روايات

جسر الرستن كنموذج تعافٍ: هل تبدأ سوريا بترميم شرايينها الداخلية من البنية التحتية؟

جسر الرستن كنموذج تعافٍ: هل تبدأ سوريا بترميم شرايينها الداخلية من البنية التحتية؟

الكاتب: أحمد علي

بعض مشاريع التعافي تُقاس بحجمها، وبعضها يُقاس بالمكان الذي تمسه، وجسر الرستن ينتمي إلى النوع الثاني. فهو ليس أكبر مشروع في سوريا، ولا أغلاه، لكنه يقع في نقطة تختصر شيئاً أساسياً في البلد كله، فهل يبدأ الإصلاح من إعادة وصل الناس ببعضهم، أم من انتظار الخطة الكبرى التي لا تأتي سريعاً؟ لهذا لا يبدو الحديث عن الجسر حديثاً هندسياً فقط، بل سؤالاً أوسع عن معنى أن تبدأ سوريا فعلاً بترميم شرايينها الداخلية من البنية التحتية.

البنية التحتية تبدأ هنا

بحسب التصريحات الرسمية الصادرة في 30 آذار، دخل مشروع إعادة تأهيل جسر الرستن مراحله النهائية بعد تركيب آخر جائز، مع بلوغ نسبة الإنجاز نحو 85 بالمئة، وتوقع وضعه في الخدمة بين 15 وأواخر أيار. وهذا تطور مهم، لأن الجسر لا يربط شرقي الرستن بغربها فقط، بل يقع في موضع يتصل بحركة أوسع على المحور الذي يصل شمال سوريا بجنوبها، ما يمنحه وزناً يتجاوز حدود المدينة نفسها.

وفي مواد أممية ورسمية سبقت هذه المرحلة، جرى تعريف المشروع بوصفه أولوية ضمن خطط التعافي في حمص لإعادة وصل طرفي المدينة عبر الأوتوستراد M5، وتحسين السلامة، وتأمين عبور أكثر أماناً للمشاة ولمستخدمي الكراسي المتحركة. وهذه التفاصيل ليست هامشية.، فحين نتكلم عن البنية التحتية، فنحن لا نتكلم عن إسمنت وحديد فقط، بل عن خدمة عامة تعيد الإيقاع اليومي إلى مدينة انقطعت داخلها الحركة قبل أن تنقطع خارجها.

أكثر من معبر محلي

قيمة جسر الرستن أنه يسمح برؤية شكل التعافي الواقعي، لا مشروع استعراضي، ولا وعود فضفاضة. هناك نقطة اختناق واضحة، وضرر محدد، وأثر مباشر إذا أزيل. عندما يعود الجسر إلى الخدمة، فإن النتيجة لا تظهر فقط في اختصار الطريق، بل في خفض كلفة الحركة، وتسهيل الوصول إلى الأسواق والخدمات، وتقليل الالتفافات الطويلة داخل المحافظة وعلى المسار الواصل بين المدن. ولهذا تستخدم الجهات المعنية لغة الشريان الحيوي، وهي هنا ليست بعيدة عن الواقع.

يصف البنك الدولي الممر الغربي الكثيف الذي يضم دمشق وحمص وحماة وحلب بأنه قلب النشاط الصناعي والتجاري والثقافي قبل الحرب. وإذا كان هذا هو الوصف، فإن ترميم العقد الصغيرة على هذا الممر يصبح عملاً ذا معنى اقتصادي مباشر. ليس لأن جسراً واحداً يغير البلد، بل لأن تعطل الشرايين الداخلية يجعل أي تعافٍ محلي هشاً ومجزأً، ويحوّل المدن إلى جزر متجاورة أكثر منها فضاءً متصلاً.

