بيئة

استثمار صالات السورية للتجارة… بين التنافس والخصخصة!

استثمار صالات السورية للتجارة… بين التنافس والخصخصة!

بقلم هلا يوسف

كانت صالات السورية للتجارة منذ زمن ليس ببعيد رمزاً لاستراتيجية حكومة النظام السابق في إدارة موارد أساسية ومفقودة في الأسواق، وعلى الرغم من أن المواطن كان ينتظر ثلاثة أشهر ليحصل على ثلاثة أكياس من السكر أو مثلها من الرز، إلا أنها نوعاً ما وفت بالغرض في وقتها. طبعاً هنا لم نتحدث عن الفساد الذي تغلغل بها، والذي حرم الكثيرين من الاستفادة من مخصصاتهم. لكن مع التحرير سلكت الحكومة السورية طريقاً آخر لاستثمار الصالات في مبادرة منها لتحسين إدارتها بعد تراكم ديون كبيرة عليها وصلت إلى نحو 50 مليار ليرة، وفق تصريح مدير عام المؤسسة عامر قسوم، حيث وجدت أن الحل هو فتحها أمام الاستثمار الخاص. وتشمل خطة إعادة الهيكلة إيقاف الأنشطة الخاسرة والتركيز على استثمار الصالات والمستودعات بطريقة مدروسة، بهدف تأمين إيرادات مباشرة وتحسين جودة الخدمة المقدمة للمواطنين. إلا أن هذه الاستراتيجية فتحت الباب أمام تساؤلات الخصخصة التي أصبحت الكلمة الأكثر تداولاً مع كل خطوة استثمارية تقوم بها الحكومة، لتطرح معها مخاوف الاحتكار، والتي سيكون المتضرر الأول والأخير فيها المواطن.

تمتلك المؤسسة نحو 1280 صالة وأكثر من 150 مستودعاً، ويعمل لديها حوالي 4500 موظف، مع أسطول توزيع متكامل بالتعاون مع المؤسسة السورية للحبوب. كما تعمل على تطوير شبكة صالات موحدة تضم 440 صالة، بهوية ونظام بيع واحد، لتسهيل وصول المواطنين إلى السلع بأسعار تنافسية، مع الحفاظ على إمكانية التدخل الحكومي لضبط الأسواق عند الحاجة.

ومع أعداد الصالات السابقة المنتشرة في المحافظات، أصبح الحديث عن ميزان الإيجابيات والسلبيات للخطوة هو محور حديث المحللين الاقتصاديين. إذ أشار بعضهم إلى أن الاستثمار يمثل فرصة لتنشيط الأداء وتحقيق إيرادات، بما يخفف من العبء المالي المتراكم على المؤسسة. ويشير محمد الحلاق نائب رئيس غرفة تجارة دمشق السابق، إلى أن البيئة التنافسية والقانونية السليمة تتيح للنشاط الاقتصادي الاستمرار بشكل أفضل من الدعم التقليدي لذوي الدخل المحدود، الذي كان في السابق ذريعة للفساد واستغلال الموارد، حيث كان يتيح لممارسات غير قانونية التأثير على التوزيع والبيع والشراء داخل المؤسسة.

بينما يحذر المحلل الاقتصادي حسام عايش من المخاطر المحتملة لتأجير الصالات بالكامل للقطاع الخاص، مؤكداً أن المخزونات الاستراتيجية يجب أن تبقى تحت إدارة الحكومة لضمان الأمن الغذائي والصناعي والزراعي. ويشير إلى أن التجارب الدولية تثبت أن الاحتفاظ بالسيطرة على المخزونات الاستراتيجية يمنح الدولة القدرة على مواجهة الأزمات وضبط الأسعار في أوقات التوتر أو نقص الإمدادات، بينما يركز القطاع الخاص بشكل رئيسي على الربح، مما قد يهدد استقرار السوق.

ويضيف عايش أن تطوير الصالات لا يقتصر على تأجيرها، بل يتطلب تحديث البنية التحتية والتقنيات، وتدريب الكوادر، لضمان أن تظل الحصة الأكبر للحكومة بما يخدم المواطنين ويؤمن السلع الأساسية في أوقات الأزمات. ويشدد على ضرورة رقابة صارمة على الأسعار ضمن أي عقود استثمار، مع دراسة تجارب دول أخرى قبل اتخاذ أي قرارات نهائية.

