منوعات

في نهاية 2025.. ما الذي تستفيده روسيا من قاعدتها الجوية في سوريا؟

في نهاية 2025.. ما الذي تستفيده روسيا من قاعدتها الجوية في سوريا؟

الكاتب: أحمد علي

تبدو قاعدة حميميم الجوية، على الساحل السوري قرب اللاذقية، وكأنها نقطة صغيرة على خريطة الشرق الأوسط، لكنها تحولت خلال عشر سنوات إلى عقدة تتقاطع عندها حسابات روسيا في المتوسط وإفريقيا وأوكرانيا في آن واحد. ومع نهاية عام 2025، يعود السؤال بقوة: ماذا تستفيد موسكو فعلياً من هذه القاعدة، وسط تغيّر السلطة في دمشق، وضغط الحرب في أوكرانيا، وتنافس القوى على إفريقيا؟

جزء من الجدل الشعبي يدور حول روايات من نوع أن “كل الطائرات الروسية المتجهة إلى إفريقيا تتزوّد بالوقود في حميميم”.. هذه الصورة المغرية بالتكرار على وسائل التواصل تبدو بسيطة ومريحة، لكنها نادراً ما تكون دقيقة في الشؤون العسكرية المعقّدة.

يحاول هذا المقال تحويل هذه الضوضاء إلى صورة أكثر اتزاناً، بالاعتماد على ما نشرته وكالات أنباء دولية، ومراكز بحثية، وخرائط ومسارات طيران منشورة علناً، مع الإشارة إلى حيث تبدأ المبالغة وحيث ينتهي الواقع.

القاعدة الجوية الروسية في سوريا

ظهرت القاعدة الجوية الروسية في سوريا رسمياً عام 2015 مع التدخل العسكري المباشر لموسكو إلى جانب الحكومة السورية آنذاك، بعد أن تم تحويل جزء من مطار باسل الأسد الدولي إلى قاعدة عسكرية دائمة تقريباً، وتوضح اتفاقية نُشرت على الموقع الرسمي للكرملين عام 2016 أن روسيا حصلت على حق استخدام القاعدة مجاناً، مع حصانة واسعة لعناصرها وأسرهم، ودون سقف زمني واضح، قبل أن يُستكمل ذلك ببروتوكول يسمح ببقاء القوات لمدة 49 عاماً قابلة للتمديد الآلي.

لاحقاً، تحدثت وكالة رويترز عن أن موسكو بدأت “ترسيخ وجود دائم” في قاعدتي حميميم الجوية وطرطوس البحرية، في خطوة نقلتهما من وضع “نقطة عمليات” إلى بنية تحتية ثابتة في المتوسط.

لاحقاً، توسّع المدرج، وأضيفت ملاجئ محصنة للطائرات، وأُدخلت منظومات دفاع جوي متقدمة مثل S-300، ما جعل القاعدة قادرة على استقبال طائرات نقل ثقيلة من نوع أنتونوف An-124 وإليوشن Il-76 إضافة إلى القاذفات والمقاتلات.

بهذا المعنى، لم تكن القاعدة مجرد منصة لضرب أهداف داخل سوريا، بل حجر أساس في مشروع أوسع لعودة روسيا كلاعب عسكري على شواطئ المتوسط، بعد عقود من الانكفاء عن المنطقة.

منصة نفوذ في المتوسط

تشير تحليلات المعهد الملكي للخدمات المتحدة RUSI، إضافة إلى مراكز مثل مجلس الشرق الأوسط، إلى أن حميميم وطرطوس شكّلتا معاً “منصة إسقاط قوة” روسية في شرق المتوسط، تسمح بمراقبة حركة الناتو في الجناح الجنوبي، وتوفير نقطة إمداد لقوات وسفن روسية أبعد من البحر الأسود المغلق جزئياً بالعقوبات والحرب.

