مال و أعمال

مهرجان الخير: هل يمكن تحويل الفعاليات الموسمية إلى سياسة لضبط الأسعار؟

مهرجان الخير: هل يمكن تحويل الفعاليات الموسمية إلى سياسة لضبط الأسعار؟

الكاتب: أحمد علي

لا تختبر الأسواق نواياها بالكلمات، بل بما يصل فعلاً إلى يد الناس آخر النهار، وحين يصبح الغذاء عبئاً يومياً على ملايين الأسر، يغدو أي تخفيض حقيقي أكثر من عرض تجاري، ويتحول إلى سؤال عام عن قدرة الدولة والسوق معاً على تخفيف الضغط المعيشي. من هنا يكتسب الحديث عن مهرجان الخير في دمشق معنى يتجاوز حدود فعالية موسمية تقام قبل العيد، لأنه يفتح باباً أوسع على النقاش حول ما إذا كانت هذه المبادرات قادرة على أداء دور ثابت في تهدئة الأسعار، أم أنها تبقى استجابة ظرفية مفيدة ولكنها محدودة الأثر.

ضبط الأسعار في سوريا

تبدو أهمية ضبط الأسعار في سوريا اليوم أوضح من أي وقت مضى إذا وُضعت في سياق الأرقام المتداولة عن الأمن الغذائي في البلاد، فبرنامج الأغذية العالمي يقول إن 9.1 ملايين شخص في سوريا يعانون انعدام الأمن الغذائي، وإن أكثر من نصف السكان يتأثرون مباشرة بتدهور القدرة على الوصول إلى الغذاء، كما يشير إلى أن كلفة المعيشة تضاعفت ثلاث مرات خلال السنوات الثلاث الماضية، في وقت لم تعد فيه الأجور قادرة على تغطية الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية.

ضمن هذا المشهد، لا يظهر مهرجان الخير بوصفه مناسبة تسويقية عابرة فقط، بل كجزء من محاولة أوسع لخلق متنفس سعري ولو كان مؤقتاً، وخاصة في مواسم يرتفع فيها الاستهلاك مثل رمضان وعيد الفطر. والسؤال هنا ليس ما إذا كانت التخفيضات مفيدة، فهذا أمر تؤكده التجربة اليومية للمستهلك، بل ما إذا كان يمكن تحويل الفكرة نفسها إلى أداة مستمرة ضمن سياسة اقتصادية واجتماعية أوسع.

ماذا تقول الوقائع اليوم

بحسب الخبر المنشور عن مهرجان الخير في دمشق، انطلقت الفعالية في صالة السورية للتجارة بمنطقة الزاهرة القديمة بمشاركة أكثر من ثمانين شركة وطنية، وقدمت حسومات تراوحت بين 15 و40 بالمئة على مواد غذائية وتموينية وألبسة وأحذية ومنظفات وسلع استهلاكية أخرى.

وفي تصريحات مرافقة للخبر، ربط مسؤولون في الإدارة العامة للتجارة الداخلية بين المهرجان وبين تخفيف الأعباء عن المواطنين وتحقيق قدر من التوازن السعري قبيل العيد، مع حديث واضح عن البيع المباشر من المنتج إلى المستهلك وكسر حلقات الوساطة، إضافة إلى مهرجانات مشابهة في حمص واللاذقية.

كما ترافقت هذه الفعاليات مع حملات رقابية واسعة في دمشق، أسفرت وفق البيانات الرسمية عن مئات الضبوط التموينية وإغلاق عدد من المحال المخالفة، وهو ما يكشف أن الأثر السعري لا يُبنى على التخفيض وحده، بل على اجتماع أكثر من أداة في لحظة واحدة، من العرض الإضافي، إلى الرقابة، إلى الضغط النفسي الذي تولده المنافسة أمام المستهلك.

