رياضة

العودة «الطوعية» من لبنان: تحول الضغط القانوني إلى قرار بالترحيل؟

العودة «الطوعية» من لبنان: تحول الضغط القانوني إلى قرار بالترحيل؟

تُعد قضية اللاجئين السوريين في لبنان من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في السنوات الأخيرة. فبين الأرقام الرسمية التي تشير إلى تراجع أعداد المسجلين، والواقع اليومي الذي يعيشه اللاجئون، يبرز سؤال مباشر: هل ما يجري هو «عودة طوعية» فعلاً، أم نتيجة مسار تدريجي يجعل البقاء أكثر صعوبة من المغادرة بشكل متعمد؟ في المقال التالي، نورد لكم أبرز النقاط والحجج التي وردت في دراسة بعنون: «العودة الطوعية للاجئين السوريين في السياق اللبناني – بين الإكراه البنيوي والاختيار»، للباحثة ماري كورتام، والتي عملت جاهداً للإجابة عن السؤال الرئيسي للمقال.

تشير معطيات حديثة إلى أن عدد اللاجئين السوريين المسجلين في لبنان انخفض من نحو 1.2 مليون عام 2015 إلى قرابة 780 ألفاً في آذار 2024. هذا التراجع لا يمكن تفسيره فقط بعامل تحسن الأوضاع في سوريا، بل يرتبط أيضاً بمجموعة من السياسات والإجراءات التي أثرت مباشرة في قدرة اللاجئين على الاستمرار داخل لبنان.

الهشاشة القانونية كمدخل أساسي

أحد أبرز العوامل التي تدفع نحو العودة يتمثل في ما يمكن تسميته «الهشاشة القانونية». فشروط الإقامة في لبنان معقدة ومكلفة، ما يجعل شريحة واسعة من السوريين في وضع قانوني غير مستقر. هذه الحالة لا تعني فقط خطر المخالفة، بل تفتح الباب أمام احتمالات التوقيف أو الترحيل.

في هذا السياق، يتحول القرار الفردي بالعودة إلى نتيجة مباشرة للضغط. لا يقارن اللاجئ بين خيارين متكافئين، بل بين البقاء في بيئة قانونية ضاغطة، أو العودة إلى بلد لا تزال ظروفه غير محسومة. وهنا تصبح «الطوعية» مرتبطة بالسياق أكثر من ارتباطها بحرية القرار.

تعدد الأدوات وتوزع الأدوار

لا يقتصر هذا المسار على جهة واحدة. فالأمن العام يتولى تنظيم إجراءات الدخول والخروج، بينما يبرز دور مؤسسات أخرى في تشكيل البيئة العامة. الخطاب الرسمي الذي يركز على «العبء الاقتصادي» يساهم في إعادة تعريف القضية، من ملف حقوقي إلى ملف إداري مرتبط بالقدرة على الاستيعاب.

على المستوى المحلي، تلعب البلديات وبعض القوى السياسية دوراً إضافياً من خلال فرض قيود غير رسمية على السكن والعمل والتنقل. هذه القيود لا تكون دائماً مكتوبة، لكنها تُطبق عملياً وتؤثر في تفاصيل الحياة اليومية.

كما ظهرت مبادرات تعتمد على التبليغ أو المراقبة المجتمعية، ما يزيد من شعور اللاجئ بالضغط والعزلة. في هذه الحالة، لا يكون الضغط مركزياً فقط، بل موزعاً على مستويات متعددة، من المؤسسات إلى المجتمع المحلي.

الدور الدولي: تمويل مقابل احتواء

على المستوى الدولي، يظهر اتجاه واضح نحو تقليل أعداد اللاجئين في دول الجوار. في هذا الإطار، قدم الاتحاد الأوروبي دعماً مالياً للبنان بهدف إبقاء اللاجئين داخله، ما يخفف من تدفقهم نحو أوروبا.

لكن هذا الدعم لا يرتبط دائماً بضمانات كافية تتعلق بظروف العودة. وبهذا، يصبح الهدف الأساسي هو «الاحتواء» أكثر من معالجة الأسباب الجذرية أو توفير شروط عودة آمنة ومستقرة.

ما بعد 2024: تنظيم بلا ضمانات كافية

بعد التغيرات السياسية في سوريا نهاية عام 2024، أعلنت الحكومة اللبنانية خطة لإعادة أعداد كبيرة من اللاجئين خلال فترة قصيرة. يُقدَّم هذا المسار بوصفه «عودة منظمة»، لكن التحدي الأساسي يبقى في مدى توفر الشروط الفعلية لهذه العودة.

المعطيات الميدانية تشير إلى فجوة بين الإطار التنظيمي والواقع على الأرض، خاصة في ما يتعلق بالبنية التحتية والخدمات والضمانات القانونية داخل سوريا. هذا يعني أن العودة، حتى عندما تُنظم رسمياً، تبقى محاطة بدرجة من عدم اليقين.

خلاصة

ما يجري في ملف اللاجئين السوريين في لبنان لا يمكن فهمه من خلال عامل واحد. بل هو نتيجة تفاعل مجموعة من السياسات القانونية والإدارية، إلى جانب ضغوط اقتصادية واجتماعية متراكمة.

في هذا السياق، تبدو «العودة الطوعية» أقرب إلى نتيجة مسار طويل من الضغط، وليس مجرد قرار حر ومعزول. ومع غياب ضمانات واضحة لعودة آمنة ومستقرة، يبقى اللاجئ أمام خيارات محدودة، يختار بينها وفق الكلفة الأقل، لا وفق الشروط الأفضل.

اقرأ أيضاً: بصراحة: الأكثرية «للطوابير» لا «للمذهب»!

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.