بقلم هلا يوسف
ضاقت السبل بمعلمي الشمال حتى وصلوا إلى خيار الإضراب المستمر منذ أربعة أيام، بعد أشهرٍ من الوعود الحكومية بالاستجابة لمطالبهم، وسط ضغوط معيشية خانقة تفاقمت إثر استثنائهم من الزيادة الأخيرة في الرواتب.
وتحت شعار “إضراب الكرامة”، عبّر المعلمون في مناطق الشمال عن غضبهم إزاء ما وصفوه بتجاهل الوزارة المستمر لمطالبهم، في ظل الارتفاع الكبير في أسعار المواد الغذائية وتدني الأجور. وأكد المعلمون في بيان لهم أنهم ليسوا ضد الدولة، بل يقفون معها قلباً وقالباً، مشددين على أن مطالبهم بالحصول على حياة كريمة ولو بالحد الأدنى هي مطالب عادلة ومشروعة.
ومع استمرار الإضراب لليوم الرابع، أثار مقطع فيديو واحد موجةً واسعة من التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث ظهر أحد معلمي الشمال في ندوة قائلاً: “لو باع المسؤولون إحدى سياراتهم الفاخرة، لتمكنوا من تلبية مطالبنا بكل سهولة”.
وفي مدينة منبج، ورغم عدم مشاركتها في الإضراب، إلا أن المعلومات تشير إلى أن معلميها لم يتقاضوا رواتبهم الصيفية سوى مرة واحدة.
يقول علاء الداني وهو معلم اللغة العربية في ريف إدلب الشمالي، إن المعلمين يعيشون ظروفاً معيشية قاسية تجعل استمرار العملية التعليمية أمراً بالغ الصعوبة، مشيراً إلى أن راتب المعلم لا يتجاوز 100 دولار، وهو مبلغ لا يكفي حتى لتغطية إيجار المنزل والمصاريف اليومية التي تضاعفت في الأشهر الأخيرة.
ويضيف الداني أن الكثير من المعلمين اضطروا للعمل في مهن إضافية بعد الدوام أو خلال العطل الأسبوعية، بينما ترك آخرون مهنة التعليم تماماً بحثاً عن مصدر رزق آخر. وأوضح أن الإضراب ليس هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة للفت نظر الحكومة والجهات المعنية إلى ضرورة إيجاد حلول عاجلة لأوضاع المعلمين الصعبة في الشمال.
بينما أكد مصطفى أبو صلاح معلم مشارك في حملة الإضراب بمدينة مارع شمالي حلب، أن الراتب الحالي للمعلم لا يكفي لتغطية حتى إيجار منزل متواضع. وأضاف أن متوسط أجر المعلم الشهري في ريف إدلب يتراوح بين 115 و130 دولار، بينما لا يتجاوز 94 دولار في ريف حلب الشمالي.
وأشار أبو صلاح إلى وجود فروقات كبيرة بين رواتب المعلمين ورواتب موظفي القطاعات الأخرى، مثل وزارة الدفاع والإعلام، التي تتراوح بين 350 و1300 دولار شهرياً، مؤكداً أن هذا يعكس فجوة ضخمة في الدعم المالي للكوادر التعليمية ويزيد من صعوبة استمرار المعلمين في ممارسة مهنتهم تحت هذه الظروف الصعبة.
من جانبها قالت ياسمين هاشم البحري، مديرة مدرسة الشافعي في الأتارب، إن المعلمين لا يطالبون سوى بحقوقهم الأساسية وتوفير المستلزمات التعليمية، مشيرة إلى أنه بعد نحو شهر من انطلاق العام الدراسي لا تزال المدارس تفتقر إلى الكتب، حيث تم توزيع نسخة واحدة لكل ثلاثة طلاب بسبب النقص الكبير.
أما نديم أكر مدير مجمع سمعان الغربية، فأوضح أنه تم الاستماع إلى مطالب المعلمين المحقة، وأضاف أن الإدارة ذكّرتهم بتصريحات وزير المالية التي تحدث فيها عن تحسينات مرتقبة مع بداية العام الجديد.