كانت القاعدة الجوية الروسية في سوريا جزءاً من هذا المنطق: وجود دائم، بتكلفة بشرية منخفضة نسبياً، ورسالة سياسية بأن موسكو قادرة على العمل عسكرياً خارج فضائها السوفييتي السابق. وخلال سنوات الحرب السورية، انطلقت من حميميم آلاف الطلعات القتالية والاستطلاعية، ما منح روسيا خبرة عملياتية حقيقية، استخدمت لاحقاً في أوكرانيا وأماكن أخرى.

حتى بعد سقوط نظام بشار الأسد أواخر 2024، وبروز سلطة جديدة في دمشق، حرصت موسكو على الحفاظ على القاعدة، رغم أحاديث كثيرة عن انسحابها من عشرات المواقع الأصغر داخل سوريا. إذ تشير تقارير رويترز والفايننشال تايمز أن روسيا قلّصت وجودها في الشمال والجبال الساحلية، لكنها أبقت على تموضعها في حميميم وطرطوس، باعتبارهما “الأصول الاستراتيجية” التي لا تريد خسارتها.

عقدة لوجستية نحو إفريقيا

هنا يظهر البُعد الإفريقي مباشرة، طوال سنوات، استند الانتشار الروسي في إفريقيا – عبر مجموعة فاغنر سابقاً، و”فيلق إفريقيا” الحكومي لاحقاً – إلى جسر لوجستي يمر من سوريا نحو ليبيا ثم عمق الساحل الإفريقي. وتوضح تقارير من مراكز مثل “ذا سوفان سنتر” و“كريتيكال ثريتس” و“أمريكان إنتربرايز إنستيتيوت” أن خسارة سوريا أو تعثر الوصول إلى حميميم يضعف بشكل ملموس قدرة موسكو على إمداد قواتها وحلفائها في مالي وبوركينا فاسو وجمهورية إفريقيا الوسطى.

نقلت مجلة نيوزويك عن قناة “ريبار” العسكرية الروسية المقرّبة من الكرملين وصف حميميم بأنها “نقطة تزوّد بالوقود” للطائرات التي تنقل معدات وقوات إلى إفريقيا، مع الإقرار بأن الطائرات الثقيلة لا تستطيع دائماً الوصول إلى قواعد ليبيا وهي محمّلة بالكامل دون التوقف في سوريا.

وتقارير أخرى عن نشاط فاغنر تحدّثت عن أن القاعدة أصبحت محطة عبور منتظمة للمقاتلين والسلاح، في طريقهم إلى السودان وليبيا ومالي.

لكن مسارات الطيران التي نشرتها وسائل إعلام غربية خلال عامي 2024 و2025 تكشف صورة أكثر تعقيداً، فبعض رحلات الشحن الروسية إلى ليبيا ومالي تسلك مساراً مباشراً من روسيا عبر الأجواء التركية أو عبر إيران والعراق، دون المرور بسوريا، خاصة بعد اضطراب الوضع الأمني حول القاعدة في أواخر 2024.

بمعنى آخر، القاعدة الجوية الروسية في سوريا كانت، وما زالت، عقدة لوجستية مهمّة في الطريق إلى إفريقيا، لكنها ليست العقدة الوحيدة ولا الإلزامية لكل رحلة، كما يوحي الخطاب المبالغ فيه.

بين الأسطورة وحدود الواقع

رغم ذلك، من المفهوم أسباب المبالغة، فالكاميرات التي رصدت لعدة سنوات طائرات Il-76 وAn-124 العملاقة وهي تهبط في حميميم ثم تقلع باتجاه ليبيا، مع تسريبات عن شحنات ذهب وسلاح ومرتزقة، غذّت سردية “القاعدة السحرية” التي تمر عبرها كل خيوط الشبكة الروسية في إفريقيا، لكن الوثائق المفتوحة تُظهر أن موسكو كانت تعمل بالتوازي على نقل ثقلها اللوجستي جنوباً.

