بقلم هلا يوسف
يحاول القطاع المصرفي استعادة ثقة المواطنين بعد سنوات من التدهور الاقتصادي والمالي الذي على أثره تراجعت الثقة، وانخفضت الودائع، وتقلصت قدرة المصارف على تمويل النشاط الاقتصادي. لذلك يمر القطاع حالياً بمرحلة إعادة تقييم شاملة لتواجه التحديات التي تعترضها في المرحلة الراهنة، وتؤسس لمرحلة مستقرة.
فبحسب المعلومات يضم القطاع اليوم 21 بنكاً، بينها ستة بنوك حكومية وخمسة عشر بنكاً خاصاً. وعلى الرغم من ثبات عدد البنوك الخاصة تقريباً منذ عام 2010، تتجه الحكومة نحو توسيع هذا القطاع بحلول عام 2030 عبر منح تراخيص جديدة وتشجيع الاندماج، في محاولة لتنشيط السوق المصرفية وتعزيز دورها في الاقتصاد.
أزمة الثقة ومحاولات الاستعادة
تشكل القروض أحد أكثر الخدمات أهمية في القطاع المصرفي، خصوصاً القروض ذات التمويل الخاص بالمشاريع الصغيرة، فهي تفتح باب رزق مستدام لدى الكثير من العائلات. وهنا يبرز دور المصارف الداعمة لفكرة التمويل الصغير، ومن بينها بنك بيمو السعودي الفرنسي للتمويل الصغير، الذي يتولى إدارته التنفيذية منير هارون. حيث يتعامل البنك بشكل مباشر مع الفئات محدودة الدخل وأصحاب المشاريع الصغيرة، مما يجعله أكثر تأثراً بالتقلبات الاقتصادية.
يؤكد هارون أن أزمة الثقة الحالية ليست وليدة اللحظة، بل تعود جذورها إلى عام 2021، عندما فُرضت قيود على السحوبات النقدية. ويوضح أن هذه الإجراءات، التي بدأت بسقف منخفض (5 مليون ليرة سورية قديمة) ثم رفعت لاحقاً إلى (25 مليون ليرة سورية قديمة)، جاءت نتيجة مخاوف من تأثير السحوبات الكبيرة على سعر صرف الليرة السورية. إلا أن هذه القيود، بحسب هارون، أدت إلى نتائج عكسية، حيث فقد العملاء ثقتهم بالمصارف، خاصة مع صعوبة الوصول إلى أموالهم.
ويشير إلى أن الوضع ازداد تعقيداً بعد التحرير مع تراجع السيولة وارتفاع الطلب على الأموال، بالإضافة إلى تحويل مبالغ كبيرة من المنصة التي كانت تابعة للدولة إلى حسابات التجار، مما عمق الفجوة بين المواطنين والجهاز المصرفي. ويضيف أن كثيراً من الناس باتوا يفضلون الاحتفاظ بأموالهم في منازلهم بدلاً من إيداعها في البنوك.
وفي محاولة لمعالجة هذه الأزمة، يوضح هارون أن المصارف تعمل حالياً على استعادة الثقة تدريجياً، من خلال ضمان توفر السيولة للحسابات الجديدة، إلى جانب معالجة الحسابات القديمة، رغم التحديات المرتبطة بها.
لماذا توقف الإقراض؟
يشرح هارون أن تمويل المشاريع الصغيرة يواجه صعوبات كبيرة، أبرزها عدم القدرة على تسعير المخاطر بدقة، خاصة أن هذه الفئة من المقترضين تعد الأكثر هشاشة اقتصادياً. كما أن غياب الضمانات الكافية يزيد من احتمالات التعثر، مما يدفع المصارف إلى الحذر في منح القروض.
ويضيف أن الاضطرابات التي شهدتها البلاد في الفترة الماضية أدت إلى تعثر عدد كبير من المقترضين، نتيجة توقف الأعمال وفقدان مصادر الدخل، وهو ما انعكس سلباً على المحافظ الائتمانية للمصارف. ونتيجة لذلك، أصبحت البنوك أكثر تحفظاً في الإقراض حفاظاً على استمراريتها.
كما يشير إلى أن غياب رؤية اقتصادية واضحة، إلى جانب تقلبات سعر الصرف وحالة الجمود في الأسواق، كلها عوامل تعيق اتخاذ قرارات تمويلية جديدة. فالمصارف بحسب هارون، تجد صعوبة في تحديد المشاريع القادرة على الاستمرار وسداد التزاماتها في ظل هذه الظروف.
وتؤكد المعطيات الحالية أن منح القروض الجديدة ما زال متوقفاً إلى حد كبير، حيث إن القروض التي صُرفت خلال عام 2025 هي في معظمها استكمال لاتفاقيات كانت مبرمة في عام 2024. ويرتبط هذا التوقف أيضاً بارتفاع أسعار الفائدة على الودائع، مما دفع المصارف إلى إعادة دراسة تسعير القروض قبل استئناف منحها.
تجدر الإشارة إلى أن المصرف التجاري السوري يمتلك واحدة من أوسع الشبكات المصرفية في البلاد، إذ يضم 72 فرعاً و70 مكتباً موزعة على مختلف المحافظات، مما يجعله لاعباً أساسياً في تقديم الخدمات المصرفية على المستوى الوطني.
وفي العودة إلى السياسات المصرفية التي كانت سائدة في زمن النظام السابق، كانت المصارف السورية العامة والخاصة قد أوقفت منح القروض والتسهيلات الائتمانية منذ عام 2022، وذلك بعد قرار مصرف سوريا المركزي رفع أسعار الفائدة على الودائع بالليرة السورية. وقد توقع حينها بعض مديري المصارف أن تتجاوز نسب الفائدة 20%، مما فرض حالة من التريث في منح القروض بانتظار إعادة تسعيرها بما يتناسب مع الكلفة الجديدة للأموال.
وبين هؤلاء أن الفوائد الجديدة كانت ستعكس الزيادة التي طرأت على ودائع التوفير، والتي ارتفعت بنحو 56%، حيث صعدت من 7.25% إلى 11.25%. ولم يتم استثناء قروض الدخل المحدود من هذا الارتفاع، على اعتبار أن مصادر تمويلها تعتمد أساساً على ودائع التوفير، التي أصبحت تستوجب عوائد أعلى بعد قرار المركزي.
في الختام، يبدو أن عمليات تنظيم الإقراض في القطاع المصرفي تتخللها الكثير من التعقيدات والتخوفات، لكنها ضرورية لاستعادة ثقة العملاء، فبدون هذه الثقة لن يتم إيداع الأموال التي تشكل الحجر الأساس في أي عملية إصلاحية. مع العلم أن القروض متوقفة جزئياً، أي إذا استطعت توفير الضمانات التي تطلبها المصارف، وامتلكت فكرة مشروع مربح بالنسبة للمشاريع الصغيرة، قد تساعدك البنوك الخاصة بالحصول على قرض.
اقرأ أيضاً: القروض المتعثرة في سوريا.. هل تنجح الحكومة في نزع فتيل هذه القنبلة الموقوتة؟