صحة و جمال

التعليم في سوريا: هل بدأ التعافي أم ما زلنا في مرحلة منع الانهيار؟

التعليم في سوريا: هل بدأ التعافي أم ما زلنا في مرحلة منع الانهيار؟

الكاتب: أحمد علي

لا يكفي أن تفتح المدارس أبوابها من جديد كي يقال إن التعليم تعافى. فالعودة إلى الصف، في بلد مثل سوريا، خطوة لازمة، لكنها لا تكفي وحدها لتوصيف المرحلة. لأن المدرسة لا تقاس ببابها المفتوح فقط، بل بعدد من يصل إليها ويبقى فيها، وبحال بنائها، وبقدرة معلميها على الاستمرار، وبمقدار الأمان الذي يشعر به التلميذ داخلها.

من هنا تبدو الصورة السورية مزدوجة على نحو واضح. الخطاب الرسمي يتحدث عن خطط سريعة، وعن سنة دراسية موحدة، وعن مئات المدارس التي أعيد تأهيلها، وعن دعم للمعلمين وتحسين لشروط العمل. وفي الجهة الأخرى، تقول المعطيات الدولية إن أكثر من 2.4 مليون طفل ما يزالون خارج المدرسة، وإن أكثر من مليون آخرين مهددون بالتسرب، وإن آلاف المدارس ما تزال متضررة أو تعمل في بيئات هشة لا تسمح بالحديث المطمئن عن تعافٍ مستقر.

لهذا لا يبدو السؤال بلاغياً ولا مفتعلاً. هل بدأ التعليم في سوريا يستعيد نفسه فعلاً، أم أن كل ما نراه اليوم هو محاولة كبيرة لمنع مزيد من التدهور. القراءة الهادئة لا تذهب إلى جواب حاد. لكنها تميل إلى القول إن ما يجري حتى الآن أقرب إلى تثبيت الأرض تحت النظام التعليمي من أن يكون خروجاً كاملاً من أزمته الطويلة.

التعليم في سوريا بين العودة والخسارة

الرقم الذي يثقل هذا الملف أكثر من غيره هو عدد الأطفال خارج المدرسة. تتحدث تقارير اليونيسف الخاصة بسوريا لعام 2025 عن 2.45 مليون طفل خارج العملية التعليمية، فيما أكدت حملة العودة إلى التعلّم في سبتمبر 2025 أن أكثر من 2.4 مليون طفل ما يزالون خارجها، وأن أكثر من مليون آخرين معرضون لخطر تركها. هذا الرقم لا يسمح بأي استنتاج متسرع عن التعافي، لأنه يعني ببساطة أن الكتلة الكبرى من الانقطاع لم تُستوعب بعد.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن الدولة تحاول أن تقدم مشهداً مختلفاً. وزارة التربية تحدثت في أيار 2025 عن خطة استجابة سريعة ومسار استراتيجي طويل الأمد يشمل الطلاب والمعلمين والبنية التحتية والتحول الرقمي والمناهج والتعليم المهني. كما جرى في سبتمبر من العام نفسه الحديث عن عودة أكثر من 4 ملايين طالب إلى المدارس ضمن عام دراسي موحد على مستوى البلاد.

المشكلة أن الصورتين صحيحتان جزئياً في وقت واحد. نعم، هناك عودة واسعة مقارنة بسنوات الانقسام والتشظي، لكن هذه العودة لا تلغي التسرب ولا تردم فجوة الانقطاع. ولهذا فإن توصيف المرحلة بوصفها نجاح عودة فقط يبدو ناقصاً، تماماً كما أن تصويرها انهياراً كاملاً يتجاهل أن النظام التعليمي ما يزال يعمل ويحاول جمع أطرافه.

