خلف القضبان الباردة في الزنازين الموحشة المُعتمة، أُسرت أجسادهم لا أصواتهم. جدرانٌ صامتة وحناجر مدوّية حتى بسكوتها تقارع السجان. عاش آلاف السوريين في سجون الأسد عقوداً وسنوات من الظلم والقهر، يأكلهم الانتظار وتنتظرهم الشمس لتشرق من جديد. في عتمة تلك السجون لا أرواح موجودة بل مجرد أرقام.. أسماء محى من الشفاه والذاكرة وكل سجين يعرّف عن نفسه برقم وكأنه يعُد ليدخل عَداد الموت ويترك بين فكّي النسيان والانتظار.. جاء التحرير، فُتحت السجون صَدحت الحرية وها هي الشمس أشرقت من جديد لكن أين المغيبون قسراً! هل سَتُغيّب الضّحية مرتين؟ هل سيبقى الانتظار ينهش قلوب عائلاته بعد أن التهم سنين العمر هل سيلتهم الأمل؟.. قصة المعتقلين في سجون الأسد، ما حالهم من مراسيم العفو في عهد النظام السابق؟ ما تحركات السلطات الجديدة؟ الهيئة الوطنية للمفقودين أين هي وما دورها؟ أسئلة عديدة مطروحة تحت شمس الحرية الجديدة تحتاج لمعالجة واضحة وشفافة سنحاول إيجادها في المقال.
خلف قضبان الأسد.. المغيبون قسراً كيف كانت حياتهم؟
في تصريح لرئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان “فضل عبد الغني” بعد التحرير قال، إن عدد المعتقلين والمغيبين قسراً في سوريا بعد إفراغ السجون تجاوز 112 ألفاً، عدد المفرج عنهم وصل إلى 24 ألفاً و 200 شخص، وهو رقم تقديري، من أصل 136 ألف معتقل ومختفٍ قسرياً ومن المرجح أنهم قتلوا، فمع القبضة الأمنية وإلى حين كسرها لا شيء واضح لا شيء دقيق مجرد أرقام وكل شيء مبعثر حتى الأرواح.
هناك مؤشرات عبر سنوات من عام 2018 أن نظام الأسد يقتل المختفين قسرياً، وهناك العديد من الأدلة منها أكثر من 3 آلاف بيان وفاة، في حين تشير التقديرات إلى مقتل مئات الآلاف من السوريين منذ 2011، ويتهم سوريون وناشطون بمجال حقوق الإنسان نظام الأسد، بارتكاب عمليات قتل واسعة النطاق خارج نطاق القانون، تشمل وقائع إعدام جماعي داخل نظام السجون السيئة السمعة في سوريا.
ما يثير الريبة في موضوع المغيبين قسراً أن معطيات قضيتهم تتغير بفعل الإفراج عن المساجين من سجون ومراكز الاحتجاز في المدن السورية المختلفة بعد تحريرها، وبسبب اكتشاف المقابر الجماعية التي لربما تحوي رفاة أحد منهم.
شبكة السجون أديرت بعهد الرئيس الهارب من قبل أجهزة المخابرات السورية الأربعة: المخابرات العسكرية، الأمن السياسي، المخابرات العامة، المخابرات الجوية. ضمت أكثر من 100 مركز اعتقال علني وعدد غير معروف من المراكز السرية التي حوت بين جدرانها أنين المكلومين وعاش من كان فيها كل أصناف العذاب والعنف العقلي والنفسي والجسدي في ظل انتهاكات للإنسان وحقوقه، فكانت هناك مساواة في السجون.. مساواة العذاب والقمع والظلم.
كانت سجون الأسد تقسم لأربع فئات: سجون المخابرات، السجون العسكرية، السجون المدنية، والسجون السرية وكلها كانت تشترك بالقمع والترهيب، حيث دَرج النظام السابق منذ عهد حافظ الأسد (1970-2000) على استخدام السجون أداة قمع لمعارضيه ومنتقديه، واستمر الحال في عهد ابنه بشار (2000-2024)، فعقلية السجان واحده رغم اختلافه.
