الكاتب: أحمد علي
تبدو الاتفاقات المحلية في ظاهرها أصغر من أن تحمل معنى سياسياً واسعاً. حادثة تقع هنا، توتر يرتفع هناك، ثم يدخل وجهاء ومسؤولون محليون على الخط، وتُكتب صيغة مصالحة تنهي الاشتباك المباشر. لكن هذه الصورة، على بساطتها، لا تكفي لفهم ما جرى بين السقيلبية وقلعة المضيق. ففي بلد أنهكته الحرب، وصارت فيه الفجوات الاجتماعية والخدمية جزءاً من الحياة اليومية، يصبح الاتفاق المحلي أكثر من معالجة حادثة. يصبح اختباراً عملياً لسؤال أكبر، هل يمكن ترميم السلم الأهلي خطوة خطوة، من المواضع التي انكسر فيها فعلاً.
من هذه الزاوية تحديداً تكتسب وثيقة الصلح وزنها. فالتسوية التي وُقعت بعد التوتر الذي بدأ في السابع والعشرين من آذار، وانتهت في الحادي عشر من نيسان إلى جلسة صلح بحضور وجهاء الطرفين واللجنة المكلفة من إدارة منطقة الغاب، لا تكشف فقط عن قدرة محلية على احتواء أزمة مباشرة، بل تفتح نقاشاً أوسع حول حدود هذا النوع من الاتفاقات، وما الذي تستطيع أن تفعله فعلاً في ملف السلم الأهلي، وما الذي يبقى خارج قدرتها إذا لم تسندها معالجة أعمق لأسباب التوتر نفسها.
السلم الأهلي بين الواقعة والدلالة
المعطيات المنشورة عن الصك الرضائي واضحة في عناصرها الأساسية. وكالة سانا قالت إن الاتفاق تضمّن أربعة بنود، أولها تشكيل لجنة بإشراف المحافظ لمعاينة الأضرار وجبر الضرر المادي والمعنوي، وثانيها تعهد الطرفين بعدم تكرار الحادثة أو ما يشابهها، وثالثها إسقاط الدعاوى القضائية بعد جبر الأضرار، ورابعها احترام العادات والتقاليد والخصوصية لكل من المدينتين بما يعزز التفاهم والتعايش. وفي تغطية أخرى، أشير إلى أن التوقيع جرى في المركز الثقافي بمدينة السقيلبية، بعد لقاء سابق عُقد في التاسع والعشرين من آذار ومهّد للوصول إلى الصيغة النهائية.
هذه البنود تقول أكثر من شيء في وقت واحد. أولاً، هناك اعتراف بأن الضرر وقع وأن تجاوزه لا يكون بالتغاضي عنه، بل بتقديره ثم التعويض عليه. ثانياً، هناك انتقال من التهدئة الكلامية إلى آلية عمل، لجنة معاينة، جبر ضرر، إسقاط دعاوى بعد التسوية، وتعهد واضح يمنع التكرار. وثالثاً، هناك فهم ضمني بأن أي صلح محلي لا يعيش إذا بقي مفصولاً عن البيئة الاجتماعية المحيطة به وعن حساسية العلاقة بين المكانين.
وهنا بالذات تخرج الواقعة من معناها المباشر. فالسقيلبية وقلعة المضيق لا تقعان في فراغ، بل في منطقة ما زالت تتعامل مع أعباء إعادة تأهيل المرافق الأساسية. ففي قلعة المضيق وحدها تحدثت سانا في شباط الماضي عن مركز صحي يجري تأهيله ليخدم نحو ستين ألف مواطن، فيما أشارت في تشرين الأول 2025 إلى افتتاح مدرستين بعد ترميمهما واستيعابهما نحو ألف طالب وطالبة، مع بقاء مئة وعشرين مدرسة مدمرة أو غير مؤهلة في منطقة الغاب.
وحتى صوامع قلعة المضيق كانت في كانون الثاني 2026 لا تزال ضمن طور التأهيل، مع بلوغ نسبة الإنجاز أربعين بالمئة فقط. وفي بيئة بهذا القدر من الهشاشة، لا يبقى التوتر شأناً أمنياً فقط، بل يتحول سريعاً إلى عبء على الصحة والتعليم والغذاء وحركة الناس اليومية.
