بقلم هلا يوسف
عانى المجتمع السوري منذ التحرير من التعبئة الشعبوية القائمة على منطق: “أقليات وأكثريات”، و”من يحرر يقرر”، و”الأقاليم الانفصالية كحل وحيد”… الخ، والتي وجد الكثير من السوريين على مختلف توجهاتهم أنها مشاريع خلبية تدمّر سوريا في محصلتها. فمع نشوة الحرية التي فسرها البعض بأنّها صك دائم يمنح سياسيين وإعلاميين ومؤثرين محددين حق “التبعية العمياء” للسلطة، ظهر في المقابل سياسيون وإعلاميون ومؤثرون يتخذون من كل ثغرة أو خطأ سبباً لشن هجوم لاذع على السلطة الجديدة، لا من أجل تصحيح المسار، بل من أجل “زرع” موطئ قدم لهم ضمن السلطة، علّهم ينالون “لحسة إصبع” من مقدرات البلد. وبين الطرفين السابقين يوجد شعب الأكثرية الحقيقية الذي بدأ يبحث عن طرق مختلفة للتعبير عن نفسه، مدفوعاً بواقع اقتصادي هش لم يفرّق بين طائفة وأخرى، بل شمل الجميع. فهل تستطيع هذه الأكثرية الحقيقية أن تسلك مساراً يطالب بلقمة العيش أم يتعرضون للاستغلال من قبل الساعين لتحقيق المكاسب الشخصية؟
ضمن هذا المشهد، بدأت علامات ظهور “الأكثرية” السورية الحقيقية، الفقيرة المتعبة والمنهكة من الحرب والأوضاع الاقتصادية، تتبلور بشكل أوضح:
- مع احتجاجات الكهرباء التي لم تتوقف منذ صدور قرار رفع الأسعار، المجحف بحق شعب صنفته الأمم المتحدة أنه بمعظمه تحت خط الفقر.
- وكذلك مع إضراب معلمي الشمال الذين وجدوا أن الصوت يجب أن يترافق مع عمل، لذلك كان التوقف عن الدوام ملجأهم الوحيد.
- ليتبعه إضراب معلمي الساحل الذين رفضوا تغيير مراكز العمل، لا لشيء سوى لعدم كفاية الرواتب للسكن خارج محافظاتهم وبعيداً عن أسرهم.
- ومن ثم احتجاجات أصحاب البسطات في كافة المحافظات على إزالة إشغالاتهم في بعض الحالات، وفي أحسنها نقلها إلى مناطق يرونها غير مناسبة لعملهم.
- ولا يمكننا طبعاً أن ننسى إضرابات المفصولين من وظائفهم بعد سنوات طويلة من الخدمة، والذين تُركوا لغياهب الفقر لتلتهمهم.
الأمر الأهم في هذه الاحتجاجات، أن أصحابها لا يجمعهم منطق تقسيمي مدمّر، ولا لغة المناصب التي يطمح إليها الكثير من الشخصيات الانتهازية، الذين وصل بعضهم إلى مبتغاه بالفعل. بل إن ما جمعهم هو لغة البقاء والدفاع عن لقمة يحصلون عليها بشق الأنفس.
لكن بالرغم من ذلك، لا يزال هناك من يسعى لحرف هذه الاحتجاجات عن مسارها، إمّا لأنّه يراها كفرصة لركوب موجة الهجوم على السلطة الجديدة بغية توسيع الشرخ الاجتماعي بين مؤيديها ومعارضيها، أو ربّما الحصول على مكاسب مالية وسياسية على حساب الناس.
دور الأحزاب.. انتهازية سياسية أم تمثيل حقيقي
منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، تشكلت أحزاب وائتلافات خارجية وداخلية لجمع مطالب الشعب وصياغتها بما يخدم مشروع الثورة.
وفي الوقت الذي كانت فيه المعارضة الداخلية قريبة من واقع الشعب لكن مكتومة الصوت نوعاً ما، كانت المعارضة الخارجية عالية الصوت لكنها بعيدة عن واقع الشعب الذي كان يُقتل ويُعتقل، إضافة إلى الفرق الواضح في مستوى المعيشة الذي كانوا يتمتعون به مقارنة بالشعب، وهو أحد الأسباب الذي أعاق قدرتهم على التوصل إلى نتائج ملموسة لإنهاء معاناة الناس. بعد سقوط النظام، لم يجد هؤلاء داخل سوريا مؤيدين لهم، ما دفع كثيرين منهم إلى محاولات حرف احتقان الناس بغية استخدامه لإدامة نفوذهم الشخصي، كما أسلفنا.
لكن تجدر الإشارة هنا إلى أن الكلام السابق لا ينفي وجود كيانات وأحزاب خارجية كان همها المواطن، وعملت بكامل جهودها لإنهاء حالة العنف التي كانت تسود سوريا. واليوم تعود هذه الأحزاب للعمل من داخل سوريا وتحاول تشكيل نفسها شعبياً عبر مطالب الشعب الخدمية والمؤسساتية.