مطالب أساسية للمضربين
أوضح قاسم عكوش أحد منظمي الإضراب في ريف حلب الغربي، أن التحرك شمل جميع مدارس ريفي حلب الغربي والشمالي، إضافة إلى أكثر من 90% من مدارس إدلب، ولا سيما في ريفها الشمالي، بما في ذلك مدارس المخيمات والمدارس الثانوية والابتدائية وبعض المدارس التابعة لبرامج جيل التمكين وبراعم سوريا. وبحسب عكوش بلغ عدد المدارس المشاركة في الإضراب خلال يومه الثالث نحو 252 مدرسة.
وأشار إلى أن المعلمين حددوا ثلاثة مطالب رئيسية تتمثل في:
- تحسين الوضع المعيشي لجميع العاملين في قطاع التربية، بما يضمن تغطية احتياجاتهم اليومية واحتياجات أسرهم.
- تطوير الوضع الوظيفي للمعلمين، من حيث التثبيت والترقيات وضمان الحقوق القانونية.
- معالجة النقص في الخدمات المدرسية، وخاصة تأمين الكتب الدراسية التي لم تصل بعد، وتحسين مستلزمات المدارس من أدوات قرطاسية وصيانة ومعدات تعليمية تتيح سير العملية التعليمية بشكل طبيعي.
نقابة المعلمين الأحرار تشرح الوضع
أكد خالد أسد الموسى عضو نقابة المعلمين الأحرار في شمالي سوريا وأحد منظمي الاحتجاجات، أن النقابة قامت بتشكيل وفد للتواصل مع وزارة التربية في نهاية شهر آب الماضي، حيث تم وعدهم بتنفيذ مطالبهم بداية أيلول، ثم تم تأجيلها إلى بداية تشرين الأول، وبعدها إلى بداية تشرين الثاني، دون أي إجراءات عملية ملموسة. كما اجتمعت النقابة أيضاً مع محافظ حلب عزام الغريب ونائبه، ومدير التربية ومدير منطقة اعزاز، إلا أن كل اللقاءات اقتصرت على وعود شفوية لم تنفذ، مما دفع النقابة إلى تصعيد خطواتها الاحتجاجية.
وأكد الموسى أن الإضراب سيستمر حالياً لمدة أسبوع، مع إمكانية تنظيم وقفة احتجاجية أمام مديرية التربية في حلب الخميس المقبل إذا وافق المعلمون على المشاركة. كما سيتم تنظيم وقفات مركزية أكبر خلال الأيام المقبلة، على أن تحدد الخطوات التصعيدية التالية بحسب الاستجابة.
المطالب مختلفة بحسب المناطق
قال نقيب المعلمين الأحرار محمد صباح أحمد حميدي إن الحراك التعليمي مستمر في كل مناطق الشمال السوري، لكنه لا يزال مجزأ بين ريف حلب الشمالي والغربي وإدلب.
وعلى الرغم من توافق المطالب بين جميع المحتجين، إلا أن هناك مطالب معينة تمثل أولوية لكل منطقة، فمثلاً معلمو ريف حلب الشمالي يركزون على التثبيت الوظيفي والنقل الخارجي، مما يعكس اختلاف أولويات كل منطقة وفقاً لاحتياجاتها الميدانية.
ووصف حميدي الإضراب الحالي بأنه ثورة حقيقية لأنه جاء بشكل مفاجئ وغير مخطط له، كما جاء تعبيراً عن الغضب والإحباط المتراكم لدى المعلمين نتيجة الظروف المعيشية الصعبة وتأخر تلبية المطالب المشروعة. وأكد أن النقابة ملتزمة بدعم المعلمين والدفاع عن حقوقهم المشروعة.