يفتح الكلام السابق الباب للاطلاع على تجارب دول طبقت نفس النظام على مؤسساتها الاستهلاكية، وحققت بعض الفوائد بينما واجهت سلبيات أخرى، وهنا سنتطلع على تجربة الكويت في هذا الأمر.

تجربة الكويت.. نموذج للتحول من القطاع العام إلى الخاص

بدأت تجربة الكويت مع الجمعيات التعاونية الاستهلاكية، وبالأخص جمعية الدسمة، كحالة نموذجية لتحويل النشاط الاستهلاكي من القطاع العام إلى القطاع الخاص. ففي عام 2016 قامت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بطرح السوق المركزي التابع للجمعية للاستثمار من قبل القطاع الخاص، دون أن تمنح الوقت الكافي لإشراك جميع المساهمين أو تنظيم جمعية عمومية تناقش القرار بشكل واسع.

وهنا تم النظر إلى هذا التحول على أنه محاولة لتفعيل النشاط الاقتصادي وتحقيق عوائد مالية أكبر من خلال إشراك المستثمرين الخاصين. فمن منظور الإدارة الحديثة، قد يؤدي استثمار الأسواق المركزية إلى تحسين كفاءة التشغيل، وتعزيز المنافسة، وتجديد البنية التحتية، في حال ترافق مع شروط واضحة تحافظ على مصالح المستهلكين وتضمن شفافية العمل.

لكن التجربة الكويتية كشفت عن عدة تحديات جوهرية منها ضعف مشاركة المساهمين، إذ تم تمرير القرار بموافقة 56 مساهماً فقط من أصل أكثر من خمسة آلاف، أي أقل من 1%، مما يعكس غياب الشرعية الشعبية لاتخاذ قرارات مصيرية. وهنا تجدر الإشارة إلى أنه في سوريا لا يوجد مساهمين إذ تعود ملكية الصالات بكاملها للدولة.

كما تراجع دور الجمعيات التعاونية، فقد كان الهدف الاجتماعي للجمعيات التعاونية توفير خدمات بأسعار مناسبة، بينما منح القطاع الخاص السيطرة على السوق المركزي قلل من هذه المهمة وفتح الباب للربحية المباشرة، وفتح الباب لمخاطر الاحتكار والفساد، فالمستثمر الخاص يركز على الربح، مما قد يؤدي إلى رفع الأسعار وتقليل جودة السلع، بينما تقل قدرة الحكومة على الرقابة بعد تحويل النشاط إلى القطاع الخاص.

كما أظهرت التجربة أنه تم استغلال الفشل الإداري كذريعة للخصخصة، فقد أدى إهمال الإدارة السابقة أو عدم القدرة على الرقابة إلى تسريع عملية خصخصة المؤسسات، مما عرضها لمخاطر اقتصادية واجتماعية كبيرة.

بهذا الشكل، توضح تجربة الكويت أهمية الحذر عند فتح الأسواق الاستهلاكية أمام القطاع الخاص، خصوصاً في مؤسسات تمثل موارد استراتيجية للمجتمع. فهي تقدم دروساً مهمة لسوريا، حيث يُظهر أن الاستثمار الخاص يمكن أن يعزز الكفاءة المالية، لكنه يجب أن يرافقه ضوابط صارمة لضمان أن تبقى المصالح الاستراتيجية للدولة والمستهلكين محمية.

يمكن القول أن نجاح الحكومة في هذه الخطوة محكوم بقدرتها على صياغة العقود وشروط الاستثمار بدقة، مع ضمان رقابة صارمة على الأسعار، والحفاظ على دور الحكومة في إدارة المخزونات الاستراتيجية. وفي حال فشلها في ذلك فقد تؤثر هذه الخطوة على قدرة الدولة في مواجهة الأزمات وضمان استقرار الأسعار، كما تشير تجارب دول أخرى مثل الكويت.

اقرأ أيضاً: مسيرة السورية للتجارة من الدعم الاجتماعي إلى استثمار صالاتها

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.