المدرسة كخدمة لا كمبنى فقط

لا يمكن الفصل بين التعليم وبين حال المباني المدرسية. اليونيسف تذكر أن أكثر من 7000 مدرسة في سوريا تعرضت للتدمير أو الضرر أو استخدمت لأغراض غير تعليمية. وفي تقارير سابقة تحدثت المنظمة عن أن نحو مدرسة من كل ثلاث مدارس أصيبت بضرر أو خرجت عن وظيفتها، وهو ما يفسر الاكتظاظ والضغط على المدارس العاملة وصعوبة الوصول إلى بيئة تعليمية مستقرة في مناطق كثيرة.

في الجهة المقابلة، تحاول وزارة التربية أن تقدم أرقاماً تقول إن عملية الترميم بدأت تتحرك. ففي سبتمبر 2025 أعلنت، عبر سانا، أنها أنهت تأهيل 531 مدرسة في المحافظات المختلفة، وأن العمل مستمر في 676 مدرسة أخرى، مع إقرارها بأن نحو 40 بالمئة من مدارس البلاد تحتاج إلى إعادة بناء أو تأهيل. هذا تطور مهم من حيث المبدأ، لكنه لا يغيّر وحده المعادلة الثقيلة التي صنعتها سنوات الحرب.

المسألة هنا ليست عدد الأبنية التي رُممت فحسب، بل قدرة هذا الترميم على التحول إلى خدمة مستقرة. لأن المدرسة التي يجري إصلاحها في بيئة ما تزال مضغوطة، أو التي تعود من دون تجهيز كافٍ أو من دون معلمين ثابتين أو في صفوف مكتظة، لا تنتج كامل الأثر المنتظر منها. ولهذا يبقى الحديث عن إعادة البناء صحيحاً من حيث الاتجاه، لكنه لا يكفي وحده ليعني أن البيئة التعليمية استعادت توازنها.

المعلمون بين الدعم والاستنزاف

يكشف ملف المعلمين بدوره طبيعة هذه المرحلة. الدولة تتحدث عن تحسين شروط العمل ورفع الأجور وإعداد مسودة قانون خاص بالمعلمين تتضمن حوافز ومزايا. وفي حزيران 2025 برزت زيادة بنسبة 200 بالمئة في الرواتب والأجور، بينما عاد وزير التربية في مارس 2026 ليصف تحسين أجور المعلمين بأنه استثمار مباشر في جودة التعليم واستقراره. هذه اللغة مهمة لأنها تعترف، ضمناً، بأن المعلم نفسه صار جزءاً من الأزمة لا مجرد أداة لمعالجتها.

لكن الأجر، على أهميته، لا يغلق الملف. المعلم في سوريا لا يواجه عبئاً مادياً فقط، بل يعمل أيضاً داخل بيئة أكثر إنهاكاً، في صفوف أوسع، ومع أطفال متأثرين بالنزوح والضغط النفسي والانقطاع الطويل عن المدرسة. ولهذا صار دعم المعلم يتجاوز فكرة الراتب إلى التدريب النفسي والتربوي وإعادة بناء قدرته على الإمساك بالصف نفسه.

اليونيسف تحدثت في مارس 2026 عن تدريب 1500 من الكوادر التعليمية خلال عطلة الفصل على مهارات الدعم النفسي والاجتماعي. كما أوضحت في أيلول 2025 أن مبادرة المدرسة الآمنة وصلت، عبر التوسع الوطني، إلى نحو 8610 من العاملين في التعليم في 287 مدرسة. هذه الأرقام تكشف أن دعم المعلمين لم يعد تحسيناً نوعياً فوق أرضية مستقرة، بل شرطاً لإبقاء العملية التعليمية نفسها من التدهور أكثر.

العنف داخل البيئة المدرسية

واحدة من أكثر الإشارات دلالة في الملف التعليمي السوري أن الحديث عن العنف داخل المدرسة لم يعد هامشياً. اليونيسف تصفه بوضوح بأنه تهديد لسلامة الأطفال وكرامتهم وقدرتهم على التعلم، وتربطه بسنوات الحرب والضغط الاجتماعي والاقتصادي المتراكم. وهذا يعني أن المدرسة ليست دائماً ملاذاً آمناً لمجرد أنها فتحت أبوابها، بل قد تتحول هي نفسها إلى فضاء متوتر إذا لم تُدعَم تربوياً ونفسياً.

