الكاتب: أحمد علي
لا يحتاج السوري اليوم إلى تقارير رسمية ليشعر أن فاتورة هاتفه صارت عبئاً شهرياً ثقيلاً، يكفي أن يفتح بيانات استهلاكه أو يقرأ موجة الغضب على وسائل التواصل بعد الزيادات الأخيرة في أسعار باقات الإنترنت، حتى يدرك أن شيئاً ما لا يناسب دخله ولا واقعه.. في ذروة هذا الغضب خرج بيان وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات ليدافع عن القرار، ويؤكد أن الزيادات تمت وفق أسس “منطقية”، ثم يطلق الجملة التي يجب أن يتوقف عندها كل قارئ: «سيريتل وMTN شركتان خاصتان مستقلتان مالياً وإدارياً وتتحملان تكاليف تشغيلية فعلية».
هذه الجملة بالذات هي التي جعلت كثيرين يشعرون أن الوزارة “تستهبل” على الناس وفق تعبير البعض؛ فالشركتان اللتان ارتبط اسماهما لسنوات برامي مخلوف وشبكات الفساد والامتيازات، صارتا فجأة في الخطاب الرسمي شركات خاصة بريئة تعمل في سوق تنافسية، وكأن الأمر مجرد مستثمرين جدد قدموا أمس إلى البلد.
هنا يصبح السؤال المشروع الذي ينبغي طرحه: كيف تعمل سيريتل وMTN اليوم فعلاً، وهل يمكن اعتبار شركات الاتصالات في سوريا مستقلة عن الحكومة من جهة، وعن شبكات المصالح القديمة والجديدة من جهة أخرى؟
حقيقة شركات الاتصالات في سوريا
لفهم الصورة كما هي، لا بد من تذكير سريع ببنية القطاع، فلسنوات طويلة سيطر مشغلان فقط على سوق الهاتف الخليوي: سيريتل وMTN سوريا، وهما من الناحية القانونية شركتان خاصتان مرخّصتان، تقدمان خدمات الهاتف والإنترنت الخلوي في أنحاء البلاد. لاحقاً أُضيف مشغّل ثالث هو “وفا تليكوم”، حصل على الترخيص عام 2022 مع حديث واسع عن استثمارات مرتبطة برجال أعمال مقرّبين من السلطة حينها وشركاء إقليميين مثيرين للجدل في سوريا اليوم، لكن الحديث عن هذا الآخر توقف دون أي معلومات واضحة ما بعد سقوط سلطة الأسد.
منذ البداية مُنحت هذه الشركات عقود “بناء وتشغيل ونقل” -أي عقود BOT في مصطلحات الاقتصاد- مع الدولة لمدة خمس عشرة سنة، مقابل تقاسم واضح للإيرادات. والمصادر تشير إلى أن العقود نصّت على أن تحصل الدولة في السنوات الأولى على نحو ثلاثين في المئة من الإيرادات، ترتفع لاحقاً إلى أربعين ثم خمسين في المئة مع تمديد العقد.
وفي العام 2015 أنهت سلطة الأسد عقود BOT وجرى تحويل سيرتيل بشكل كامل إلى شركة خاصة في مخالفة صريحة للعقود التي تقضي بأن تتحول الشركات إلى قطاع عام، أي أن تعود ملكيتها للدولة، اما بالنسبة لـ MTN، فوثائق المستثمرين تشير إلى أن ترخيص التشغيل الجديد بدأ في 1 كانون الثاني 2015، كترخيص لمدة 20 سنة على أساس تقاسم الإيرادات.
من رامي مخلوف إلى اليوم
قصة سيريتل معروفة تقريباً لكل سوري، الشركة وُلدت مع صعود رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد، الذي تحول إلى رمز للثراء المرتبط بالسلطة، وسيطر لسنوات على جزء ضخم من الاقتصاد السوري عبر شبكة من الشركات والمصالح.
وسيريتل إحدى أعمدة هذه الإمبراطورية الاقتصادية، ولعبت دور “الخزنة” التي تدخل منها أموال هائلة للنظام، ولهذا السبب خضعت سيريتل لعقوبات أوروبية وأمريكية منذ بدايات الثورة، باعتبارها جزءاً من ماكينة السلطة المالية.
في عام 2020، انفجر الخلاف إلى العلن بين مخلوف وبقية أفراد السلطة، وانتهى الأمر بوضع سيريتل تحت “الحراسة القضائية” ومصادرة عمليّة للقرار داخل الشركة. لم يحصل السوريون مع ذلك على شرح شفاف: من يملك سيريتل اليوم؟ من يوقّع فعلياً على العقود والحوالات؟
تحقيقات صحفية دولية حديثة تشير إلى أن السيطرة الفعلية انتقلت إلى لجنة اقتصادية مرتبطة بالحكومة الجديدة في دمشق، تولت إعادة توزيع أصول “الإمبراطورية القديمة”، وأن سيريتل أدرجت ضمن هذه الأصول التي أعيدت هيكلتها بعيداً عن الواجهة التقليدية لعائلة مخلوف.
أما MTN سوريا فقصتها مختلفة في الشكل، لكنها قريبة في الجوهر، فالشركة بدأت تحت اسم “أريبا” ضمن مجموعة إنفستكوم اللبنانية، ثم انتقلت ملكيتها إلى مجموعة MTN الجنوب أفريقية، قبل أن تقرر المجموعة الأم عام 2020 الانسحاب من السوق السورية تحت ضغط العقوبات والنزاع مع السلطات التنظيمية.
