الكاتب: أحمد علي
تبدو خريطة الشمال الشرقي السوري أقل ثباتاً مما كانت عليه قبل أشهر، فما كان يُقدَّم بوصفه وجوداً أميركياً محدوداً لمنع عودة تنظيم داعش صار ملفاً مفتوحاً على أسئلة الشريك المحلي وحدود المخاطرة وكيفية إدارة إرث السجون والمخيمات. ومع تقدم قوات الحكومة السورية نحو مناطق كانت تحت نفوذ قوات سورية الديمقراطية، تتسع مساحة الحديث عن الانسحاب الأميركي من سوريا.
الانسحاب الأميركي من سوريا
الأرقام تكشف جانباً من القصة، فبعد سنوات من تداول رقم يقارب 900 جندي، أعلنت وزارة الدفاع الأميركية في كانون الأول 2024 أن العدد الفعلي كان يقارب 2000. ثم أعلن البنتاغون في نيسان 2025 خطة لإغلاق بعض المواقع ودمج أخرى بما يؤدي إلى خفض العدد إلى أقل من 1000 خلال أشهر. وتقليص القواعد ليس مجرد ترتيب إداري، بل خطوة تقلل الاحتكاك اليومي وتجعل الانسحاب الأميركي من سوريا أقرب.
لكن الانسحاب ورغم الحديث المكرر عنه لا يعني بالضرورة مغادرة فورية، فقد يسبق ذلك نقل الملفات الأكثر حساسية. وهنا برزت مهمة أعلنَتها القيادة المركزية الأميركية لنقل معتقلي داعش من منشآت في الحسكة إلى مواقع آمنة داخل العراق، مع الإشارة إلى أن العملية قد تتوسع لاحقاً. والرسالة -كما يبدو- أن واشنطن تريد تقليل احتمال انفلات ملف الاحتجاز مع تغيّر الطرف المسيطر.
لماذا تتبدل الحسابات الآن؟
السبب الأول داخلي سوري، فقد نُقل عن المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك قوله: “الغرض الأصلي لقسد ضد داعش انتهى إلى حد كبير”، في إشارة إلى أن واشنطن باتت ترى أن دمشق قادرة على تولي ملفات الأمن، ومنها السجون والمخيمات، وهذه المقاربة تضع قسد أمام خيار الاندماج أو فقدان الغطاء الذي جعلها شريكاً مميزاً.
يتداخل مع ذلك عامل تركي، إذ نقلت وكالة أسوشيتد برس عن مسؤولين أتراك أن أنقرة كانت على تواصل مع دمشق وواشنطن خلال عمليات انتهت بتراجع نفوذ قسد، وأنها ترى في تفكيك البنية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني مكسباً أمنياً. وهذا يفسر لماذا تبدو مساحة المناورة أمام واشنطن أضيق، لأنها تحاول الجمع بين مكافحة داعش وتخفيف التوتر مع حليف أطلسي.
أما السبب الثاني، فهو إقليمي ويتقاطع مع العراق، إذ تفيد المعطيات أن الانسحاب الأميركي من قاعدة عين الأسد اكتمل في كانون الثاني 2026 ضمن مسار لخفض مهمة التحالف. وعندما يتراجع حضور التحالف في العراق، يصعب فصل سوريا عن محيطها، لأن خطوط الإمداد وملاحقة خلايا داعش العابرة للحدود وملف المعتقلين كلها تحتاج تنسيقاً مع بغداد.
السجون والمخيمات على المحك
يبدأ الاختبار الفعلي لمسار الانسحاب الأميركي من سوريا من بوابات السجون، وضمن هذا السياق، اتهمت وزارة الداخلية السورية قوات سورية الديمقراطية بالسماح بهروب نحو 120 معتقلاً من سجن الشدادي، وهو ما نفته قسد، بينما قالت الحكومة إن معظم الفارين أُعيد اعتقالهم.
وفي الرقة أشارت الأنباء إلى أن سجن الأقطان الذي يضم قرابة ألف معتقل من داعش صار محاطاً بمخاوف هروب جماعي مع اشتداد الاشتباكات قربه. وفي الوقت نفسه تحدثت المعطيات عن انتقال السيطرة على سجن الأقطان إلى قوات الحكومة السورية بعد إخلاء حراسه من قسد ضمن تفاهمات ميدانية.
كذلك، فإن المخيمات لا تقل حساسية، فتقديرات عدد المقيمين في مخيم الهول تتفاوت بين نحو 24 ألفاً وفق “الغارديان”، وأكثر من 40 ألفاً وفق “سي بي إس”. وحذرت وثيقة لوزارة الخارجية الأميركية من أن الاكتظاظ وتراجع الخدمات يرفعان مخاطر التطرف والتجنيد داخل المخيمات، خصوصاً بين الأطفال واليافعين. ومع عودة فرق الأمم المتحدة للوصول إلى المخيم بعد فترات الاضطراب، يصبح الحفاظ على الحد الأدنى من الأمن شرطاً لاستمرار أي جهد إنساني.
