزوير ملكيات العقارات في مناطق عدة من سوريا.

بحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لا تتوقف الأزمة عند قصص فردية. فقد كان في سوريا قبل الحرب نحو خمسة ملايين ونصف مليون منزل، دمر منها أكثر من ثلاثمئة ألف بالكامل. هذا يعني أن نحو خمسة ملايين وسبعمئة ألف شخص يحتاجون اليوم إلى دعم سكني مباشر.

وفي شباط 2025 أصدرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة تقريراً وثق عمليات نهب وتدمير ممنهجة لمنازل المدنيين على مدى ثلاثة عشر عاماً، معتبرة أن هذه الانتهاكات تشكل أحد أبرز العوائق أمام عودة اللاجئين والنازحين.

في النهاية، عمليات متشابكة وتعقيدات كبيرة تطال ملف العقارات. فالصراع اليوم بالنسبة للعائدين صراع استعادة أملاكهم. إلا أن المسارات القضائية الطويلة، والأوراق الثبوتية المطلوبة التي غالباً ما تكون تعجيزية ومستحيلة قد تدفع بالمواطنين إلى التخلي عن منازلهم قسراً لعدم قدرتهم تحمل تكاليف القضاء.

اقرأ أيضاً: حمص.. مدينة أنهكتها الحرب ونهشها تشبيح العقارات

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.