ما الذي ينجزه المحلي؟
حين يُطرح السؤال على هذا النحو، من الأفضل التمييز بين مستويين. هناك ما تستطيع الاتفاقات المحلية إنجازه فعلاً في المدى القريب، وهناك ما يتجاوز قدرتها مهما كانت صياغتها جيدة. في المستوى الأول، الفائدة واضحة نسبياً. الاتفاق المحلي الجدي يستطيع أن يوقف توسع الحادثة، ويمنع الشائعة من التحول إلى اصطفاف، ويعيد قنوات التواصل بين جماعات متجاورة، ويمنح المجتمع المحلي وقتاً لالتقاط أنفاسه قبل أن تتكفل الانفعالات بتوسيع الشرخ.
هذا ليس افتراضاً نظرياً. في ليبيا، يربط برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بين بناء السلام المحلي وبين ثلاثة عناصر متداخلة، تحسين الحوكمة والمشاركة المحلية، وتحسين الوصول العادل إلى الخدمات الأساسية، وخلق فرص اقتصادية ذات معنى. ويقول البرنامج إنه استثمر منذ 2016 في خمسٍ وستين بلدية تغطي خمسة وسبعين بالمئة من السكان، مع تحسين في تقديم الخدمات وتعزيز لآليات الحوار وحل النزاعات.
وفي العراق، يربط البرنامج نفسه بين المصالحات المجتمعية المحلية وبين عودة العائلات وإعادة إدماجها، ضمن مقاربة تبدأ بتقييمات حساسة للنزاع ثم بالحوار والاتفاقات المحلية، قبل أن تنتقل إلى الدعم الاجتماعي والاقتصادي.
المغزى من هذه المقارنات ليس القول إن كل حالة تشبه الأخرى، بل إظهار أن السلم الأهلي على المستوى المحلي لا يصنعه خطاب أخلاقي مجرد. الذي يصنع الفرق عادة هو وجود آلية تنفيذ، ومصلحة محسوسة للمجتمع في نجاحها، وإحساس بأن الاتفاق يخفف خطراً حقيقياً ويعيد شيئاً من الحياة العادية. لذلك، فإن قيمة الصك الحالي لا تكمن في صدوره بحد ذاته، بل في ما إذا كان سيُترجم إلى تنفيذ دقيق لبنود التعويض، وإلى تخفيف فعلي للاحتقان، وإلى استمرار في قنوات التواصل بين المدينتين.
حدود الصك الرضائي
لكن الوجه الآخر من الصورة لا يقل أهمية. فالاتفاق المحلي، مهما كانت صياغته متماسكة، لا ينبغي أن يُحمّل ما لا يحتمل. التجربة السورية نفسها تعطي هنا درساً حاسماً. ورقة منشورة عبر مكتب منشورات الاتحاد الأوروبي عن اتفاقات المصالحة المحلية في سوريا تقول إن كثيراً من تلك الاتفاقات أوقف العنف في لحظته، لكنه لم ينجح في معالجة جذور النزاع أو في إنتاج مصالحة حقيقية تقود إلى سلام دائم. وهذا الفرق أساسي، لأن الاسم وحده لا يكفي للحكم على المآل. ليست كل تهدئة سلماً أهلياً مستقراً، وليست كل مصالحة قادرة على إعادة بناء الثقة من جذورها.
الفرق في حالة السقيلبية وقلعة المضيق أن المعطيات المنشورة لا توحي باتفاق إكراهي واسع أو بتسوية مفروضة تحت ضغط السلاح، بل بمعالجة نزاع أهلي محلي جرت برعاية اجتماعية وإدارية. ومع ذلك تبقى الحدود قائمة. الصلح المحلي يستطيع أن يوقف حادثة، وأن يخفف الاحتقان، وأن يفتح باباً للثقة. لكنه لا يستطيع وحده أن يعالج هشاشة مؤسسات العدالة، ولا ضعف الخدمات، ولا قابلية الإشكالات الفردية للتحول سريعاً إلى اصطفافات أوسع إذا بقيت الشروط التي تنتجها على حالها.
لهذا لا يقاس نجاح الصك بعدد الصور التي التقطت يوم التوقيع، ولا بحجم الارتياح المباشر الذي يرافق إعلان التسوية. النجاح يقاس لاحقاً، حين يظهر هل مُنعت الحادثة التالية فعلاً، وهل تحولت اللجان والوجهاء من أدوات إسعاف سريع إلى أدوات متابعة دائمة، وهل بقيت قنوات الكلام مفتوحة بعد انفضاض الجلسة.