هنا يبرز الاختلاف بين الانتهازية السياسية والمشروع السياسي الحقيقي، والذي يجب على الناس أن تنتبه له.
مع تصاعد الاحتجاجات على الأوضاع المعيشية وغلاء الأسعار، برزت فئة من السياسيين الانتهازيين الذين يركبون أي موجة للوصول إلى مكاسب شخصية، والحديث هنا يشمل طرفي السلطة والمعارضة الجديدة بتطرفها الحاد ضد بعضها. ففي الوقت الذي يعجز فيه المواطن عن تأمين قوت يومه، يجد البعض من الساسة الجدد سواء في الداخل أو الخارج طريقه إلى السلطة عبر رفع شعارات، في شكلها تخدم المواطن، لكن في مضمونها لا تعدو كونها محاولة لتحقيق نصر سياسي بحت.
يتغافل كثيرين من هؤلاء الانتهازيين الجدد، في السلطة أو خارجها، بأنّ الشعب لا يتم “سوقه”، بل هو من يشكل أحزابه السياسية عبر الالتفاف حول البرامج السياسية التي تستطيع إيصال صوتهم وتحقيق تغيير ملموس على أرض الواقع. فالسياسي الحقيقي، والحزب السياسي الجاد، يحمل في مشروعه برنامجاً واضحاً ينطلق من الشعب قولاً وفعلاً، ويرتكز في مضمونه على فكرة الوطنية.
وبما أن الأحزاب السياسية تعمل على التعبئة العامة ضمن الأطر التنظيمية السلمية للمطالبة بالحقوق العامة من إصلاحات وتحسين مستوى المعيشة، يصبح الحديث هنا عن وجوب وجود هياكل تنظيمية أبسط من فكرة حزب سياسي، مهماً. تقع على هذه الهياكل مهمة السعي للتخفيف من محنة الناس. هنا يصبح من الضروري الحديث عن دور التنظيمات المجتمعية، مثل النقابات والاتحادات ومنظمات المجتمع المدني، التي يجب أن تقولب الاحتجاجات السابقة، وتنادي بحقوق مجتمعاتها ضمن الأطر القانونية.
اقرأ أيضاً: مرحلة التحول الكبير: قراءة في السياسة والاقتصاد مع الدكتور عبيدة نحاس
دور التنظيمات المجتمعية
بالنظر إلى الاحتجاجات التي ذكرناها، والتي خرجت من أجل الكهرباء أو التعليم أو المعيشة أو الفصل من الوظائف. نلاحظ أن جميعها كان بالإمكان قولبتها ضمن تنظيمات تتحدث باسمها، بحيث تكون على احتكاك مباشر مع السلطة.
يجعلنا هذا نطرح تساؤلات حول دور النقابات بوصفها من أشهر التنظيمات المجتمعية في تنظيم مطالب عمالها وأعضائها دون التحول إلى حزب سياسي، وبوصفها موجودة في سوريا أكثر من غيرها من أشكال التنظيمات الاجتماعية الأخرى. هنا لا بد من استعراض دور النقابات خلال عقود مضت، لنفهم الديناميكية التي أدّت لعدم تمثيل هذه النقابات للناس اليوم، وعبثية تمثيلهم الحالي الذي يفسح الفرصة للانتهازيين للوصول بسرعة، وتصدّر الساحة.
لم تكن النقابات والاتحادات في سوريا مجرد مؤسسات مهنية عادية، بل لعبت تاريخياً دوراً أساسياً في تنظيم المجتمع وتمثيل فئات واسعة من الناس، سواء في المجال العمالي أو المهني أو الطلابي. فقد شكلت مساحة للتعبير والدفاع عن الحقوق، وأحياناً كانت أيضاً جزءاً من النقاش السياسي العام في البلاد.
تعود بدايات العمل النقابي في سوريا إلى فترة مبكرة من تاريخ نشوء الدولة السورية الحديثة. ففي عام 1921 تأسست نقابة المحامين، وتعد أول نقابة مهنية في سوريا، وقد لعبت دوراً مهماً في العمل القانوني والسياسي خلال فترة الانتداب الفرنسي، وكان من أبرز رموزها المحامي فارس الخوري. ومع توسع الحياة السياسية في تلك المرحلة، بدأت تتشكل نقابات واتحادات أخرى، خصوصاً مع تنامي الحركة الوطنية.
ففي عام 1928 برز الحراك الطلابي في الجامعات السورية، وتطور فيما بعد ليشمل تظاهرات عام 1929 احتجاجاً على خفض ميزانية الجامعة، ثم انعقد أول مؤتمر طلابي في حماة عام 1932، تلاه إضراب طلابي كبير عام 1936 استمر نحو ستين يوماً. وفي السياق نفسه، ومع صعود الكتلة الوطنية وإجراء أول انتخابات نيابية عام 1932، توسعت أشكال التنظيم المجتمعي بشكل واضح.