كيف يعمل هذا النموذج

ما يلفت في المشروع ليس الخرسانة فقط، بل طريقة تجميعه. المواد الرسمية والأممية تُظهر شراكة بين جهات محلية وبرامج تابعة للأمم المتحدة، مع تنسيق وزاري وتنفيذ ميداني محلي. وهذا مهم، فالتعافي في سوريا الآن لا يتحرك، في كثير من الحالات، عبر حزمة وطنية مكتملة التمويل، بل عبر مشاريع متوسطة ومحددة الأثر، تُبنى من تقاطع الاحتياج المحلي مع تمويل خارجي وقدرة تنفيذية متاحة.

وحتى الكلفة التقديرية التي قُدمت للمشروع، نحو 300 ألف دولار في إحدى المواد الرسمية، تكشف أننا أمام تدخل عملي صغير نسبياً، لكنه قابل للقياس والإنجاز.

هذا النوع من المشاريع قد يكون أكثر جدوى في المرحلة الحالية من الرهان على قفزات كبرى. الجسر يُنجز خلال أشهر لا سنوات، ويعطي نتيجة مرئية، ويعيد شيئاً من الثقة بفكرة أن الإصلاح ممكن عندما تكون الأولوية واضحة. وهو أيضاً يخلق أثراً مضاعفاً، لأن الطريق إذا عاد، عادت معه حركة العمل والنقل والخدمة، وعاد الإحساس بأن المدينة لم تعد مقطوعة على نفسها.

النموذج وحدوده القاسية

لكن تحويل جسر الرستن إلى نموذج وطني يحتاج قدراً من الحذر، فأرقام البنك الدولي تقول إن كلفة إعادة إعمار الأصول المادية في سوريا تُقدَّر بنحو 216 مليار دولار، منها 82 ملياراً للبنية التحتية وحدها. وفي حمص نفسها، يُقدَّر إجمالي كلفة إعادة الإعمار بنحو 24 مليار دولار، بينها نحو 10 مليارات للبنية التحتية. هنا يظهر الفرق بوضوح بين مشروع ناجح ومشهد وطني بالغ الثقل.

بمعنى أبسط، نجاح الجسر لا يعني أن سوريا بدأت تلقائياً مرحلة إعادة إعمار واسعة، لكنه يقول شيئاً آخر أكثر واقعية. يقول إن البداية المعقولة قد تكون من العقد التي تعيد الوصل الداخلي، لا من المشاريع الأثقل سياسياً ومالياً أولاً. الجسور، والوصلات الطرقية، والسكك، وتغذية الكهرباء، وشبكات المياه الكبرى، وهذه ليست ملفات منفصلة، بل إنها البنية التي تسمح للاقتصاد المحلي أن يتحرك أصلاً.

من الجسر إلى المسار

إذا أرادت سوريا أن تجعل من جسر الرستن نموذج تعافٍ فعلاً، فالمطلوب ليس الاحتفاء بالمشروع وحده، بل تثبيت منهج وراءه. أي اختيار أولويات داخلية واضحة، والبدء بالنقاط التي تفك العزلة بين المدن والأحياء، وربط التمويل بالصيانة لا بالافتتاح فقط، ودمج الحاجة الاجتماعية بالحاجة الاقتصادية. الوثائق الأممية نفسها تحدثت عن السلامة والوصول والتماسك الاجتماعي، لا عن النقل فقط، وهذه نقطة ذكية لأن الشريان الحقيقي لا يخدم الشاحنات وحدها.

السؤال إذن ليس ما إذا كان جسر الرستن كبيراً بما يكفي لتمثيل سوريا، بل ما إذا كانت سوريا مستعدة لتعميم منطقه، وهنا تكمن المسألة، فحين يُعاد فتح ممر داخلي على هذا القدر من الأهمية، يمكن قراءة ذلك كبداية مفيدة، لكن البداية تبقى بداية. وما سيحدد معناها لاحقاً هو ما إذا كانت ستتبعها شبكة مشاريع مشابهة تعيد وصل الداخل السوري قطعة بعد أخرى، أم أنها ستبقى حالة ناجحة في بحر احتياج هائل.

اقرأ أيضاً: حين تزهر الذاكرة.. خميس النبات يعيد لحمص نبضها القديم

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.