روايات

ربط المصرف المركزي السوري بالتركي: من الرابح والخاسر في هذا القرار؟

ربط المصرف المركزي السوري بالتركي: من الرابح والخاسر في هذا القرار؟

بقلم هلا يوسف

تبحث الحكومة السورية عن منفذ اقتصادي تستطيع من خلاله الانفتاح على العالم وفي الوقت نفسه تلبية احتياجات السوق المحلية، وهنا تظهر أنقرة كأبرز وجهة لسوريا في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق، خصوصاً وأنها الراعي الرسمي للحكومة الوليدة، والداعم الأكبر لها بحسب ما أشارت له عدة تقارير صحفية. ومع الخطوة الأخيرة التي أعلن عنها حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية حول إنشاء حساب مصرفي مراسل مع البنك المركزي التركي، وما يرافقه من إجراءات أخرى، تبرز تساؤلات عميقة تتجاوز فكرة التبادل التجاري والاتفاقيات الاقتصادية، وهي: هل نحن أمام مرحلة شراكة اقتصادية متوازنة بين بلدين جارين يحاولان تجاوز سنوات من العقوبات والقطيعة؟ أم أن التفاوت الاقتصادي بين الطرفين سيجعل من هذا الانفتاح طريق لتوسع طرف على حساب الآخر؟

تبدو التحركات الأخيرة التي أعلن عنها حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية، خطوة لافتة في مسار إعادة وصل ما انقطع، إذ أكد أن بلاده بلغت المراحل النهائية من بحث إنشاء حساب مصرفي مراسل مع البنك المركزي التركي، إلى جانب مناقشة آلية محتملة لتبادل العملات بهدف تنشيط التجارة. وتأتي هذه التصريحات في وقت يشهد فيه التعاون بين الجانبين انتقالاً تدريجياً من التنسيق العام إلى إطار أكثر تنظيماً، خصوصاً في ما يتعلق بأنظمة الدفع والتسويات المالية وتمويل التجارة.

وخلال زيارة عمل إلى تركيا، أشار الحصرية إلى أن مستوى التنسيق يتسارع بشكل ملحوظ، لافتاً إلى أن التعاون لم يعد يقتصر على المبادرات العامة، بل بات يتجه نحو بناء هياكل مالية أكثر وضوحاً وتنظيماً.

ورغم هذا التطور، ما تزال البيئة التجارية بين البلدين تعاني من اختناقات واضحة، إذ تعتمد أغلب العمليات حالياً على النقد أو مكاتب التحويل التقليدية، في ظل غياب نظام مصرفي عابر للحدود، وهو ما ينعكس مباشرة على كلفة التجارة وسرعة تدفقها ويحد من توسع الاستثمارات.

الانعكاسات الإيجابية للقرار

يرى متعاملون في السوق أن إنشاء حسابات مراسلة مصرفية يمكن أن يشكل نقطة تحول فعلية، لأنه يتيح تسويات أكثر أماناً وشفافية، ويمهد تدريجياً للانتقال من اقتصاد نقدي هش إلى منظومة مالية أكثر استقراراً وتنظيماً.

وفي السياق ذاته، تبرز توقعات بدخول بنوك تركية إلى السوق السورية في المرحلة المقبلة، وفي مقدمتها بنك زراعات الحكومي وبنك أكتيف الخاص، مما قد يسهم في توسيع البنية المصرفية المحلية وتعزيز أدوات التمويل المتاحة. ويُعد بنك زراعات أحد أكبر البنوك الحكومية في تركيا بخبرة طويلة وانتشار واسع، بينما يتميز بنك أكتيف بنشاطه في الخدمات المصرفية المتنوعة داخل السوق التركية.