حين يضيق أثر الموسم

مع ذلك، فإن المهرجانات الموسمية تظل بطبيعتها محدودة زمنياً ومكانياً، هي تنجح غالباً في تخفيف الأسعار داخل نطاق الحدث نفسه، أو في دفع بعض التجار خارج الفعالية إلى تعديل أسعارهم مؤقتاً تحت ضغط المقارنة، لكنها لا تكفي وحدها لضبط الأسواق على امتداد الجغرافيا السورية ولا على مدار العام. فالأسعار لا تتحدد فقط بهامش ربح البائع النهائي، بل بكلفة النقل والطاقة والتخزين والتمويل وتقلبات التوريد وحلقات الوساطة بين المنتج والمستهلك.

ولهذا فإن أي قراءة واقعية لموضوع ضبط الأسعار في سوريا يجب أن تميز بين أثر إسعافي سريع، وهو أثر لا ينبغي التقليل من أهميته، وبين أثر بنيوي يحتاج إلى مؤسسات وآليات دائمة. ومن الأمثلة الدالة على الفارق بين التدخلين، ما يورده برنامج الأغذية العالمي عن توسيع برنامج الخبز المدعوم بالشراكة مع الجهات الحكومية، حيث يجري دعم مئات المخابز للوصول اليومي إلى ملايين الناس.

وهذا النوع من التدخل لا يعمل بمنطق المناسبة، بل بمنطق المنظومة، أي توفير سلعة أساسية باستمرار مع تمويل واضح وآلية توزيع قابلة للقياس والمراجعة.

من الفعالية إلى المنظومة

تحويل الفعاليات الموسمية إلى سياسة لا يعني إلغاء المهرجانات، بل البناء عليها وتوسيع فعاليتها، ويمكن تصور ذلك عبر مسار يبدأ بتثبيت روزنامة سنوية للمعارض الاستهلاكية في المحافظات، بحيث لا تبقى مرتبطة بالمواسم الكبرى فقط، ثم ربط هذه المعارض بقواعد بيانات يومية للأسعار تعلن للمستهلك بوضوح، فيعرف أين يوجد الفرق الحقيقي وأين تتلاشى الحسومات في الدعاية.

ويحتاج المسار نفسه إلى توسيع البيع المباشر عبر السورية للتجارة والجمعيات التعاونية ومنافذ القطاعين العام والخاص، مع عقود أكثر انتظاماً مع المنتجين المحليين، ودعم لوجستي يخفف كلفة النقل والتخزين، لأن تخفيض السعر في النهاية يبدأ من تقليص الكلفة قبل أن يبدأ من خفض هامش الربح.

وإلى جانب ذلك، تبقى الرقابة ضرورة لا بديل عنها، لا بوصفها إجراءً عقابياً فقط، بل أداة لحماية المنافسة العادلة ومنع استغلال المواسم. وقد أظهرت التجربة الرمضانية الحالية أن التلازم بين التخفيضات والرقابة وبعض إجراءات زيادة العرض، مثل السماح المؤقت باستيراد الفروج الحي لضبط السوق، يمكن أن يمنح المستهلك أثراً أسرع وأكثر وضوحاً.

خلاصة السوق المفتوحة

الخلاصة أن مهرجان الخير يقدم نموذجاً مفيداً، لكنه لا يتحول تلقائياً إلى سياسة ما لم تُترجم فكرته إلى بنية مستمرة، فإذا بقيت الفعالية مساحة مؤقتة لشراء أقل كلفة قبل العيد، فإنها ستظل ناجحة على مستوى اللحظة، محدودة على مستوى السوق.

أما إذا جرى التعامل معها كاختبار عملي لما يحتاجه ضبط الأسعار في سوريا من بيع مباشر، ومعلومات سعرية شفافة، وانتشار جغرافي أوسع، ورقابة فعالة، وربط أوثق بين المنتج والمستهلك، فإنها قد تصبح جزءاً من سياسة تهدئة سعرية أكثر نضجاً وعدالة. وبين الفعالية والسياسة مسافة ليست مستحيلة، لكنها تحتاج إلى ما هو أكثر من موسم ناجح، تحتاج إلى انتظام، وقياس، وقدرة على الاستمرار، لأن السوق لا يهدأ بالنيات الحسنة وحدها، بل بمنظومة تعرف أين يتشكل السعر، وكيف يمكن كبحه، ومن الذي يجب أن يصل إليه الأثر أولاً.

اقرأ أيضاً: كاريكاتير: دراما رمضان 2026

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.