في السياق ذاته، كشفت تقارير تابعة لمنظمات حقوقية محلية ودولية عن انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان، بما في ذلك الإخفاء القسري والتعذيب الجسدي والنفسي الشديدين، منها: الضرب المبرح والتعذيب باستخدام الكهرباء والوضعيات المنهكة والإعدام الوهمي وكسر العمود الفقري والتسبب بإعاقات دائمة، كان السجانون يبقون جثث الموتى في غرف السجناء أياماً إلى حين تفسخها، مما أدى إلى تفشي أمراض خطيرة بين السجناء.
من جانبها أثبتت الصور، وفق منظمة “Human Rights Watch”، وفاة ما لا يقل عن 7 آلاف شخص في سجون النظام، وحسب تقارير حقوقية أيضاً، لم تخضع الزنازين لمعايير مناسبة لحياة البشر، فقد عانت من الاكتظاظ الشديد وفقدان النظافة بشكل كامل، إلى جانب نقص الغذاء والماء والحرمان من الرعاية الطبية والنوم.
اقرأ أيضاً: انتقادات كبيرة تطال احتفالات في ساحة سجن صيدنايا
حال ذوي المغيبين قسراً.. إلى متى الانتظار!
حال عوائل المغيبين قسراً يدمي القلوب منذ اندلاع الثورة، ألا يحق لهم معرفة مصير أولادهم وذويهم؟ من حقهم أن يعلموا مصيرهم وأن يزوروا رفاتهم بدل أن يزوروا الصور التي حفرت في مخيلتهم عنهم عند اللقاء الأخير.. غياب المعلومات الواضحة عن مصير أبنائهم يزيد فاجعة الفقد ويعزز صدى الحرمان ويترك القلوب في احتراقٍ دائم عل وعسى معلومة صادقة تُبردها.
عند السقوط وفتح السجون فتحت الجراح معها ولم تُسكر الأسئلة المفتوحة منذ عقود والتي يسمع صداها يتردد في الآفاق، أين فلان وما مصير فلان هل عُثر على فلان؟ هل كنت مع فلان؟
لم يعط السقوط أي إجابات عن من غيبوا قسراً ، في العديد من اللقاءات أول ما يصرح به ذوي المعتقلين المرارة وغصة السؤال عن مصير أولادهم وأهلهم ومعارفهم، فقط لو معلومة لو كلمة لو إشارة تخمد لهيب الأسئلة وتضمدت مرارة الفقد ونيران الأشواق واللهفة التي اختُطفت عند اللقاء الأخير.
في تصاريح متعددة لذوي المغيبين يؤكدون إصرارهم على معرفة أي خبر عن مفقوديهم ومعتقليهم فهو حق مشروع لطالما طال انتظار جنيه وإحقاقه، إذ تقول أخت أحد المعتقلين من اللاذقية: “أشعر أن أخي لم يمت، لكن إن كان مات فأحضروا لي عظامه لكي نعرف أن قبره في مكان ما”، وتضيف إحدى زوجات المغيبين وأم لابن فُقد مع والده من حمص، إنها باتت مطالبة أكثر من أي وقت مضى بالإجابات عن أسئلة طفلتها الحتمية، مؤكدةً أنها لم تتردد، منذ مطلع كانون الثاني في السفر إلى العاصمة دمشق لتبحث مع ابنتها في سجلات المعتقلين وقوائم المستشفيات عن أثر يقودها لمعرفة مصير طفلها وزوجها.
اقرأ أيضاً: تحديات قانونية ومعيشية وآثار نفسية اجتماعية تلاحق عائلات المعتقلين والمفقودين في سوريا
ما التحركات لكشف المصير بعد التحرير؟
أُعلن عن تشكيل الهيئة الوطنية للمفقودين في يوم 17 أيار عام 2025 بموجب المرسوم الرئاسي رقم 19 لسنة 2025 صادر عن الرئيس الشرع، وذلك استناداً إلى الإعلان الدستوري السوري وأحكامه، إذ نص المرسوم على استحداث “الهيئة الوطنية للمفقودين” بوصفها هيئة مستقلة، لها شخصية اعتبارية واستقلال مالي وإداري، وتمارس مهامها على امتداد الأراضي السورية.
