بقلم هلا يوسف
تتنامى الأفكار التي تسعى لإيجاد مخرج للاقتصاد السوري المنهك. ففكرة من هنا ومقترح من هناك قد نجد إكسير الحياة الذي نعتمد عليه بدلاً من النفط الذي يحتاج إلى إصلاحات بمبالغ خيالية تفوق قدرة الحكومة، وبدلاً أيضاً من السياحة التي تحتاج لبنية تحتية متطورة، وبدلاً من كثير من القطاعات. ومن هنا طرحت فكرة الصناعات التحويلية القائمة على فكرة الميزات الاقتصادية الحصرية، أي تلك التي تمتلك أدوات إنتاجها سوريا فقط، وفي الحقيقة هي فكرة نادرة في ظل التطور الكبير في كافة المجالات.
لكن هنا نستطيع أن نميز بين المعنى الحصري والنسبي لفهم ما نقصده بشكل أكبر. فعندما نقول “ميزات اقتصادية نسبية” نكون أكثر واقعية، فمن حيث معناها تشير إلى قدرة بلد على إنتاج سلعة بكفاءة أعلى أو تكلفة أقل مقارنة بغيره حتى لو كانت هذه السلعة متاحة في دول أخرى. وبالتالي يمكن أن تكون مفتاحاً لإنعاش الاقتصاد إذا ما تم استثمارها بالشكل الصحيح.
ويمكن اجراء تطبيق عملي على إنتاج من المفروض أنه محصور في سوريا ويمكن اعتباره فرصة استثنائية وميزة اقتصادية للبلد وهو “الوردة الدمشقية”. حيث يُعتقد أن بناء سلسلة إنتاج متكاملة تبدأ من الزراعة مروراً بالتقطير والتصنيع وصولاً إلى التصدير، يمكن أن يحول هذا القطاع إلى نشاط اقتصادي عالمي مربح، خصوصاً مع الطلب على الزيوت العطرية والمركبات الطبية. لكن يبقى السؤال الأساسي: هل يمكن فعلاً اعتبار الوردة الدمشقية قاعدة اقتصادية قوية قادرة على إحداث تحول ملموس، أم أن الحديث عنها أقرب إلى المبالغة الناتجة عن الخلط بين القيمة العالية للمنتج وحجمه الفعلي في الاقتصاد؟
إنتاج الوردة الدمشقية في سوريا: أرقام واقعية
تشير البيانات إلى أن الإنتاج السنوي للوردة الدمشقية في سوريا يبلغ حوالي 1000 طن من الأزهار، يستهلك نصفه في السوق المحلي فيما يُخصص النصف الآخر للتصدير. بينما تبلغ تكلفة زراعة هكتار واحد من الوردة الدمشقية حوالي 500 ألف ليرة سورية، ويمكن زراعة حوالي مئة شجيرة في كل دونم، ينتج كل منها كيلوغراماً من بتلات الورد.
أما تحويل هذه الأزهار إلى زيت عطري، المنتج الأعلى قيمة، فيتطلب نحو أربعة عشر طناً من الأزهار لإنتاج كيلوغرام واحد فقط من الزيت، وهو ما يعني أن الإنتاج السنوي السوري من الزيت لا يتجاوز سبعين كيلوغراماً تقريباً. وباعتبار السعر العالمي الحالي للكيلوغرام الواحد من زيت الورد يبلغ 157 دولاراً، فإن القيمة الإجمالية لهذا الإنتاج لا تتجاوز 11,210 دولار سنوياً، وهو لا يعكس قيمة الصادرات الفعلية للوردة الدمشقية عام 2016، والتي بلغت نحو 608 آلاف دولار بحسب البيانات، بينما بلغت الواردات من هذا المنتج حوالي 92 ألف دولار، مما يعكس حجم الطلب العالمي على الزهور العطرية، ولكنه يؤكد في الوقت نفسه على محدودية العائدات الاقتصادية مقارنة بالإمكانيات المتاحة.
لا يمكن الحديث عن مشروع الوردة الدمشقية كمنتج للنهوض بالاقتصاد دون التطرق إلى المساحات المزروعة التي تشير إلى محدوديتها، إذ لا تتجاوز المساحات المزروعة في ريف دمشق 200 هكتار وفي حلب 67 هكتاراً، وهو ما يشكل أقل من 0.2% من الأراضي الزراعية المستثمرة، مما يوضح أن النشاط الزراعي للوردة الدمشقية محدود الانتشار والتأثير على الاقتصاد الوطني.
التكامل وسلسلة القيمة: مفتاح العائدات
من خلال الأرقام السابقة لا يمكن اعتبار الوردة الدمشقية مصدراً يعتمد عليه في الاقتصاد بالشكل الذي يتم الحديث عنه كرافعة اقتصادية لسوريا، لأن القيمة الاقتصادية للوردة الدمشقية لا تكمن فقط في الزراعة، بل في القدرة على تطوير سلسلة متكاملة من الإنتاج، تبدأ بالتقطير المتقدم مروراً بالتصنيع التجميلي وبناء العلامات التجارية.
