شركات

تبرير رفع سعر الكهرباء بالتكاليف: نكتة سمجة في قاموس الفشل الحكومي

تبرير رفع سعر الكهرباء بالتكاليف: نكتة سمجة في قاموس الفشل الحكومي

مقال رأي – عروة درويش – تبرير رفع سعر الكهرباء بالتكاليف: نكتة سمجة في قاموس الفشل الحكومي

بعد رفع أسعار الكهرباء من قبل الحكومة، وسيلُ التبريراتِ الرسمية عن أنّ «التكلفة لم تكن حقيقية» وأنّهم يقومون فقط بتصحيحها، علينا أن نتذكّر قاعدة ثابتة في الاقتصاد السياسي: الحكومة التي تفشل في إدارة مرفقٍ عام – سواء بسبب قلة الكفاءة أو بسبب الارتهان لقوى الفساد الكبرى التي تريد استخراج الربح على حساب الناس – يظهر الشعار نفسه: «نحن لا نرفع الأسعار، نحن نصحّحها». هذا الخطاب أصبح عَلامةَ كلّ حكومةٍ فاشلة تحاول إخفاء عجزها البنيوي.

لكنّ الحقيقة أنّ رفع التعرفة أو الأسعار لا يصحّح شيئاً، بل يكرّس فشلاً مزدوجاً: فشلاً في فهم ماهية الدولة وإدارتها، وتواطؤاً في فهم الاقتصاد وإدارته. فالدولة ليست شركةً تبحث عن الربح، والمواطن ليس «زبوناً» في متجر الكهرباء والماء والتعليم يجب عليه أن يقبل بإبقاء «شركة الدولة» رابحة.

أولاً: أكذوبة «السوق هو الحل»

إنّ ما تستمر الحكومة بترديده عن السوق والإصلاح وغيرها، ليست فكرةً جديدة، بل هي فكرةٌ وجدت رواجاً وانتشاراً لها منذ الثمانينات، وحملت اسماً يختصرها بنظريتها وآثارها: «النيوليبرالية Neo-Liberalism». 

روّجت النيوليبرالية لوصفةٍ واحدة: انسحاب الدولة وفتح الطريق للسوق. لكن التجارب في الجنوب العالمي أثبتت العكس تماماً. عندما تُدار الدولة بمنطق «الزبون» و«الكلفة»، تتحوّل إلى جهاز جباية يضمن ربح القطاع الخاص بدلاً من أن يضمن الخدمة العامة.

حتّى البنك الدولي، وهو من المؤسسات التي كانت – ومازالت – تدفع نحو الخصخصة والسوق والتقشف، لم تستطع منذ عام 1997 في «تقرير التنمية العالمي» أن تنكر بأنّ الدولة ليس عليها التنحي لأجل السوق، بل عليها أن تشكّل السوق وتوجّه الاستثمار وتبني المؤسسات. الدولة الفاعلة ليست تلك التي «تتراجع» أمام السوق، بل تلك التي تُشكّل السوق، وتوجّه الاستثمار، وتبني المؤسسات.

ثانياً: دروسٌ من تجارب فاشلة

إنّ الدرب الذي تسير فيه الحكومة السورية ليس بالدرب الصعب التنبؤ بمآله: الوصول إلى خصخصة القطاع الكهربائي، إمّا بشكل مباشر عبر تسليمه لشركات أجنبية بذريعة جذب الاستثمارات، أو بشكل غير مباشر عبر التعاقد بشكل أو بآخر مع منتجين خاصين والبقاء في موقع الوساطة كي تضمن تدفق الربح لهؤلاء المنتجين، دون الاضطرار لمكاشفة شعبية تجعلها موقع الاتهام والسخط الشعبي.

من هنا، يبدو مناسباً استحضار بعض التجارب الفاشلة من التي تشبه تجربة الحكومة:

  • باكستان: «مدفوعات القدرة» التي أفلست الدولة

حين خُصخص قطاع الكهرباء ووُقّعت عقود مع منتجين خاصين، ضمنت الحكومة لهم أرباحاً حتى عندما لا يُنتجون. تراكم ما يُعرف بالدَّين الدوّار، واضطرت الدولة إلى رفع الأسعار مراراً لسداد فواتير لا تُقابلها خدمة أفضل. النتيجة: فواتير أغلى وكهرباء أقل.