مكافحة داعش بعد قسد
لسنوات كانت قسد حجر الأساس الميداني في شبكة مكافحة داعش ضمن مظلة التحالف الدولي، لكن اليوم تتراجع ويتغيّر وضعها فيما هي الآن بحالة هدنة مع القوات الحكومية وتدرس مسألة الاندماج. وهذا التحول يطرح سؤالاً مزدوجاً، فهل يمنح الدمج شرعية أوسع لعمليات مكافحة داعش، أم يفكك بنية خبرت إدارة السجون والمخيمات وتملك معلومات محلية تراكمت عبر سنوات.
رأت ورقة بحثية لمؤسسة كارنيغي في كانون الأول 2025 أن نجاح خفض الوجود الأميركي يحتاج رقابة مرنة تركز على استمرار احتجاز معتقلي داعش، وتأمين خطوط الإمداد، وحماية مواقع حساسة. وقد تفضل واشنطن تقليل الوجود دون فقدان القدرة على التدخل عند الضرورة، عبر نقاط محدودة أو تعاون استخباراتي.
اقرأ أيضاً: دمج قسد: كتلة أم أفراد؟ وكلفة كل خيار على سوريا
من يملأ الفراغ ويدفع
مع كل خطوة باتجاه الانسحاب الأميركي من سوريا، يبرز سؤال من يملأ الفراغ ومن يدفع الثمن. فالحكومة السورية تسعى لإعادة بسط سيطرتها على الشرق، وتركيا تراقب أي ترتيبات تمس ملف الأكراد، بينما يهتم العراق بمنع تسرب عناصر داعش عبر الحدود وبمصير المعتقلين.
وعلى هذا الأساس، لا يرتبط الثمن على الاستقرار المحلي بمن يسيطر عسكرياً فقط، بل بقدرة السلطة الجديدة على منع الانهيار الأمني وتوفير الحد الأدنى من الخدمات، وبقدرة المجتمع الدولي على تحمل مسؤولية ملف المعتقلين عبر المحاكمات أو الإعادة إلى الدول الأصلية.
وفي النهاية قد لا يكون المشهد نهاية مهمة أميركية بقدر ما هو انتقالها إلى صيغة أقل ظهوراً وأكثر اعتماداً على إدارة المخاطر، مع بقاء عقدة السجون والمخيمات اختباراً لا يحتمل الخطأ… كذلك فإن الأمر في التحليل العام للمشهد مرتبط بإعادة هندسة التوازنات الإقليمية، ضمن خطوط تماس تترك مجالاً مضبوطاً لكل من تركيا والحليفة الودودة «إسرائيل» في سوريا والمنطقة، ورغم عدم وجود معطيات عما جرى الاتفاق عليه فعلياً في اجتماع «باريس» ما بين الجانبين السوري والإسرائيلي وبحضور أمريكي وتركي، فإن مؤشرات متعددة تظهر وجود نوع من الاتفاق يتموضع داخله التركي والإسرائيلي على الساحة السورية، وربما هذا ما أعطى الضوء الأخضر للقوات السورية بالتقدم باتجاه شرق الفرات وفتح المعركة مع قسد وصولاً إلى الواقع الحالي.
يقال ذلك، لأن أمريكا وأي قوة آفلة عندما تغادر تحاول أن تترك وراءها وكلاء، و«إسرائيل» تلعب هذا الدور، لكنها ليست الوحيدة في الإقليم، فعلى الأقل من وجهة النظر الأمريكية هناك من يرى في تركيا وكيلاً أيضاً، وهذا مرتبط بالمصالح بطبيعة الحال. لذلك فإن وزناً أعلى لتركيا قد يعطى في ملفات ومناطق، وسيميل هذا الوزن لإسرائيل في ملفات واماكن أخرى في سوريا والمنطقة ضمن عملية ضبط التوازن وإعادة الهندسة التي يجري الحديث عنها، والتي تمهّد للخروج الأمريكي السريع.
على المستوى الدولي، فإن اتجاه الانسحاب لدى أمريكا لم يعد جديداً، فمنذ 2018 بدا هذا المسار أكثر وضوحاً، وانسحبت أمريكا من عشرات إن لم نقل مئات القواعد والنقاط العسكرية لها، ولهذا أسبابه المرتبطة بالوزن والحال الأمريكية المتراجعة عالمياً. لكن أيضاً ضمن هذا المشهد، يبدو ومنذ تسلّم ترامب منصب الرئاسة مرة ثانية أن الاهتمام الأمريكي ينصرف نحو بقع أخرى في العالم، بعيداً عن غرب آسيا.. ومن هنا فإن بقاء القوات الأمريكية في سوريا وفي المنطقة يبدو أنه أصبح مسألة وقت. ويمثل هذا بوابة أخرى يُفهم من خلالها ما جرى في شمال شرق البلاد مؤخراً.. إذ يبدو أن أمريكا تعيد ترتيب وهندسة الشراكات والتوازنات في المناطق التي كانت فيها ما قبل الخروج النهائي من مسرح الأحداث.
اقرأ أيضاً: لماذا تصر أمريكا على أنّ «تركيا حطّت وتركيا شالت» في سوريا؟