في الوقت الحالي، يتركز النشاط على بيع المنتجات الأولية مثل الأزهار أو ماء الورد، بينما الجزء الأكبر من القيمة المضافة يتحقق في المراحل اللاحقة، أي عبر تطوير سلاسل القيمة التي يمكن أن ترفع العائدات عدة أضعاف مقارنة ببيع المواد الخام فقط. حتى في سيناريو توسع كبير يفترض إنتاج عشرة آلاف طن سنوياً، أي عشرة أضعاف المستوى الحالي، فإن كمية الزيت المنتجة لن تتجاوز سبعمئة كيلوغرام، بقيمة خام تصل إلى نحو أربعة ملايين دولار، ومع إضافة التصنيع المتقدم يمكن رفع القيمة إلى نحو عشرين مليون دولار سنوياً، وهو تحسن ملحوظ على مستوى القطاع نفسه، لكنه يبقى محدوداً مقارنة بحجم الاقتصاد الوطني أو قطاعات كبرى مثل الطاقة والسياحة.
الوردة الدمشقية في السوق العالمية: مقارنة دولية
أما بالنسبة إلى المزايا الحصرية للوردة الدمشقية فسيتضح معنا أن لهذه الوردة الدمشقية جانب تاريخي وجغرافي واسع، أي أن سوريا ليست الوحيدة المنتجة لها. حيث تعود أصول الوردة إلى إيران، وانتقلت إلى بلاد الشام منذ أكثر من 1200 عام، ثم إلى أوروبا وآسيا، وعُرفت في مناطق بعيدة مثل جزر هاواي تحت اسم “Lokelani”، ودخلت بريطانيا خلال الحقبة الرومانية، وانتشرت في فرنسا منذ القرن الثاني عشر، حيث تُزرع حتى اليوم في مدينة غراس تحت اسم “Rose de Damas”، وتشكل عنصراً أساسياً في منتجات شركات عالمية للعطور مثل Chanel. هذا الانتشار الواسع يضعف فكرة الاحتكار الجغرافي ويؤكد أن الوردة الدمشقية أصبحت جزءاً من سوق عالمي مفتوح، وليست مورداً محلياً مغلقاً.
وإذا ما أردنا المقارنة بين قطاع زراعة الوردة الدمشقية في سوريا وفي غيرها من البلدان فستكون المعلومات أكثر وضوحاً. فقي الوقت الذي لا تتجاوز صادرات سوريا من الوردة الدمشقية بضع مئات آلاف الدولارات، تحقق دول مثل هولندا صادرات من الزيوت العطرية ومستحضرات التجميل تبلغ 7.67 مليار دولار، كما وصلت صادراتها من الورود وحدها إلى نحو 954 مليون دولار، لتحتل موقعاً متقدماً عالمياً. هذا الفارق الكبير لا يعود إلى اختلاف “النبتة” نفسها، بل إلى نموذج الإنتاج الاقتصادي، الذي يقوم على بنية تحتية زراعية متقدمة، ودعم حكومي يصل إلى 30–80%، وتمويل زراعي منظم، وتكامل بين الزراعة والتصنيع والتصدير، إضافة إلى استيراد الورود من دول أخرى وإعادة تصديرها ضمن سلسلة قيمة عالية التنظيم.
الأمر نفسه ينطبق على إنتاج زيت الورد، حيث لا تحتكر سوريا هذه الصناعة، بل تتصدرها دول مثل بلغاريا وتركيا والهند وفرنسا، مع وجود تقاليد إنتاج عريقة، كما في مدينة كانوج الهندية، التي ما زالت تستخدم طرق التقطير التقليدية، وهو ما وثقته تقارير إعلامية مثل BBC.
باختصار، يتضح من كل هذه المعطيات أن الحديث عن “ميزة اقتصادية حصرية” للوردة الدمشقية مبالغ فيه. الوردة الدمشقية، رغم قيمتها النوعية العالية والرمزية، لا يمكن أن تشكل ركيزة أساسية للاقتصاد السوري، إذ يعتمد العائد الحقيقي على إدماجها ضمن سلاسل إنتاج وتصنيع وتسويق متقدمة. وفي الواقع هي فرصة اقتصادية محدودة الحجم، قابلة للتحسين إذا طورت البنية الإنتاجية وسلسلة القيمة، لكنها تبقى قطاعاً تكميلياً لا أكثر، وطرحها كبديل للقطاعات الرئيسية يعكس خلطاً بين القيمة النوعية للمنتج وحجمه الفعلي في الاقتصاد.
لكن علينا في الختام أن نقرّ بأنّ نتائجة ليست صارمة، فنحن عند تحليل البيانات لم نأخذ بالحسبان احتماليات تطوير الزيوت إلى منتجات عالية القيمة، يمكنها على سبيل المثال منافسة علامات من أمثال Chanel، والسبب في عدم الخوض في هذه الاحتماليات ليس عدم قدرتنا على التنبؤ، ولكن لأن أي عملية تنبؤ من هذا النوع ستحتاج إلى أكثر بكثير من توفير البنية التحتية الخاصة بالوردة الشامية وتقطيرها وزيتها، وستنسحب إلى قطاعات أخرى هي إمّا متخلفة أو مهدمة أو غير موجودة أساساً في سوريا، وبالتالي لا يمكن الاعتماد عليها في تقديرات قصيرة ومتوسطة المدى.
اقرأ أيضاً: الوردة الدمشقية.. عطر أعاد تعريف لغة الورد في العالم