ما رأي الجهات المعنية؟
أكد مسؤول في وزارة التربية والتعليم، رفض ذكر اسمه لكونه غير مخول بالتصريح للإعلام، أن عملية تثبيت المعلمين في الشمال السوري ستتم وفق تصنيف محدد يشمل ثلاث فئات رئيسية:
- المعلمون المفصولون سابقاً: سيتم إعادتهم إلى وظائفهم تلقائياً.
- الخريجون بدون أرقام ذاتية لكن لديهم خبرة فعلية: سيتم منحهم أرقاماً ذاتية وتثبيتهم بسهولة.
- معلمو الثانوية الذين تجاوزت خدمتهم 700 يوم: سيخضعون لمقابلة رمزية تمهيداً لتثبيتهم.
وأشار المسؤول إلى أن الحاصلين على شهادة الثانوية العامة بدون خبرة تدريسية سيخضعون لمقابلات وإجراءات لاحقة، وسيتم تثبيتهم في حال توفّرت الميزانية اللازمة. أما التثبيت العام فهو مرتبط برصد الاعتمادات في السنة المالية الجديدة وموافقة وزارتي المالية والتربية ورئاسة مجلس الوزراء أو الرئيس نفسه.
وأضاف أن هذه الشروط ستطبق حالياً على ريف حلب الشمالي وإدلب، بينما الذين تم تثبيتهم في مناطق أخرى سابقاً سيحتفظون بوضعهم، لعدم وجود مبرر دستوري لإلغاء تثبيتهم.
كما أوضح المصدر أن أي إلغاء لمسابقات سابقة للنظام السابق قد يثير اعتراضات في معظم المحافظات، باستثناء المناطق المحررة شمال البلاد.
وأشار إلى أن المسابقات القادمة ستكون كتابية وشفهية للخريجين فقط، بينما سيتم الاعتماد حالياً على العقود لسد نقص الكوادر، متوقعاً عدم إجراء مسابقة جديدة خلال العام المقبل. أما من لديه خبرة سابقة في تربية حلب أو إدلب وسيستمر في العمل بالشمال، سيتم تثبيته كمعلم صف بناءً على مؤهلاته الثانوية، مع إمكانية تعديل وضعه لاحقاً بعد إنهاء دراسته الجامعية.
الاحتجاجات السابقة
كانت قد شهدت محافظة حلب موجات احتجاجية للمعلمين خلال الأشهر السابقة، امتدت من الريف الشمالي والشرقي إلى وسط المدينة، وكا أبرزها الوقفة التي نظمها المعلمون في 7 أيلول الماضي بساحة سعد الله الجابري، للمطالبة بالتثبيت وصرف المستحقات المالية المتأخرة، بالإضافة إلى المطالبة بإقالة مدير التربية. وحينها استجابت مديرية التربية والتعليم التي أكدت عبر مديرها أنس القاسم أنه تم تجهيز ملفات الرواتب والتثبيت وبدأت عملية فرزها ورفعها إلى الوزارة، مع توقع صرف المستحقات خلال أيام.
مع ذلك ظل ملف الثقة بين المعلمين والجهات الرسمية ضعيفاً بسبب تكرار التصريحات غير الملزمة، وبقي ملف التثبيت وحقوق الكوادر المتضررة منذ سنوات الثورة دون حل ملموس، رغم وعود المدير بحسم القضية مع بداية تشرين الأول.
ودعت الدعوات الأخيرة للتظاهر أمام مديرية التربية ضمن سلسلة احتجاجات نظمها معلمو الشمال السوري، شملت مدن مثل أعزاز وعندان ودارة عزة، حيث رفع المحتجون لافتات اعتبرت التأخير في إجراءات وزارة التربية ومديرية تربية حلب إهانة لتضحياتهم وجهودهم المستمرة.
ومع استمرار الإضراب لمعلمي الشمال تبقى العملية التعليمية متوقفة في المدارس، لذلك تشكل الاستجابة السريعة للمطالب المشروعة ضرورة لإعادة الطلاب والمعلمين إلى مدارسهم.
اقرأ أيضاً: اعتداء الطلاب على المعلمين: عندما تسقط هيبة المعلم كيف ستُبنى الأجيال؟