بقلم هلا يوسف
لطالما وصفت كرة القدم بأنها الرياضة التي تمدنا بلحظات من التشويق والحماس ضمن مباريات ننتظرها بفارغ الصبر، لكن تحويل المباريات إلى مصدر للفوضى والتخريب، يجعل من مباريات كرة القدم عبء أخلاقي ورياضي لا يتناسب مع مفهوم الرياضة القائم على المرونة وتقبل النتائج. فمع نهاية كل جولة من الدوري السوري الممتاز، تصدر لجنة الانضباط والأخلاق في اتحاد كرة القدم قرارات تشمل عقوبات على الأندية، أو إيقاف لاعبين، عدا عن الغرامات بحق إداريين، وأحياناً إجراءات تستهدف الجماهير. فالمشهد أصبح شبه دائم، وغالباً ما ينتهي الأمر بإصدار بيانات رسمية لا تقدم ولا تؤخر. هذا ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول مدى تأثير العقوبات المفروضة على واقع الشغب داخل الملاعب.
العقوبات: أداة ردع أم حل جزئي؟
يرى فراس علي المصطفى، رئيس لجنة الانضباط والأخلاق، أن العقوبات ليست هدفاً بحد ذاتها، بل أداة ضمن منظومة ردع متكاملة. وأوضح أن الغرامات المالية يتم فرضها وفق مبدأ التناسب مع جسامة المخالفة وظروفها، وهو معيار متبع في اللوائح الدولية للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا).
كما شدد المصطفى على أن تكرار المخالفات لا يقابل بعقوبات شكلية ثابتة، بل يفتح الباب لتشديد الإجراءات حسب خطورة الفعل، بما قد يشمل إقامة المباريات دون جمهور، أو نقلها خارج الملعب، أو حتى حسم النقاط. وأضاف أن تطوير اللوائح بشكل مستمر يعد ضرورة لضمان فعاليتها، مع التركيز على شراكة حقيقية بين اللجنة والأندية وكوادر اللعبة، بدل الاعتماد فقط على النصوص القانونية.
من جانب آخر، يرى مدرب نادي الجيش طارق جبان، أن العقوبات المالية وحدها لم تعد فعالة بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة للأندية، حيث تتأخر غالبية الأندية في دفع الغرامات، مما يقلل من أثرها الردعي. وأكد جبان أن الإجراءات الأكثر تأثيراً هي العقوبات المباشرة، مثل خصم النقاط أو نقل المباريات إلى خارج أرض الفريق أو إقامتها دون جمهور، لأنها تؤثر مباشرة على الأداء والنتائج، ما يدفع الأندية والجماهير إلى الالتزام بالانضباط بشكل أسرع.
مواجهة الشغب الجماهيري: بين الحفاظ على الحضور وضبط السلوك
إقامة المباريات دون جمهور كانت مطروحة، لكنها لم تطبق بشكل كامل، إذ أصرت وزارة الرياضة والاتحاد الرياضي على استمرار حضور الجماهير رغم التحديات الأمنية. وأوضح أنس عمو، مدير المكتب الإعلامي للاتحاد السوري لكرة القدم، أن الجهود الحالية تركز على معالجة ظواهر الشغب والمخالفات، بالتزامن مع الحفاظ على حق الجمهور في متابعة المباريات.
وعند مشاهدة المباريات الأخيرة يمكن ملاحظة التصعيد الكبير في أحداث الشغب، مثل رمي الكراسي والحجارة وعبوات المياه، واستخدام الألعاب النارية، وهي سلوكيات تهدد سلامة الجماهير والمنشآت الرياضية. وللتصدي لهذه الظاهرة، طرحت لجنة الانضباط مجموعة من الإجراءات العملية منها إلغاء الترحال نهائياً بين المدرجات. وتغريم كل شخص يقوم بالشتم أو إلقاء أي شيء داخل الملعب، وتركيب كاميرات مراقبة في جميع الاتجاهات والمداخل والمرافق، مع وضع بوابات تفتيش إلكترونية لكل الصالات والملاعب، وإشراك شركات أمنية متخصصة لضمان حماية المنشآت وضبط الجمهور.
ورأى رئيس الاتحاد السوري لكرة القدم، فراس التيت، أن التعاون مع روابط الأندية والجماهير ضروري لبناء كرة قدم حضارية، وهو ما أكد عليه سامر حسون، رئيس رابطة مشجعي نادي حطين، مشيداً بالاجتماعات التي سمحت بإيصال صوت الجماهير للمعنيين.
تجارب ناجحة في ضبط الجماهير: كرة السلة نموذجاً
يمكن النظر إلى تجربة اتحاد كرة السلة في ضبط جمهوره كطريقة للتعامل مع أحداث الشغب ضمن المدرجات، فقد عقد الاتحاد اجتماعاً مع روابط المشجعين لمناقشة سبل ضبط التشجيع داخل الصالات الرياضية. وركز الاجتماع على الحد من الهتافات غير اللائقة وتعزيز الأجواء التنافسية الصحية. وقدمت التجربة مقترحات عملية منها إصدار بطاقات خاصة لكل رابطة من روابط المشجعين، وتنظيم عملية دخول الجماهير بالتنسيق مع عناصر حفظ النظام، والتصدي للهتافات غير اللائقة ومنع تصعيد التوتر أثناء المباريات.
هذه الخطوات تؤكد أن ضبط السلوك الجماهيري يحتاج إلى تضافر الجهود بين الإدارات الرياضية وروابط المشجعين والأجهزة الأمنية، وليس فقط الاعتماد على العقوبات القانونية.
في الختام، يبقى الدوري السوري مقسماً بين تشديد العقوبات والواقع الاقتصادي والاجتماعي للأندية. فالغرامات المالية وحدها لم تعد كافية، والردع الحقيقي يتطلب إجراءات مباشرة، بالتعاون مع روابط المشجعين الذين يكن لهم دور أساسي في توجيه الجماهير، وكبح جماح الشغب ومسبباته ضمن المباريات، مما يرسخ ثقافة رياضية حضارية ويحقق استقرار الدوري السوري على المدى الطويل.
اقرأ أيضاً: لجنة الانضباط تصدر قرارات حازمة بعد أحداث الشغب الأخيرة