على مستوى التجارة، تكشف البيانات الرسمية عن ارتفاع واضح في الصادرات التركية إلى سوريا خلال الفترة الأخيرة، مع نمو ملحوظ في قطاعات الحبوب والمواد الغذائية والصناعات الكيميائية والإلكترونيات، وهو ما تعتبره أوساط اقتصادية مؤشراً على تحول العلاقة التجارية نحو مزيد من التنظيم والاتساع. كما تشير التقديرات إلى أن حجم التبادل التجاري مرشح للارتفاع بشكل أكبر خلال السنوات المقبلة، في حال استمر تطوير البنية المالية والمصرفية الداعمة لهذا المسار.

وفي الوقت نفسه تعمل جهات رسمية من الجانبين على تعزيز الربط المباشر بين المصدرين، وإزالة العقبات الفنية واللوجستية التي تعيق تدفق السلع، مع الدفع نحو شراكات مؤسسية أكثر استدامة بعيداً عن المبادرات الفردية، بما يعيد تشكيل العلاقة التجارية بطريقة منظمة بشكل أكبر.

سلبيات القرار على الإنتاج السوري

يتملك السوق المحلية خوفٌ متزايد من تحول سوريا لحديقة خلفية للاقتصاد التركي، وذلك في ظل تراجع الإنتاج الوطني، وفرض قيود ورسوم جمركية كبيرة عليه، تدفعه بالإجبار إلى رفع أسعاره مقارنة بالبضائع التركية المستوردة. وهنا يظهر قرار ربط المركزي السوري بالمركزي التركي كخطوة إضافية للقضاء على الإنتاج المحلي السوري.

يرى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم قوشجي أن ارتفاع الصادرات التركية إلى السوق السورية لا يمكن اعتباره مجرد تطور تجاري طبيعي، بل يعكس تحولاً هيكلياً في بنية الاقتصاد السوري، الذي أصبح يعتمد بشكل واسع على الاستيراد لتأمين احتياجاته، من المواد الأولية إلى المعدات وقطع الغيار وحتى البرمجيات.

ويشير إلى أن وفرة السلع التركية في الأسواق السورية، من الأغذية والمواد التموينية إلى الألبسة والمنتجات الصناعية، خلقت ضغطاً مباشراً على المنتج المحلي، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف الدعم، مما يهدد استمرارية عدد من المنشآت الصغيرة والمتوسطة.

ويضيف أن هذا الواقع يفرض على المنتج المحلي نوعاً من “الاعتماد المزدوج”، إذ يجد نفسه مضطراً لمنافسة السلع المستوردة من جهة، والاعتماد على مستوردات خارجية لتأمين مدخلاته من جهة أخرى، وهذا ما يجعله أكثر هشاشة أمام تقلبات الأسعار والسياسات التجارية.

أما الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الرحمن المحمد، فيربط مستقبل هذا الانفتاح بقدرة النظام المصرفي المركزي السوري على العمل بكفاءة وشفافية مع البنوك التركية. ويحذر من أن استمرار ضعف القنوات المالية الرسمية سيُبقي جزءاً كبيراً من التبادل التجاري خارج الإطار المنظم، مما يرفع من المخاطر ويزيد الضغوط التضخمية. ويؤكد أن أي توسع في الصادرات السورية لن يكون ممكناً دون تحسين الإنتاجية وخفض تكاليف التمويل وتحديث البنية المصرفية، مع ضرورة مراعاة القيود الدولية المفروضة على القطاع المالي السوري.

ومن زاوية أكثر تشدداً، يرى الخبير الاقتصادي ومستشار وزارة الاقتصاد والصناعة جورج خزام أن فتح الأسواق أمام المستوردات التركية منخفضة التكلفة دون حماية كافية للإنتاج المحلي يؤدي إلى إضعاف الثقة بالسياسات الاقتصادية، ويخلق حالة من الإغراق السلعي تنعكس سلباً على الصناعة الوطنية. ويشير إلى أن أي بيئة يكون فيها الاستيراد أرخص من التصنيع المحلي لن تكون قادرة على جذب استثمارات إنتاجية حقيقية، مما يؤدي إلى تراجع المصانع وارتفاع البطالة وزيادة الطلب على الدولار.

