اقتصاد

هل تمثل محطة “طيبة التركي” الشمسية نموذجاً لتخفيف الضغط على الشبكة؟

هل تمثل محطة “طيبة التركي” الشمسية نموذجاً لتخفيف الضغط على الشبكة؟

الكاتب: أحمد علي

أعاد افتتاح محطة شمسية بقدرة 3 ميغاواط في قرية “طيبة التركي” يوم 4 نيسان سؤال الكهرباء في سوريا إلى نقطة شديدة العملية. ليس سؤال الوعود الكبيرة، بل سؤال ما الذي يمكن أن تفعله محطة واحدة حين تكون الشبكة مرهقة، والوقود محدوداً، والخدمات الأساسية مرتبطة بكل ساعة تغذية إضافية.

المشروع، كما قُدِّم محلياً، يحمل صفة رمزية لأنه وُصف بأنه أول محطة شمسية بعد التحرير، لكنه يطرح قبل ذلك اختباراً ملموساً. هل تستطيع الحلول اللامركزية أن تخفف العبء فعلاً، ولو جزئياً، عن شبكة تعاني نقصاً بنيوياً

محطة طيبة التركي الشمسية.. ماذا تضيف؟

بحسب الوكالة العربية السورية للأنباء، تبلغ استطاعة المحطة 3 ميغاواط، فيما قُدِّر إنتاجها السنوي بأكثر من 5 ملايين كيلوواط ساعي. كما قال مدير فرع هيئة الاستثمار في حماة إن التجارب الأولية منحت مؤشراً إيجابياً وصل إلى 92 بالمئة من الإنتاجية المتوقعة، وقالت الجهات المحلية إن المشروع قد يساعد في زيادة ساعات الوصل الكهربائي. هذا وحده كافٍ لجعل محطة طيبة التركي الشمسية حالة تستحق المتابعة، لا لأن الرقم كبير على المستوى الوطني، بل لأنه يختبر فكرة بسيطة ومباشرة، وهي أن توليد الكهرباء قرب مكان الاستهلاك قد يكون أسرع من انتظار تعافي المنظومة كلها دفعة واحدة.

لكن المواد المنشورة حتى الآن لا تشرح بالتفصيل نمط الربط بالشبكة، ولا ما إذا كانت المحطة مزودة بأنظمة تخزين، ولا كيف ستوزع الطاقة المنتجة زمنياً وجغرافياً. وهذه ليست تفاصيل ثانوية، لأن الحكم على الأثر الفعلي لا يقوم على الاستطاعة الاسمية فقط، بل على ساعات الإنتاج، واستقرار الربط، وقدرة الشبكة المحلية على استقبال الكهرباء وضخها إلى المستهلكين في الوقت المناسب.

أثر محلي لا وطني

حين توضع المحطة في سياق القطاع كله، يتضح حجمها الحقيقي. فالبنك الدولي يقول إن خدمات الكهرباء في سوريا كانت تدور في 2025 ضمن متوسط يتراوح بين ساعتين وأربع ساعات يومياً، وأن الوقود المتاح كان يكفي لتشغيل المنظومة عند نحو 1800 ميغاواط فقط. كما يبين أن إجمالي الطاقة التي زودتها المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء انخفض إلى 17.1 تيراواط ساعي في 2024، فيما ارتفعت الطاقة غير المخدمة إلى 25.4 تيراواط ساعي.

على هذه الخلفية، يبدو واضحاً أن إنتاجاً سنوياً يتجاوز 5 ملايين كيلوواط ساعي لن يغير أزمة الكهرباء السورية على المستوى الوطني، لأن هذا الرقم يظل حصة صغيرة جداً من حجم النقص الكلي. ومع ذلك، فإن الأثر المحلي قد يكون مختلفاً تماماً. فمحطة متوسطة الحجم، موصولة بشكل جيد، يمكن أن تخفف الحمل نهاراً على بعض المخارج أو المناطق، وأن تدعم مرافق قريبة مثل آبار المياه والمراكز الصحية والمدارس والورش الصغيرة، وأن تقلل حاجة بعض المواقع إلى بدائل أكثر كلفة وأقل استقراراً. هنا تحديداً تظهر قيمة المشروع. ليس كحل وطني شامل، بل كأداة موضعية يمكن أن تصنع فرقاً ملموساً في مكان محدد إذا توافرت لها البنية المناسبة.

اللامركزية حين تصبح خدمة

دراسة للبنك الدولي حول الطاقة الشمسية الموزعة تشير إلى أن التوليد القريب من المستهلكين لا يخفض فقط الاعتماد على الشبكة المركزية، بل يمكن أن يحد من استخدام مولدات الديزل، وأن يوفر تغذية احتياطية أقل كلفة، وأن يؤجل أحياناً بعض نفقات التوسعة في شبكات النقل والتوزيع.

وفي الحالة السورية، تبدو هذه الفكرة أكثر إلحاحاً من غيرها. فالبنك الدولي يذكر أن كثيراً من السوريين لجؤوا إلى حلول مكلفة خارج الشبكة، وأن كلفة الكهرباء من المولدات الخاصة قد تصل إلى 1.10 دولار للكيلوواط الساعي، بينما بلغت الكلفة التقديرية لتوريد الكهرباء عبر الشبكة نحو 12.5 سنتاً للكيلوواط الساعي في 2023. الفجوة هنا ليست مالية فقط، بل خدمية أيضاً. أكثر من 70 بالمئة من المستشفيات العامة في سوريا تعاني كهرباء غير موثوقة، و41 بالمئة منها غير قادرة على الحفاظ على سلاسل تبريد اللقاحات، وأكثر من نصفها يتعرض لاضطراب في خدمات التشخيص بحسب وثائق البنك الدولي. وفي 2026 أعلنت الأمم المتحدة الإنمائية عن برامج لإضافة قدرة توليدية في محطات مركزية، وعن إدخال حلول طاقة متجددة لضمان استمرارية الرعاية في مراكز صحية ومرافق عامة.