في عام 1934 تأسس “اتحاد نقابات عمال دمشق”، ثم في عام 1938 تأسس “الاتحاد العام لنقابات العمال”. ومع اقتراب الاستقلال، بدأ التنظيم النقابي يأخذ طابعاً أكثر رسمية، حيث صدر أول قانون للنقابات عام 1948، وبحلول عام 1955 كان هناك نحو 25 نقابة في سوريا.
بعد الاستقلال، دخلت النقابات مرحلة جديدة من التنظيم، لكنها بقيت تتأثر بالتحولات السياسية العامة في البلاد. إلا أن التحول الجذري جاء مع وصول حزب البعث إلى السلطة. ففي عام 1967 صدر المرسوم التشريعي رقم 84، الذي وضع النقابات تحت سيطرة الدولة والحزب، وشمل ذلك نقابات العمال والمهنيين والطلاب. ثم جاء دستور عام 1973، الذي نص في مادته الثامنة على أن حزب البعث هو القائد للدولة والمجتمع، مما عزز هيمنة الحزب على مختلف مؤسسات المجتمع، بما فيها النقابات.
خلال هذه المرحلة، تصاعدت حالات التضييق على العمل النقابي، ووقعت اعتقالات بحق ناشطين نقابيين وطلاب. ومن أبرز الأحداث في هذا السياق إضراب عمال حقل الرميلان عام 1979 في شمال شرق سوريا، والذي استمر أربعة أيام، واعتُبر حينها مؤشراً على التوتر بين السلطة وبعض القطاعات العمالية.
في نهاية السبعينيات، وبعد خسارة مرشحي الحزب في بعض انتخابات النقابات المهنية مثل نقابتي المهندسين والصيادلة، اتخذت السلطة قراراً حاسماً، عبر حل النقابات المهنية في 7 نيسان 1980، تلاه قرار في 10 نيسان بتعيين قيادات جديدة مقربة من السلطة. وبعد أحداث حماة عام 1982، ترسخ بشكل كامل تحويل النقابات إلى مؤسسات خاضعة للسلطة السياسية والأمنية.
بعد ذلك تم تثبيت هذا الواقع عبر قوانين إضافية، مثل القانون رقم 1 لعام 1985 المتعلق بالعاملين في الدولة، مما جعل النقابات عملياً جزءاً من منظومة الدولة الأمنية والسياسية، وليس مؤسسات مستقلة تمثل أعضائها.
ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، ظهر بوضوح مدى تراجع الدور الحقيقي للنقابات، حيث انحازت معظمها إلى جانب السلطة، وفقدت ما تبقى من ثقة الشارع بها. وهنا يؤكد الباحثون أن المشكلة ليست في وجود النقابات شكلياً، بل في فراغها من مضمونها الحقيقي.
أما في الحديث عنها في ظل المرحلة الانتقالية، لا بد من الإشارة إلى أن الانطلاق الآن في تمثيل العمال والفلاحين والصناعيين وغيرهم لن يبدأ من الصفر، بل من إعادة هيكلة دور هذه النقابات، وتعديل البيئة القانونية التي فرضت عليها سابقاً أن تكون ذراع للسلطة. ويوضح هذا الأمر المحامي والباحث القانوني عارف الشعال الذي أكد أن النقابات ما زالت تمتلك هياكل قانونية قائمة، لكنها تحتاج إلى إعادتها لدورها الحقيقي.
كما أشار إلى أن النقابات في المرحلة الحالية يمكن أن تلعب دوراً أوسع من مجرد الدفاع عن الحقوق المهنية، إذ يمكن أن تتحول إلى قوة تدفع باتجاه بناء دولة القانون وترسيخ استقلال القضاء والفصل بين السلطات، إذا استطاعت استعادة استقلالها.
وفي مجال إصلاح دور النقابات، يلفت المحامي والباحث أحمد قربي، الذي شارك في لجنة صياغة الإعلان الدستوري السوري، إلى أن إعادة بناء النقابات تحتاج إلى ثلاثة عناصر أساسية: بناء المؤسسات، وتعزيز الوعي المجتمعي، وإعادة بناء الثقة بين الناس والدولة. ويحذر من أن غياب هذه البيئة قد يؤدي إلى فوضى في المجال العام بدل تنظيمه.
في النهاية، الاحتجاجات الشعبية التي بدأت بالتوسع يوماً بعد يوم ليس لها غايات سياسية واضحة ومباشرة، بل يمكننا ملاحظة أغلبها يرفع شعار “بدنا نعيش”. لكن لا يمكن أن تُحدث هذه الاحتجاجات تأثيرها الملموس دون دور تنظيمي وقانوني يكفل لها إيصال الصوت مثل الأحزاب السياسية والسياسيين الذين تتمثل مهمتهم بالسعي إلى قولبة مطالب الشعب، بالإضافة إلى التنظيمات المجتمعية التي يجب أن تكون صوت لهؤلاء، ومرجع لكل عامل يطالب بتحسين مستوى معيشته.
اقرأ أيضاً: بصراحة: الأكثرية «للطوابير» لا «للمذهب»!