تم بيع حصتها إلى شركة “تيلي إنفست” المملوكة لمستثمرين إقليميين، ليصبح المشغل “محلياً” أكثر في الشكل، بينما بقيت تفاصيل الملكية الفعلية وعلاقاتها بالسلطة خارج متناول الرأي العام.
إذاً، بين سيريتل الخارجة من عباءة مخلوف رسمياً، وMTN التي غادرتها المجموعة الأجنبية الكبرى، أصبحت شركات الاتصالات في سوريا جزءاً من خريطة اقتصادية جديدة، لكن جوهرها لا يزال قائماً: شركات خاصة على الورق، مرتبطة في العمق بمراكز القوة السياسية والأمنية.
غموض عقود التشغيل الحالي
عندما تقول الوزارة إن الشركتين “خاصتان مستقلتان مالياً وإدارياً” فهي من المفترض أنها تستند إلى وضع قانوني حقيقي، أي عقود ترخيص، سجلات تجارية، مجالس إدارة، وبيانات مالية. لكن ما لا تقوله هو أن هذه الشركات تعمل وفق عقود تقاسم إيرادات تمنح الدولة حصة ثابتة ومهمة من كل ليرة يدفعها المشترك، وأن الجهة المنظمة نفسها – سواء كانت الوزارة أو الهيئة الناظمة – مرتبطة مالياً بنتائج هذه الشركات.
إضافة إلى ذلك، لا توجد حتى اليوم شفافية كافية حول شروط التعاقد الجديدة، فهل تحولت إلى تراخيص طويلة الأجل مع نسبة أقل للدولة كما طُرح في السابق؟ أم جرى تثبيت نسب مرتفعة من “حصة الخزينة”؟ فالمصادر المتاحة تشير إلى استمرار الدولة في تحصيل أرقام كبيرة من عائدات القطاع، من دون أن يكون هناك نقاش عام حول المقابل الذي يحصل عليه المواطن في جودة الخدمة أو استقرار الأسعار.
اقرأ أيضاً: أين تقف الهيئة الناظمة للاتصالات في سوريا بعد عام على سقوط السلطة؟
ماذا ينتظر المشترك السوري
السؤال الذي طرحته الناس بعد البيان بسيط في جوهره: إذا كانت سيريتل وMTN “خاصتين مستقلتين”، فمن يحاسبهما؟ وإذا كانتا جزءاً من منظومة سابقة من الفساد والامتيازات، فلماذا يطلب منا أن نتعامل معهما كأنهما شركتان عاديتان تخضعان للمنافسة وقواعد السوق؟
الإجابة الجادة تبدأ من الاعتراف بأن شركات الاتصالات في سوريا قطاع استراتيجي عالي الربحية، ظل لعقدين أداة لتمويل السلطة وشبكاتها، ولا يمكن فجأة اعتباره قطاعاً خاصاً شفافاً لمجرد تغيير اسم المالك في السجل التجاري.
ولذلك، فالمطلوب أولاً إعلان واضح عن هيكلية الملكية الحالية لكل شركة، والأطراف الحقيقية التي تستفيد من الأرباح، ثم نشر العقود التي تنظّم العلاقة بينها وبين الدولة، ونسبة حصة الخزينة، ومدد التراخيص وشروط تجديدها.
ثانياً، لا بد من وجود جهة تنظيمية مستقلة فعلاً، ليست شريكاً مالياً ولا منافساً في السوق، تمتلك صلاحية مراجعة قرارات رفع الأسعار، ونشر دراسات التكلفة، وفرض معايير جودة خدمة يمكن للمواطن أن يحتكم إليها، فمن غير المعقول أن يكون الطرف الذي يربح من ارتفاع التعرفة هو نفسه من يبررها ويقدّمها لنا كأمر واقع.
ثالثاً، يحتاج المشترك السوري إلى أدوات بسيطة لقياس ما يحصل عليه مقابل ما يدفعه: سرعة إنترنت حقيقية معلنة، نسبة التغطية في الأرياف لا في المدن فقط، أرقام دقيقة عن الأعطال والشكاوى وطرق معالجتها، فدون هذه البيانات، سيبقى أي حديث عن “استقلالية” الشركات أو عن التكاليف التشغيلية مجرد شعارات في بيان صحفي.
أخيراً، يتكرر على منصات التواصل نداء واضح يطالب بـ“فتح ملفي شركتي الخليوي في سوريا فوراً وكشف المالكين الحقيقيين والمستفيدين الكاملين من هذه الشركات”. وهذه ليست دعوة لتصفية القطاع أو تدميره، بل مطالبة بأن تتحول شركات الاتصالات في سوريا من صندوق مغلق يمول السلطة وأصدقاءها، إلى قطاع خدمة عامة يخضع للمساءلة والشفافية، ويوازن بين حق المستثمر في الربح وحق المواطن في اتصال ميسور التكلفة.
وما لم تجب الوزارة عن هذه الأسئلة بوضوح، فستبدو جملة “شركتان خاصتان مستقلتان” محاولة جديدة لإعادة تدوير قصة قديمة، لا لإقناع جمهور يعرف جيداً كيف تُكتب فواتيره كل شهر.
اقرأ أيضاً: «مو فضائي بس أسعاره فضائية».. عن الإنترنت والباقات والمواطن «الصامد»!