وهذا يعني أن النقاش حول الكهرباء اللامركزية لا ينبغي أن يبقى محصوراً في عدد الميغاواطات، بل في السؤال الأهم، وهو أين يجب أن توضع هذه القدرة أولاً، ومن هي الخدمات التي تكسب أكثر حين تحصل على كهرباء مستقرة في النهار، ولو ضمن نطاق جغرافي محدود.

الشبكة لا تختفي

كل ذلك لا يلغي حقيقة أساسية. اللامركزية ليست بديلاً كاملاً من الشبكة العامة، ولا تستطيع وحدها إصلاح الاختناقات الكبرى في منظومة متهالكة. البنك الدولي يقدر أن نحو 40 بالمئة من بنية النقل والتوزيع في سوريا ما زالت متضررة، وأن الاحتياجات العاجلة لإعادة تأهيلها تقارب مليار دولار.

ولهذا جاء تمويل بقيمة 146 مليون دولار لإصلاح خطوط ومحطات تحويل متضررة ودعم قدرة القطاع على التعافي، بالتوازي مع مشاريع أخرى أعلنتها الأمم المتحدة الإنمائية لإعادة 120 ميغاواط في دير علي والحفاظ على ما يصل إلى 540 ميغاواط في جندر.

وفي الاتجاه نفسه، تظهر الإعلانات الرسمية عن مشروعات أكبر حجماً أن الدولة تنظر إلى الطاقة الشمسية بوصفها جزءاً من مزيج أوسع، لا بديلاً منفرداً. فوزارة الكهرباء تحدثت في 2024 عن مذكرة تفاهم لمشروعات طاقات متجددة باستطاعة 100 ميغاواط شمسياً و50 ميغاواط ريحياً، كما طُرح في 2025 طلب عروض لمحطة كهروضوئية باستطاعة 100 ميغاواط وفق نظام البناء والتملك والتشغيل.

بالمقارنة مع هذه الأحجام، تبدو محطة طيبة التركي أقرب إلى نموذج محلي متوسط الحجم، يصلح للاختبار والتكرار، لا إلى مشروع قادر بمفرده على نقل القطاع إلى وضع جديد. وربما هذه هي القراءة الأدق لها.

متى تصبح نموذجاً فعلياً

لن تتحول تجربة طيبة التركي إلى نموذج محلي لمجرد أنها افتتحت، ولا لمجرد أن قدرتها المعلنة تبدو مشجعة. النموذج يبدأ حين تصبح النتائج قابلة للقياس والتكرار. هذا يعني نشر بيانات فعلية عن الإنتاج الشهري، والخط أو المنطقة التي تستفيد من التغذية، ومقدار التحسن في ساعات الوصل، وحجم الانخفاض في الاعتماد على البدائل المكلفة.

ويعني أيضاً أن تُربط المشروعات اللاحقة بأولويات خدمية واضحة، مثل المياه والصحة والتعليم وبعض التجمعات الصناعية والزراعية، لا أن تبقى مجرد استثمارات منفصلة لا يعرف الجمهور أثرها بدقة. ومن الناحية التنظيمية، تبدو الأرضية متوافرة جزئياً، لأن وثائق البنك الدولي تشير إلى أن قانون 41 لعام 2022 أتاح للقطاع الخاص التوليد، وسمح بعقود شراء الطاقة، وبالعبور الكهربائي، وبصيغ الاستهلاك الذاتي.

لكن تحويل هذه الأرضية إلى موجة استثمارية مستقرة يحتاج أكثر من النص القانوني. يحتاج سرعة ترخيص، ووضوحاً في التسعير، وشبكات محلية قادرة على الاستيعاب، وآليات تمويل تخفف كلفة الدخول، وربما حلول تخزين في المواقع التي تتطلب استمرارية أعلى.

الخلاصة أن محطة طيبة التركي الشمسية لا تمثل حلاً لأزمة الكهرباء السورية، ولا يوجد في الأرقام ما يبرر هذا الاستنتاج. لكنها قد تمثل شيئاً آخر أكثر تواضعاً وأكثر فائدة. قد تمثل برهاناً محلياً على أن مشروعاً متوسط الحجم، قريباً من الاستهلاك، يمكن أن يخفف الضغط نهاراً على جزء من الشبكة، وأن يحسن خدمة محددة إذا حُسن ربطه وتشغيله.

إذا تكررت هذه التجربة ضمن سياسة واضحة، ومع بيانات معلنة، وبالتوازي مع إصلاح الشبكة العامة، تصبح نموذجاً فعلياً. أما إذا بقيت حالة منفردة بلا قياس ولا تكرار، فستظل خبراً جيداً أكثر مما هي تحولاً مستقراً في قطاع الكهرباء.

اقرأ أيضاً: الكهرباء كمدخل لعودة الاستقرار: هل تربط مشاريع الطاقة بين التعليم والصحة والمياه؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.