بقلم: ريم ريّا
قصرا الحير في سوريا هما من دلائل الفن المعماري الإسلامي للقصور الأموية في بلاد الشام، حين كانت مقراً للخلفاء الذين اهتموا بتأمين كافة وسائل الرخاء في البوادي. فيقف القصران كقصيدة حجرية في قلب الصحراء السورية تروي حكاية مجد العصر الأموي. يتجلى جمال العمران حين يتحد مع روح المكان وبين رمال الصحراء، فيرسم لوحة من الفخامة تحفظها الرياح كما تحفظ رمال البادية سحر الماضي وعبق التاريخ. في هذا المقال سنتعرف عن روائع قَصري الحير في قلب البادية السورية، وعن براعة الأمويين في فن الزخرفة.
براعة الأمويين في الزخرفة تتجلى في قصرَي الحير في سوريا
جمع الأمويون البساطة العربية والأناقة الشرقية في فن الزخرفة، مستلهمين من الحضارات التي سبقتهم، حيث اعتمدوا على الأشكال الهندسية والنباتية بكثرة، وعلى الخط العربي، فخلقوا بذلك تناغماً بصرياً يسر العين ويأسر العقل.
استخدموا مواد عديدة في عملية الزخرفة منها الجصّ والرخام والفسيفساء بدقة متناهية، فزينوا المساجد والقصور بألوانٍ تنبض بالحياة، وبدلالات رمزية تعكس مدى انسجام الشكل الهندسي مع روح المكان. فقد كانت الزخرفةُ الأمويةُ لغةً فنيةً تعبر عن الرقي والجمال لفن الزخرفة، وتجعل من الحجر لوحةً ناطقةً بالحضارة.

موقع قصرَي الحير في سوريا
أمر الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، بتأسيس قصري الحير، فأمر ببناء قصر الحير الغربي سنة 109 للهجرة، ويقع هذا القصر على بعد نحو 60 كم جنوب غرب تدمر، فيما أشارت المراجع إلى أن بناء القصر تم على أنقاض دير يعود إلى العهد الغساني. أما قصر الحير الشرقي، فتم تشييده سنة 110 للهجرة، ويقع القصر ضمن نطاق مدينة أثرية كاملة كانت منتجعاً للخليفة في العصر الأموي، على بعد 105 كيلومتراً إلى الشمال الشرقي من مدينة تدمر وسط سوريا.
شكل القصر الشرقي مدينة متكاملة، وهو عبارة عن قصرين، قصر كبير ذو شكل مربّع، يمتدّ على مساحة تبلغ 11200 متر مربّع، ويبلغ 170 متراً طول ضلعه. في حين أن القصر الصغير، شكله مربع أيضاً، إلا أنه غير منتظم، وطوله هو 70 متراً، محاط بأسوار حجرية مدعومة بـ 12 برجاً نصف دائري، ولعل أكثر ما يميزه هو المدخل الوحيد فيه، والقوس الذي يتوسطه، بينما تفصل بين القصرين مئذنة مربعة الشكل بارتفاع عشرة أمتار، وهي ذات مدخل جنوبي ودرج حلزوني دائري. من مزايا القصر الكبير أنه يحوي العديد من المزايا، فجدرانه الخارجية مدعومة بـ 26 برجاً، ويبلغ قطر البرج الواحد 4 أمتار بشكل نصف دائري، بمعدل 6 أبراج لكل جدار. وتسمية قصرا الحير، بقصر الحير الغربي وقصر الحير الشرقي تسمية حديثة، ويختلف الباحثون في نسب الاسم القديم “الزيتونة” لأحد القصرين (حيث تذكر المصادر التاريخية بأن هشام بن عبد الملك كان ينزل الزيتونة في بادية الشام).
اقرأ أيضاً: سرجيلا المدينة المنسية
عن قصرَي الحير (الغربي والشرقي)
يقوم القصران وفق مخطط متشابه ونمط معماري يقوم على سور وفناء داخلي تشرف عليه أروقة ويحيط به غرف في طابق أو طابقين. يأخذ السور الخارجي طابعاً حصيناً، ولم تكن الأبراج بالضرورة لغرضٍ دفاعي بل لتدعيم الأسوار.
-
قصر الحير الغربي
يقع في الجنوب الغربي من تدمر، أُرّخ إلى فترة حكم هشام بن عبد الملك في القرن الثامن ميلادي وبني بأمر منه وفقاً لنقش كتابي على أحد الأبواب:
“بسم الله الرجمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره”.
مخطط القصر مربع وجداره الخارجي مدعم بأبراج مستديرة وبأبراج نصف دائرية غير مفرغة، أطراف الباب وعتبته العلوية مزينة بصف من الزخارف المخرمة التي تمثل أوراق الكرم والعناقيد المتشابكة. بوابة القصر تقع في الجهة الشرقية يحيط بها من الطرفين برجين نصف دائريين مزخرفين بكثافة بغية إملاء الفراغ بزخارف جصية نافرة عبارة عن تداخل زخارف نباتية من أوراق الأكنثة والسعف والكرمة وأشكال هندسية وتمثال نصفية لنساء، مما يعكس تأثراً بفن الحضارات السابقة كالفن “الساساني”.
ما يميز القصر الغربي، الخشب المنقوش ذو الرسوم الملونة الهندسية في جدران البناء الداخلي، بالإضافة إلى اللوحات من “الفريسك” ورسوم تشبيهية منها رسم بشري يُعتقد بأنه لامرأة بصورة نصفية تحمل قطعة قماش مليئة بالفواكه وطوق العنق بأفعى، يعلوها مخلوقات أسطورية ببدن إنسان ورأس وقدمي حيوان، ولوحة أخرى برسوم لفارس يطارد الغزلان، إلى جانب كتابات “كوفية” منقوشة على ألواح حجرية تعتبر إحدى أقدم أمثلة الخط العربي.
في عام 1950، أُعيد إنشاء البوابة وجزء من القصر في المتحف الوطني بدمشق بعد أن دام العمل لمدة 14 عاماً، وعرضت القطع والتماثيل النافرة ولوحات الفريسك في إحدى أجنحة المتحف.

-
قصر الحير الشرقي
يقع شمال شرق تدمر وتعتبر منطقة قصر الحير الشرقي مدينة كانت معدة لسكن حاشية الخليفة، تعود إلى عهد هشام وفقاً للنقش التالي:
“بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله، أمر بصنع هذه المدينة عبد الله هشام، أمير المؤمنين”.
يتألف الموقع من قصرين، قصر كبير وقصر صغير. بنيت أسوار القصرين من الحجر المنحوت والآجر ودعمت بأبراج نصف دائرية. القصر الكبير يكاد يكون بحد ذاته مدينة صغيرة مسورة لاحتوائه على عدد من الوحدات السكنية ومسجد، ومعاصر للزيوت وحمام. والقصر الصغير مربع الشكل ذو مدخل وحيد في الجهة الغربية يتميز بواجهته وزخارفه الجصية الهندسية والنباتية البسيطة أعلى البرجين.