  • نيجيريا: عشر سنوات من «إصلاح السوق» بلا كهرباء

بعد خصخصة القطاع عام 2013، توقّع الجميع تحسناً في الكفاءة. لكن بعد أكثر من عقد، أقرّ البنك الدولي نفسه بأنّ الخدمة لم تتحسّن، وأنّ الشركات الجديدة غرقت في الديون. المواطن يدفع أكثر مقابل مولّدٍ خاص، والحكومة تدفع تعويضاتٍ للمستثمرين.

  • لبنان: التعرفة أولاً… والإصلاح لاحقاً

رفعت الحكومة اللبنانية تعرفة الكهرباء عام 2022 على أساس «الكلفة»، لكن من دون معالجة الهدر والجباية والعقود. النتيجة أن ساعات التغذية بقيت في حدود ساعتين يومياً، فيما أصبحت الفاتورة أعلى من دخل مئات آلاف الأسر.

هذه الحالات تُظهر خللاً جوهرياً تريد الحكومة السورية أن تصل إليه بشكل متعمّد: تحوّل الدولة إلى ضامنٍ لأرباح الشركات الخاصة، بدل أن تكون ضامناً للخدمة العامة.

ثالثاً: المواطن ليس زبوناً

ربّما الأهمّ من الحجاج الاقتصادي، هو العودة إلى أساسيات فلسفة الدولة، فحين تُعامل الدولةُ المواطنَ بوصفه زبون، فهي تفقد جوهرها. فالكهرباء – وبقية الخدمات الأساسية من مياه وإنترنت وسكن وتعليم وصحّة – ليست «سلعاً»، بل بنية تحتية تُشغِّل الاقتصاد بأكمله، وتفسح المجال أمام المواطنين للانتقال إلى الأعلى في السلم الاجتماعي.

الكثير من المؤسسات لديها دراسات واضحة حول الأمر، يحضرني منها دراسات منظمة «أوكسفام Oxfam» التي تبيّن بشكل لا يحتمل التأويل، بأنّ رفع الأسعار لا يؤدي إلى العدالة أو الكفاءة، بل إلى نقل العبء من الأغنياء إلى الفقراء.

رابعاً: الكارثة البنيوية – «التحوّل قبل الأوان»

أظهر الاقتصادي داني رودريك أنّ دول الجنوب بدأت تفقد قطاعها الصناعي باكراً قبل بلوغ مستويات الدخل التي وصلت إليها الدول الصناعية. السبب: السياسات النيوليبرالية التي كسرت أدوات الدولة في التخطيط والتصنيع، وأجبرتها على الاكتفاء بدور «المُنظِّم» لا «الفاعل».

أصبحت الدولة هنا مجرّد جهازٍ ينظّم حصول الأغنياء وأصحاب الأموال الاستثمارية على الريع من المواطنين، وليس جهازاً منظماً فاعلاً بخطط تحوّل الاقتصاد إلى إنتاجي قادر على حجز مكانٍ له في العالم الحديث.

خامساً: كيف تعيد الدولة بناء نفسها؟

الجواب المختصر: ليس في التسليم الكلّي للسوق، فالحلّ في دولةٍ منتِجة تستثمر وتملك وتُدير باحتراف، وتستخدم السوق كأداة لا كوصيّ. يمسي هذا قابلاً للتطبيق عندما ننظر إلى تجارب الدول التي كسرت حلقات الريع، بدءاً من الصين، مروراً بسنغافورة التي يحبون إدماجها في خطابهم، وصولاً إلى جميع الدول التي عرفت كيف تحدد مزاياها المطلقة وتستفيد منها في الاقتصاد العالمي.

لدى سوريا الكثير من المزايا المطلقة التي لا ينافسها فيها أحد، لكنّ تحوّل هذه المزايا إلى منتج حقيقي يحتاج إلى بناء سلسلة توريد تغطي كامل مراحل الإنتاج، وصولاً للمنتج النهائي الذي يدرّ الكثير من المال على الدولة، دون الحاجة للاستعانة بالضرائب أو رفع الأسعار.

