تقنية

من برلين إلى دمشق: هل تفتح الشراكة السورية-الألمانية باب العودة وإعادة الإعمار معاً؟

من برلين إلى دمشق: هل تفتح الشراكة السورية-الألمانية باب العودة وإعادة الإعمار معاً؟

الكاتب: أحمد علي

ليست كل زيارة رسمية حدثاً نوعياً يبدّل المشهد، فالكثير منها يمرّ مثل صورة جماعية، ثم يبرد سريعاً. لكن زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى برلين تبدو غير بروتوكولية، فتوقيتها مهم وتأتي بلحظة توتر إقليمي ودولي عالية. غير أن الطرفين تحدثا عن ملفين يضغطان على الطاولة دفعة واحدة، عودة السوريين من ألمانيا، وإعادة بناء بلد خرج من حرب طويلة ومكلفة. هنا بالضبط تبدأ أهمية الزيارة، وهنا أيضاً تبدأ حدودها.

الحديث الألماني كان واضحاً إلى حد كبير. قدّم المستشار فريدريش ميرتس الزيارة بوصفها بداية تعاون عملي، لا مجرد فتح قناة سياسية. تحدّث عن برنامج مشترك للعمل من أجل العودة وإعادة الإعمار، وعن فريق عمل مشترك، وعن دعم مالي يتجاوز 200 مليون يورو هذا العام لتثبيت الخدمات الأساسية ودعم المستشفيات والمياه والتعليم المهني. وفي الوقت نفسه، ربط برلين بين أي تقدم وبين الاستقرار السياسي، ونمو الاقتصاد، ووجود شروط قانونية وإدارية تسمح للشركات بالعمل وتسمح للناس بالعودة.

العودة وإعادة الإعمار أولاً

في المقاربة الألمانية، لا تبدو العودة ملفاً منفصلاً عن إعادة الإعمار، بل جزءاً منها. ميرتس قال بوضوح إن كثيراً من السوريين الذين عاشوا في ألمانيا واكتسبوا خبرة ومهارات يمكن أن يلعبوا دوراً مباشراً في إعادة بناء الشركات والمدارس والمستشفيات داخل سوريا. هذا يعني أن برلين لا تنظر إلى السوريين الموجودين لديها فقط بوصفهم عبئاً إدارياً أو قضية لجوء، بل أيضاً بوصفهم مخزون معرفة يمكن أن يتحول إلى جسر عملي إذا توفرت الظروف.

لكن الصورة الألمانية لم تكن ناعمة بالكامل. الخطاب نفسه حمل بعداً داخلياً واضحاً يتعلق بالهجرة والسياسة المحلية. وتحدثت الحكومة الألمانية عن إعادة تقييم الحماية، وعن حاجة إلى تعاون موثوق في العودة، وخصّت بالذكر من لا يملكون أساساً قانونياً للبقاء أو من ارتكبوا مخالفات.

وهنا يظهر الوجه الثاني للزيارة، فبرلين تريد شراكة تساعدها في ملف العودة، لكنها لا تريد أن تقول إن الأمر إنساني أو تنموي فقط. هناك أيضاً حساب ألماني داخلي، انتخابي وإداري وأمني، لا يمكن فصله عن أي حديث عن السوريين في ألمانيا.

ماذا قالت برلين فعلاً؟

من الجانب الألماني، الزيارة قُدّمت أيضاً كفرصة اقتصادية. قبل اللقاء السياسي عُقدت طاولة مستديرة سورية ألمانية جمعت مسؤولين وشركات حول التعافي الاقتصادي وإعادة البناء. الرسالة هنا مباشرة. برلين لا تريد الاكتفاء بالمساعدات، بل تريد انتقالاً إلى صيغة أوسع فيها استشارات، وإصلاحات، ومناخ استثمار، ومشاريع يمكن أن تدخل فيها شركات ألمانية. لذلك لم يكن عرض ميرتس مقتصراً على الدعم العام، بل شمل الحديث عن بناء إدارة فاعلة، وحقول قانونية أكثر وضوحاً، ومشاريع أولية تلقى صدى لدى شركات مثل سيمنز إنرجي وكنوف.

وفي المقابل، لم تُسقط ألمانيا الشروط السياسية والأخلاقية من الحساب. خلال المؤتمر الصحفي شدّد ميرتس على ضرورة أن يكون في سوريا الجديدة مكان لكل السوريين بغض النظر عن الدين أو الانتماء الإثني أو الجنس، وربط التعاون الواسع بوجود دولة قانون وظروف يمكن الوثوق بها.