من الرابح والخاسر في هذه المعادلة

لربما من أكثر الأسئلة طرحاً هو من الرابح والخاسر في هذه الخطوة، خصوصاً في ظل التقارب المتزايد بين الاقتصادين التركي والسوري. ويمكن فهم هذه الخطوة بطريقة واقعية عبر النظر إلى الفوائد التي يربحها الطرفين ومقارنتها ببعضها.

فمن جهة تركيا، تبدو الصورة واضحة بشكل أكبر من حيث المكاسب. فبحكم قوة الاقتصاد الصناعي التركي مقارنة بالسوق السورية، تحصل الشركات التركية على منفذ جديد وقريب لتصريف منتجاتها، مما يعني توسعاً مباشراً في الصادرات. ومع وجود تسهيلات في التحويلات المالية وربط مصرفي منظم بشكل أكبر، تنخفض كلفة التعامل التجاري، وبالتالي ترتفع قدرة السلع التركية على المنافسة داخل السوق السورية.

والجدير بالذكر أن هذا الربط المالي لا يقتصر على التجارة فقط، بل يمتد تدريجياً ليخلق نوعاً من النفوذ غير المباشر، حيث تصبح حركة السلع والتمويل أكثر ارتباطاً بالمنظومة المالية التركية، وهو ما يصفه بعض الاقتصاديين بأنه “قوة نفوذ عبر البنية المالية”، أي أن التأثير لا يكون سياسياً أو عسكرياً مباشراً، بل عبر التحكم في مسارات التجارة والتمويل.

كما تستفيد قطاعات كاملة داخل تركيا من هذا الانفتاح، مثل البنوك، وشركات الشحن، والوسطاء التجاريين، إذ ترتفع حركة التحويلات والعمليات اللوجستية بشكل عام، مما ينعكس على نشاط هذه القطاعات بشكل واضح.

أما بالنسبة لسوريا فتبدو المكاسب أقرب إلى الجانب القصير المدى. ففتح قنوات مالية وتنظيم عمليات الدفع يسهل دخول السلع، ويجعل الاستيراد أقل كلفة وأسرع، كما يخفف جزئياً من الاعتماد على السوق السوداء والتحويلات غير الرسمية، مما ينعكس على تحسن توفر المواد الأساسية في الأسواق.

كما أن هذا الانفتاح يساهم نسبياً في تخفيف العزلة المالية التي عاشتها سوريا خلال السنوات الماضية، من خلال تسهيل التحويلات التجارية وتدفق الأموال المرتبطة بالتبادل الاقتصادي.

لكن في الجانب الآخر، تظهر مجموعة من التحديات المهمة. فزيادة الانفتاح التجاري تعني عملياً ارتفاع حجم الاستيراد مقارنة بالصادرات، ما يؤدي إلى اتساع العجز التجاري وخروج عملة صعبة أكبر مما يدخل إلى البلاد. كما أن تسهيل القنوات المالية قد يسرع الاستيراد أكثر من قدرته على دعم الإنتاج المحلي.

ومع مرور الوقت، تصبح سلاسل التوريد أكثر اعتماداً على الخارج، خصوصاً على السلع والمواد القادمة من تركيا، سواء كانت مواد أولية أو منتجات جاهزة، وهو ما يضعف تدريجياً استقلال القرار الاقتصادي المحلي.

باختصار، العلاقات التجارية بين سوريا وتركيا لا تبدو أنها متوازنة، أو حتى قائمة على طريقة عادلة. ففي الوقت الذي تتوسع فيه حجم التجارة التركية داخل سوريا على حساب المنتج الوطني، تلجأ الحكومة السورية إلى الحلول السريعة وقصيرة المدى غير المبنية على أساس وجود إنتاج وطني قادر أن يفي باحتياجات السوق المحلية من جهة، وفتح أسواق له في تركيا. وهذا ما يجعل سوريا مرتهنة اقتصادياً، وربما سياسياً في قادم الأيام لتركيا.

اقرأ أيضاً: ازدياد الصادرات التركية إلى سوريا.. إخلال بالميزان التجاري وتدمير للمنتج المحلي

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.