الدولة ليست مجبرة على الجباية، ومن يختزل دور الدولة بذلك هو إمّا جاهل، أو متواطئ مع المستفيدين من الريع. يمكن للدولة أن تمتلك شركاتٍ تعمل بقواعد السوق وتدرّ أرباحاً تموّل الموازنة والخدمات وغيرها. الأمثلة التالية للاستئناس:

  • تيمسيك القابضة «سنغافورة»: شركة حكومية تدير محفظة بقيمة تفوق 280 مليار دولار وتقدّم أرباحاً سنوية للخزينة.
  • صندوق النفط النرويجي: يستثمر عائدات النفط عالمياً ويغطي نفقات الرفاه الداخلي.
  • كاسا دي ديبوزيتي الإيطالية وكاس دي ديبو الفرنسية: تموّلان مشاريع البنية التحتية وتحققان أرباحاً مستدامة.

وقد تقصدت عدم إيراد أمثلة من الصين أو فيتنام حيث النظام الحاكم شيوعي، وذلك حتّى يكون «النمط الغربي» هو المثال هنا، لكنّ تجربة الصين وفيتنام في الأمر يجعل لزاماً على أيّ دولة تريد النمو والنهوض بمواطنيها أن تدرسها وتتعلّم منها. النموذج الصيني والفيتنامي في الشركات المملوكة للدولة يبرهن أنّ الملكية العامة لا تعني غياب الربح بل توجيهه نحو التنمية.

يمكن للمؤسّسات الحكومية أن تُدار كمؤسساتٍ اقتصادية تخضع لمؤشرات كفاءة ومحاسبة، ونظام سياسي ديمقراطي يحمي هذه المؤسسات والحكومة التي تديرها من أن تتحوّل إلى استبداد جديد. 

يمكن للدولة أن تنشئ شركات مشتركة تحتفظ فيها بالأغلبية وتشارك الأرباح. نموذج بتروناس الماليزية وإكوينور النرويجية يثبت جدوى هذا المسار.

يمكن للدولة أن توظّف فوائض الموارد أو أرباح الشركات العامة في صناديق تنمية قطاعية «كالطاقة المتجددة أو التصنيع الغذائي»، فتخلق دورة تمويلٍ اقتصادي لكل شركة عامة ناجحة ذاتية، لتبتعد بذلك عن الضرائب. 

وبدلاً من انتظار المستثمر الأجنبي، يمكن تأسيس مصارف تنمية وطنية تموّل المشاريع الإنتاجية بالتشارك مع القطاع الخاص، كما فعل بنك التنمية الألماني KfW وبنك التنمية البرازيلي BNDES.

الدول التي تعتمد على الضرائب والتعريفات فقط تُشبه المريض الذي يعيش على نقل الدم، أما الدول التي تنتج وتستثمر فهي التي تبني اقتصاداً حياً.

المسألة ليست إيديولوجية بل تفكير عملي، فالدولة التي تملك وتدير وتُحاسب قادرة على تمويل خدماتها بعدالة وكفاءة. أما الدولة التي تتنصّل من مسؤوليتها وتترك السوق يقرّر مصير الناس، فمصيرها أن تتحوّل إلى محاسبٍ في شركةٍ لا ربّ لها.

الدولة مشروعٌ جماعيّ للإنتاج والعدالة، لا شركة لتحصيل الكلفة. والمستقبل لن يكون للأرخص أو للأغنى، بل للأكثر قدرة على تحويل السوق إلى أداةٍ في خدمة الإنسان، لا الإنسان إلى زبونٍ في خدمة السوق.

ما هو رأي أولئك الذين يريدون إبهارنا بادعاءات «الواقعية» الاقتصادية، والحاجة إلى أسعار تعكس التكلفة؟ هل سيستمرون في «التهريج» الاقتصادي؟

اقرأ أيضاً: من التاريخ إلى صفحات المناهج: معركة الذاكرة حول جمال باشا والسلطنة العثمانية

—————————————————————————

يفتح موقع «سوريا اليوم 24» صفحاته لكل من يحمل رأياً ويرغب في التعبير عنه بحرّية ومسؤولية، إيماناً منا بأن الحوار هو السبيل الأمثل لفهم الواقع وصياغة المستقبل. نحن نُجري لقاءاتنا مع ضيوف من مشارب فكرية وسياسية متعددة، نستمع إليهم ونعرض ما لديهم بأمانة وموضوعية، وننقل الآراء المختلفة من مصادر متعددة. ولكن نشرنا لآرائهم لا يعني بالضرورة تبنّيها، بل يأتي في إطار رسالتنا الهادفة إلى ترسيخ ثقافة الحوار وتبادل الرؤى في فضاء من الاحترام والانفتاح.

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.