كما أن النقاش الألماني الداخلي لم يكن صامتاً. فقد نبّهت وسائل إعلام ألمانية وشخصيات سياسية معارضة إلى أن الانفتاح على دمشق لا يجب أن يتحول إلى تجاهل لمسألة حقوق الإنسان وحماية الأقليات، وهذه مسالة مهمة، لأنها تكشف أن برلين تتحرك، لكنها لا تتحرك بلا تحفظات، حتى لو كان الأمر ضمن إطار الدعاية السياسية أو الاستثمار السياسي.

ماذا تعرضه دمشق الآن؟

حاول الخطاب السوري في برلين أن يلتقط هذه اللحظة من زاوية مختلفة، فالرئيس الشرع قدّم سوريا بوصفها بلداً يريد العودة إلى أوروبا من بوابة الاقتصاد والمؤسسات، لا من بوابة الحرب أو العزلة. تحدث عن إعادة بناء مشتركة في الصحة والتعليم والطاقة، وأشار إلى اتفاق استراتيجي مع سيمنز لتطوير محطة دير علي، وإلى مذكرة وتفاهمات أخرى في قطاعي الطاقة والنقل الجوي. كذلك ركّز على أن السوريين في ألمانيا ليسوا مجرد جالية تنتظر العودة، بل رأس مال بشري يمكن أن يخدم البلدين معاً.

وبرزت فكرة في كلام الشرع، وهي ما سمّاه نوعاً من الدورة أو الحركة الدائرية للسوريين بين البلدين. الفكرة لا تقوم على عودة جماعية فورية، ولا على بقاء كامل في ألمانيا، بل على صيغة أكثر مرونة، يعود فيها بعض السوريين للمساهمة في الداخل السوري، بينما يواصل آخرون عملهم في ألمانيا.

وهذه الصيغة تعكس اعترافاً سورياً ضمنياً بأن العودة الواسعة ليست قراراً سياسياً يعلَن ثم يحدث، بل عملية مرتبطة بالوظائف والاستثمار والبنية التحتية والثقة.

أين تبدأ العقدة

المشكلة أن الربط بين العودة وإعادة الإعمار يبدو منطقياً على الورق، لكنه صعب في التنفيذ. إعادة الإعمار تحتاج إلى وقت أطول من مزاج السياسة. تحتاج إلى كهرباء، وإدارة، وتمويل، ونظام قانوني مستقر، وضمانات أمنية، ومؤسسات تعمل خارج منطق الارتجال. والعودة تحتاج إلى شيء أكثر بساطة وأشد حساسية في الوقت نفسه، أن يشعر الناس بأنهم لن يعودوا إلى فراغ.. لهذا السبب تبدو الزيارة مهمة، لكنها لا تكفي وحدها للقول إن الباب فُتح فعلاً.

الأدق أن يقال إن برلين ودمشق وضعتا إطاراً أولياً لمعادلة مشتركة. ألمانيا تقول إن العودة تصبح أكثر واقعية عندما يتحرك الإعمار وتبدأ الدولة باستعادة القدرة على الخدمة والتنظيم. ودمشق تقول إن الإعمار نفسه يحتاج إلى عودة الخبرات والأموال والشراكات. هذا تلاقٍ حقيقي، لكنه ليس تطابقاً كاملاً. فبرلين تريد أيضاً نتائج سريعة في ملف العودة، ودمشق تريد استثمارات واعترافاً وشبكة مصالح أوسع، وبين الهدفين مسافة ليست قصيرة.

باب فُتح أم عتبة فقط

ما فتحته الزيارة حتى الآن هو باب سياسي ضيق، لكنه مهم. هناك قناة أعلى مستوى، فريق عمل، لقاءات اقتصادية، تمويل معلن، ومؤشرات إلى مشاريع بدأت تتشكل، وهذا ليس قليلاً. لكنه ليس الباب الواسع الذي يكفي للحديث عن عودة كبيرة وإعادة إعمار متماسكة في لحظة واحدة.

المعادلة أوضح من ذلك، إذا نجحت الشراكة السورية الألمانية في إنتاج مشاريع ملموسة، وتحسين خدمات أساسية، وبناء بيئة قانونية قابلة للعمل، فقد تتحول العودة وإعادة الإعمار إلى مسارين يتغذيان من بعضهما. أما إذا بقيت الزيارة في حدود الصور والوعود واللغة الكبيرة، فسيبقى الربط بينهما صحيحاً نظرياً فقط، فالزيارة قالت إن الفكرة ممكنة، ولم تقل بعد إنها نضجت…

اقرأ أيضاً: حقّاً 107 سنوات؟! كم تحتاج سوريا زمناً لإعادة الإعمار دون الخارج؟!

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.