بقلم هلا يوسف
تشكل ظاهرة الاستيراد الوهمي إحدى التحديات المخفية التي تبدو للوهلة الأولى غير مؤثرة، لكن في العمق تضرب الاقتصاد السوري في كافة جوانبه. وإذا نظرنا إلى واقع البلد اليوم، فلا نحتاج للحديث كثيراً عن مدى الاضطراب والتحديات التي تواجهه. فثغرة صغيرة كعدم دراسة خطوة الاستيراد، أو وجود محاولات احتيال كفيلة بأن تقلب الموازين لصالح كفة الفساد.
ويمكن القول أن الاستيراد الوهمي يعتمد على تسجيل عمليات استيراد غير حقيقية أو تضخيم قيمتها، بهدف تحويل الأموال إلى الخارج أو تحقيق أرباح غير مشروعة، دون دخول البضائع فعلياً. وتتعدد أساليب هذه الممارسات بين تقديم فواتير مزورة أو مبالغ فيها، وتحويل الأموال بحجة الاستيراد دون وصول السلع، أو إدخال كميات أقل أو سلع مختلفة عن المصرح بها.
تؤثر هذه الظاهرة بشكل كبير على الاقتصاد، وتحمل في طياتها مخاطر كبيرة، من بينها تهريب العملات الأجنبية، واستنزاف الاحتياطي النقدي، والتهرب الضريبي، وإلحاق الضرر بالتجار والصناعيين الملتزمين بالقانون. كما تؤثر سلباً على البيانات الاقتصادية التي تعتمد عليها الحكومة في التخطيط، مما يجعل السيطرة على هذه الممارسات أولوية ملحة.
إجراءات وزارة المالية لمكافحة الاستيراد الوهمي
انتبهت الجهات المعنية لمدى خطورة هذا الجانب، لذلك أصدرت وزارة المالية بالتنسيق مع الهيئة العامة للمنافذ والجمارك قرارين يهدفان إلى ضبط حركة الاستيراد ومكافحة التهرب الضريبي، بحيث يفرض القرار الأول تحصيل سلفة ضريبية بنسبة 2% من قيمة فاتورة الاستيراد، لتكون دفعة على الحساب تخصم لاحقاً من الضريبة المستحقة، بينما يلزم القرار الثاني المستوردين بالحصول المسبق على براءة ذمة مالية، مع منح فترة سماح لتسهيل العمليات.
وأوضح وزير المالية يسر برنية أن هذه الإجراءات لا تشكل ضريبة جديدة، بل تهدف إلى تعزيز الشفافية والرقابة على عمليات الاستيراد، مع ضمان سيولة مالية مستمرة للخزينة طوال العام، وحماية المكلفين من آثار تقلب أسعار العملات. وتستثنى من السلفة عمليات الاستيراد التي تقل قيمتها عن 100 ألف ليرة سورية. كما يلزم القرار الجهات الجمركية بتحويل السلف إلى حساب الخزينة المركزية، مع تقديم جداول مفصلة عن المكلفين لضمان دقة البيانات ومتابعة الالتزام الضريبي.
نحو تنظيم السوق وتحقيق العدالة
على الرغم من أن هذه الإجراءات تأتي لصالح الملتزمين في القانون، إلا أن الآراء كانت متباينة. إذ يرى رجل الأعمال ونائب رئيس مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق سابقاً ياسر أكريم، أن هذه الإجراءات قد تشكل عبئاً على المستوردين الصغار، خاصة بعد الإعفاءات الضريبية التي نص عليها المرسوم الرئاسي رقم 69، معتبراً أن سلفة 2% قد تمثل خصماً يصل إلى 20% من أرباح بعض المستوردين، ما قد يرفع أسعار السلع على المستهلك النهائي. كما أبدى قلقه من إمكانية استغلال براءة الذمة المالية من قبل المستوردين الوهميين.
بينما يؤكد محمد الحلاق، نائب رئيس جمعية العلوم الاقتصادية، أن السلفة خطوة مهمة لترتيب ملفات الوزارة، وضمان موثوقية بيانات الاستيراد، خاصة مع اختلاف قيم الفواتير لنفس السلع. ويرى أن ربط الوزن بالرسم الجمركي يوفر توازناً أفضل في احتساب ضريبة الدخل، ويقرب الإجراءات من الواقع الفعلي لنشاط الاستيراد.
في حين يشرح الخبير في العلوم المالية والمصرفية علي محمد، الهدف العملي من القرارين، عبر استيفاء جزء من الضريبة المستحقة بطريقة تدريجية لضمان عدم إرهاق المستورد، مع تعزيز القدرة على ضبط المستوردين الحقيقيين وكشف المستوردين الوهميين. وأكد أن الدفع المسبق للسلفة قبل العملية الجمركية يوضح جدية عمليات الاستيراد، وأن تطوير نظام الربط الإلكتروني سيسرع من إجراءات براءات الذمة ويقلل التأخير.
وفي النتيجة تعمل الإجراءات الحكومية السابقة على تأمين سيولة مستمرة لخزينة الدولة، مع ضمان الحد من الشركات الوهمية، وتطبيق العدالة الضريبية بين المكلفين، وتحسين البيانات الاقتصادية. مما يساهم في تقليل فرص التلاعب في الأسعار وضبط السوق عبر الربط بين الرسوم الجمركية والسلف الضريبية.
ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو قدرة الوزارة على تطبيق هذه الإجراءات بشفافية وفعالية، بحيث لا تؤثر سلباً على نشاط المستوردين أو تزيد الأعباء على المستهلك النهائي، خاصة في ظل وجود مستوردين صغار يعتمدون على مرونة مالية محدودة.
باختصار، تعمل وزارة المالية بشكل كبير على ضبط الأسعار عبر ضبط الجهات المسؤولة عن ارتفاعها غالباً، فحماية الاقتصاد الوطني هي من مسؤولية الحكومة، وبالتالي من واجبها التحكم بطرق الاستيراد بما يعود بالنفع على الإنتاج الوطني والمستهلكين في نفس الوقت. ليكون التحدي القائم حالياً هو قدرة الوزارة على الالتزام بالشفافية من ناحية، وتطوير عمل النظام الاستيرادي باستمرار.
اقرأ أيضاً: خلل ميزان التجارة.. لماذا تتفوق الواردات على الصادرات؟