من الصلح إلى الثقة
هناك عنصر آخر يفرض نفسه هنا، وهو البيئة التي يعيش فيها الاتفاق. دراسة منشورة في منصة كالم التابعة لتشاتام هاوس حول لجان الحوكمة المحلية في مناطق سورية “مصالحة” تقول إن نجاح المبادرات المحلية ارتبط بثلاثة عوامل، وجود ضمانات أمنية، وقدرة المجتمع على التنظيم، وفشل الدولة في توفير الخدمات الأساسية بما دفع المجتمعات إلى سد الفجوات بنفسها. وتشير الدراسة أيضاً إلى أن الثقة والمعرفة المتبادلة عنصران أساسيان لتنظيم أي جهد محلي، وأن تمزق النسيج الاجتماعي قد يمنع مثل هذه المبادرات حتى لو كانت الحاجة إليها شديدة.
هذه الملاحظة تنطبق مباشرة على السقيلبية وقلعة المضيق. فالمدينتان ليستا نقطتين معزولتين على الخريطة، بل بينهما جغرافيا يومية ومصالح خدمية واقتصادية وإنسانية. وحين تكون المنطقة كلها في طور إعادة تأهيل مرافقها الأساسية، من المركز الصحي إلى المدارس إلى الصوامع، فإن أي اتفاق ينجح في تثبيت قدر من الثقة يشارك، بصورة غير مباشرة لكن فعلية، في حماية بيئة استعادة الخدمات نفسها. ليس لأنه يصلح منشأة أو يرمم مدرسة، بل لأنه يمنع مناخاً يبدد ما يُعاد بناؤه.
ولهذا لا ينفصل السلم الأهلي عن الخدمات الأساسية والإدارة المحلية. منظمة اليونيسف تضع بناء السلام والتماسك الاجتماعي ضمن معالجة الجذور التي تدفع المجتمعات نحو الهشاشة والعنف، لا ضمن الاستجابة الطارئة فقط. والمعنى العملي لذلك بسيط. إذا لم يشعر الناس بأن التهدئة تقلل الخسائر، وتحمي التعليم، وتؤمن الحركة، وتحفظ الأعمال الصغيرة، فإن الاتفاق يبقى فوق المجتمع لا داخله.
هل تكفي الاتفاقات المحلية
الجواب الأقرب إلى الدقة هو أنها لا تكفي، لكنها ضرورية. لا تكفي لأن السلم الأهلي في سوريا ليس مسألة نزاعات موضعية فقط، بل يرتبط أيضاً بالعدالة والتمثيل وصورة الدولة والخدمات والاقتصاد العام. لكنها ضرورية لأن أي حديث وطني عن السلم يفقد معناه إذا عجز عن الظهور في الاختبارات الصغيرة، حيث يحتك الناس ببعضهم بعضاً في الشارع والمدرسة والسوق والمؤسسات.
ما جرى بين السقيلبية وقلعة المضيق يفتح نافذة واقعية على هذا المعنى. اتفاق محلي محدد البنود، جاء بعد حادثة فعلية، واستند إلى وجهاء ولجان وإدارة منطقة، وربط الصلح بجبر الضرر لا بالتغاضي عنه. هذا بحد ذاته تطور مهم. لكنه يبقى بداية لا خاتمة. فإذا نُفذت البنود بدقة، وثُبتت قنوات تواصل دائمة، وترافقت التهدئة مع تحسن محسوس في الخدمات وحضور أكثر انتظاماً للمؤسسات، يمكن أن يصبح الاتفاق نموذجاً محلياً مفيداً. أما إذا توقف الأمر عند الصك والخطاب والرمزية، فسيبقى أثره محدوداً، وسيعود السلم الأهلي إلى كونه عنواناً كبيراً معلّقاً فوق وقائع صغيرة لم تُحل بعد.
لهذا، قد يكون السؤال الأدق ليس هل يعود السلم الأهلي من بوابة الاتفاقات المحلية، بل ماذا تحتاج الاتفاقات المحلية كي لا تبقى محلية فقط. هنا يبدأ الامتحان الحقيقي.
اقرأ أيضاً: استقرار سوريا: بين العدالة الانتقالية الجنائية والعدالة الاجتماعية.. أيهما المرساة؟