قد أوكل إليها عدد من المهام في سياق معالجة ملف الأشخاص المفقودين والمغيبين قسراً: البحث والكشف عن مصير المفقودين والمختفين قسراً، توثيق الحالات وإنشاء قاعدة بيانات وطنية، تقديم الدعم القانوني والإنساني لعائلات المفقودين.
ضمن تصريحات أعضاء اللجنة ورئيسها أكد كل منهم على العمل على ملف المغيبين والمفقودين الذي يعتبر من الملفات الحساسة والشائكة والمبهمة بسبب حيثيات القضية والسياقات العديدة التي مرت بها، على إثر ذلك قالت “زينة شهلا،” عضو الفريق الاستشاري في “الهيئة الوطنية للمفقودين” ومستشارتها الإعلامية، إن: “عائلات المفقودين والمفقودات هم بوصلة عمل الهيئة وصلبها، مشيرة إلى أنه لا يمكن للهيئة القيام بأي خطوة دون الرجوع إلى العائلات والتعرف إلى احتياجاتهم ومطالبهم وتوقعاتهم والأشياء التي ينتظرونها من “الهيئة الوطنية للمفقودين”.
في تصريح موازي وصف رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين “محمد رضا جلخي” في كلمة له خلال الجلسة التشاورية مع أهالي الضحايا، مهمة البحث عن المفقودين بالكبيرة والمعقدة، وأشار “جلخي” إلى أن هذه المهمة لا يمكن أن تنجز إلا بالصبر، وبالثقة المتبادلة، وبدعم من الجميع، العائلات والحكومة والمجتمع المدني والشركاء الدوليين، قائلًا: “نحتاج إلى وقت وإلى موارد وإلى عمل جماعي دؤوب حتى نصل إلى نتائج ملموسة”.
أكدت اللجنة أن هناك شفافية في التعاطي وثوابت لا حياد عنها، حيث أن كل معلومة وكل خطوة ستُشارك مع أهالي المفقودين بالدرجة الأولى، وهناك أولوية مطلقة لاحتياجات العائلات، سواء من الدعم النفسي، أو المشورة القانونية، أو المشاركة الفعلية في صنع القرار.
في السياق ذاته، أعلنت رئيسة لجنة التحقيق في مصير أبناء المعتقلين والمغيبين قسراً “رغداء زيدان” عن تحقيق نتائج مهمة تتعلق بمصير مئات الأطفال من أبناء المعتقلين، وفي تصريح لها لقناة الإخبارية السورية الرسمية في تاريخ 27 تموز، أوضحت زيدان أنه “تمكنا من إعادة أطفال لذويهم، فيما تتواصل عملية التحقيق للكشف عن مصير أطفال مفقودين آخرين”، وأكدت أن “اللجنة أخذت على عاتقها الكشف عن مصير الأطفال الذين فقدوا في دور الرعاية التي كان يسيطر عليها النظام البائد”.
وثقت اللجنة “314” طفلاً وطفلة من أبناء المعتقلين والمعتقلات في سجون النظام السابق حتى الآن، مع التأكيد على أن العدد قابل للزيادة.
في معرض مناقشة سياق الأحداث والتطورات، لوحظ أن السلطات الجديدة أصدرت مراسيم وأحدثت لجان وهيئات تعنى بالمعتقلين.. لكن هذا غير كافي فلم يعرف مصير إلاّ قلة قليلة، لا يمكن التعامل بتهاون مع ملف المغيبين قسراً فهم الشعلة الأولى للانتفاضة وبوصلتها، قايضوا حريتهم من أجل حرية الشعب وطمعاً بكسر نير الظلم والقمع، قضيتهم متابعة منذ سنوات حتى في عهد النظام فكيف لا يكونون أولوية عمل السلطات الحالية.