وتشير تحليلات لمعهد الشرق الأوسط ووسائل إعلام أوروبية إلى أن روسيا أعادت إحياء قاعدة الخادم في شرق ليبيا، ووسّعت حضورها في قاعدة “مَـعْطَن السَّرّاح/مَـاتِن السَّرَّا” في الجنوب الليبي، لتصبح هذه الأخيرة مرشحاً لأن تكون مركز قيادة وإمداد لفيلق إفريقيا، أقرب جغرافياً إلى مالي والنيجر وتشاد من الساحل السوري البعيد.

بالتوازي، تمضي موسكو في استكمال قاعدة بحرية على الساحل السوداني للبحر الأحمر، ما يوفر ممراً بحرياً إضافياً لإمداد قواتها وشركائها.

من جهة أخرى، تعرّضت حميميم نفسها لسلسلة هجمات بطائرات مسيّرة منذ 2018، ما دفع روسيا إلى تشييد ملاجئ محصّنة للطائرات وتعزيز الدفاع الجوي، كما توثق تقارير “بيلنجكات” ودراسات عسكرية أمريكية.

الخلاصة هنا أن دور حميميم الإفريقي واقعي ومهم، لكنه محكوم بثلاثة قيود: المسافة الطويلة، هشاشة الترتيبات السياسية في سوريا، وتعدد البدائل التي تحاول روسيا بناءها في ليبيا والسودان، ولذلك الحديث عن أن كل طائرة إلى إفريقيا “مضطرة” للمرور بحميميم يتجاهل هذه الشبكة المتحركة.

مكاسب باقية حتى 2025

مع نهاية 2025، ماذا تبقّى إذن من مكاسب روسيا من القاعدة الجوية في سوريا؟ أولاً، تستعيد موسكو عبر استئناف الرحلات العسكرية إلى حميميم بعد انقطاع دام نحو ستة أشهر – كما أوردت بلومبرغ ومصادر أوكرانية مستقلة – قناة اتصال عملية مع شرق المتوسط، تمنحها قدرة على المناورة الجوية والبحرية أبعد من مضائق تركيا الخاضعة لحسابات معقّدة.

ثانياً، تبقى القاعدة الجوية الروسية في سوريا “مخزن احتياط” لوجستي يمكن تشغيله أو تخفيف الاعتماد عليه وفقاً لدرجة التوتر مع السلطة الجديدة في دمشق، ولنجاح البدائل الليبية والسودانية، فروسيا قد تفضّل تقاسم الأعباء بين حميميم وقواعد إفريقيا، بدلاً من الاعتماد الكلي على ممر واحد مكشوف ومكلف.

ثالثاً، القيمة السياسية والرمزية، فالحفاظ على حميميم – ولو بحجم أصغر – يسمح للكرملين بأن يقول لحلفائه الأفارقة ولجمهوره الداخلي إنه لم يخرج من سوريا، وإنه ما زال يمتلك موطئ قدم في قلب المشرق، حتى لو لم يعد قادراً على رسم الخرائط كما كان بين 2015 و2020، وهذا البعد الرمزي له وزن حقيقي لدى أنظمة تعوّل كثيراً على صورة القوة والاستمرارية.

أخيراً، يمكن القول إن القاعدة الجوية الروسية في سوريا انتقلت من كونها “مركز ثقل” لـ “مشروع روسي واسع” في الشرق الأوسط وإفريقيا، إلى إحدى الأدوات ضمن مجموعة أدوات أوسع، تتوزع بين حميميم وطرطوس وقواعد ليبيا وقاعدة البحر الأحمر المرتقبة.

ختاماً، من يتابع الخبر من بعيد قد ينجذب للقصص المبسّطة عن طائرات “تتوقف حتماً” في حميميم، لكن قراءة المصادر المفتوحة بتأنّي تكشف لوحة أكثر تعقيداً، من بينها مكاسب ما تزال قائمة لكن محاطة بتكاليف أعلى، وهوامش حركة أضيق، ومستقبل مفتوح على احتمالات عديدة.

اقرأ أيضاً: هل انتهت أيام روسيا في سوريا؟ 

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.