الاستجابة لهذا الواقع لم تأتِ صدفة. مبادرة المدرسة الآمنة التي بدأت في 2024 اعتمدت على تدريب المعلمين، وأندية طلابية، وأيام مفتوحة، وبرامج رفاه نفسي للكوادر التعليمية. وفي 2025 جرى توسيع هذه المبادرة إلى 12 محافظة. هذا بحد ذاته مؤشر مهم. لأن النظام التعليمي الذي يكون قد تعافى فعلاً لا يحتاج إلى هذا الحجم من العمل الوقائي لتخفيف العنف داخل المدارس، بينما النظام الذي يحاول منع مزيد من التآكل يعرف أن الصف نفسه قد يتحول إلى ساحة ضغط إن لم يُدعَم من الداخل.

لهذا فإن وجود هذه البرامج يمكن قراءته بطريقتين في آن واحد. من جهة، هو دليل على أن هناك جهداً جدياً لمعالجة البيئة التعليمية لا المبنى فقط. ومن جهة ثانية، هو اعتراف بأن الهشاشة ما تزال قائمة، وأن المدرسة ما تزال تحتاج إلى حماية إضافية حتى تقوم بوظيفتها الطبيعية.

تعافٍ جزئي أم منع انهيار

بعد جمع هذه العناصر معاً، تبدو الصورة أوضح. هناك بالتأكيد حركة باتجاه الاستعادة. مدارس يجري تأهيلها، سنة دراسية موحدة، رواتب ارتفعت، دعم للمعلمين، وبرامج للحد من العنف وتعويض الفاقد التعليمي. هذه كلها مؤشرات لا يجوز الاستخفاف بها، لأنها تقول إن النظام التعليمي لم يُترك لمصيره، وإن هناك جهداً لإعادة لملمة أجزائه.

لكن كتلة الوقائع الأثقل ما تزال تشير إلى شيء آخر. ملايين الأطفال خارج المدرسة أو قريبون من الخروج منها، آلاف المدارس متضررة، المعلمون يحتاجون إلى دعم متزامن مالي ومهني ونفسي، والبيئة التعليمية نفسها ما تزال مهددة بالعنف والهشاشة. هذه ليست ملامح نظام خرج من أزمته، بل ملامح نظام يحاول تثبيت نفسه ومنع اتساع الكسر داخله.

ولهذا فإن أكثر صياغة دقة ربما تكون أن التعليم السوري تحرك من حافة الانهيار المفتوح إلى مرحلة تثبيت الحد الأدنى، لكنه لم يدخل بعد مرحلة تعافٍ يمكن الاطمئنان إليها. وهذه ليست صياغة تشاؤمية ولا احتفالية، بل توصيف أقرب إلى ميزان الوقائع كما تظهر اليوم.

السؤال الذي يجب طرحه ليس إن كان هناك جهد في ملف التعليم السوري، لأن هذا الجهد ظاهر في العودة إلى المدارس، وتأهيل بعضها، ودعم المعلمين، ومحاولات ضبط البيئة المدرسية. السؤال الأدق هو إن كان هذا الجهد غيّر طبيعة المرحلة كلها.

حتى الآن، يبدو أن الجواب هو أن التعليم في سوريا ما يزال أقرب إلى منع الانهيار منه إلى التعافي المكتمل. وربما تكون هذه هي الحقيقة التي ينبغي البدء منها، لا للتقليل من أي خطوة إيجابية، بل لفهم حجم ما بقي من العمل قبل أن يصبح ممكناً الحديث عن تعافٍ فعلي، لا عن قدرة مؤقتة على البقاء.

اقرأ أيضاً: وزارتا التربية والتعليم والثقافة تطلقان مسابقة لتصميم لباس مدرسي جديد

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.