غاب صوتهم ليصدح صوت الشعب، اعتقلت أجسادهم وخنقت بالسجون كي يتنفس السوريون الحرية اليوم.. بين سجلات الموت وأضابير “مجهولي الهوية” بقوا مغيبين منسيين رغم إحداث الهيئة الوطنية للمفقودين وتثمين هذ الخطوة لكن إلى الآن لم نلمس خطوات فاعلة على أرض الواقع.. من المفترض ان الملفات جاهزة والناشطين والمطالبين كثر، وها قد وُفر الغطاء الرسمي وأحدثت الهيئات أين التحرك الفعلي؟ من المعلوم أنه ليس من السهل معرفة مصير من انقضت عليهم الوحشية لكن من المفترض أنهم قيد المتابعة من قبل التحرير فكيف يبقى الكثير منهم مجهول المصير بعده، ناهيك عن فوضى السجلات فهناك العديد من سجلات الأفرع الأمنية مهددة بالضياع لماذا لا تحفظ بشكل جيد يضمن حقوق من غيبوا، كيف لعاقل أن يتحمل مشهد الآباء وهم يجثون على الأرض باحثين عن بقايا أبنائهم فوق ورق مبعثر ممزق.. أحشائهم في جحورهم تتمزق مثله بعد أن بعثرت مشاعرهم مرة في الفقد ومرة في التغييب والآن في النسيان.
ألمهم ليس معاناة فردية بل صرخة شعب ضحى وقدم ويريد العدل والعدالة فلا حرية بدونهما، ولا حرية في النسيان، فالاستجابة الرسمية من السلطة الجديدة تؤسس لإطار قانوني يتم التحرك ضمنه لكن أين زخم هذا التحرك، إن انتقال ملف المفقودين من قبضة الأجهزة الأمنية للإشراف المؤسساتي المدني خطوة مهمة ومبشرة لكن تحتاج إلى أن تتوسع تغطيتها عبر السماح بفتح أرشيفات الأجهزة الأمنية السابقة ومراكز الاحتجاز السابقة تحت إشراف وطني مستقل فهناك نخبة من الحقوقيين السوريين قادرين على ذلك، فيجب اعتماد مبدأ الافراج الكامل عن المعلومات كحق لا يقبل التفاوض عليه، فلا تكفي الشعارات فهي لم تُخرج ولم تُحرر أحد، بل نحتاج لتشريعات مكثفة نافذة وقرارات سيادية تجسد مبادئ الثورة وتحمي أبناءها وتسترد حقوق من غابوا عن لحظة الانتصار.
في سياق متصل، سلّط تقرير نشرته صحيفة “فايننشال تايمز Financial Times” مطلع عام 2025 الضوء على السباق الذي تخوضه فرق التحقيق المحلية والدولية لحفظ الأدلة التي توثّق الفظائع المرتكبة في عهد النظام السابق، وعلى رأسها جرائم التعذيب والاختفاء القسري، مشيراً إلى أن مئات الوثائق الأمنية، والسجلات والصور وحتى رفات الضحايا، باتت مهددة بالضياع في ظل الفوضى التي أعقبت سقوط النظام، ما يجعل من تأمينها ضرورة ملحة لضمان استخدامها لاحقاً في محاكمات عادلة.
كما نقلت الصحيفة عن محققين أن هذه المرحلة تمثل “سباقاً مع الزمن” لتثبيت الحقيقة قبل أن تُطمس الأدلة أو تُفقد، مؤكدة أن غياب البنية القانونية لحماية هذه المواد قد يُفشل جهود العدالة الانتقالية، ويُبقي عائلات المغيبين رهائن للانتظار والإنكار.
اقرأ أيضاً: لجنة التحقيق الخاصة بأبناء المعتقلين تكشف آلية عملها
ختاماً، المغيبين قسراً لم يكونوا يوماً طي النسيان قبل السقوط، بل كانوا البوصلة والمنارة التي تَهدي السُبل كلما أُضل الطريق، فكيف بعد السقوط والتحرير تنسى القضية؟
على السلطات الجديدة تثبيت دورها في العمل على إحقاق العدالة الانتقالية عبر معالج ملف المفقودين في سجون الأسد وكشف مصير من غيبوا قسراً فهذه مسؤوليتها كسلطة مدافعة عن حقوق الشعب لا يحق لها أن تحيد عنها، قدّمت خطوات قانونية مهمة ووفرت غطاء قانوني للعمل لكن بحجم قضية كالمفقودين وملف بهذا الثقل متراكم منذ عقود ومتابع منذ سنوات هذا غير كافي.. ليبقى ذوو المفقودين ومعهم لفيف من السوريين رهن انتظار كشف المصير وتبريد الجراح، المغيبون في السجون وجدان الوطن وحريتهم أزلية.. خالدون ما دام هناك صوتٌ للحرية.