الكاتب: أحمد علي
صورة الأطفال الذين تغيّبت عنهم الأسماء والهوية صارت مرآةً لبلدٍ يبحث عن ذاكرته، فخلال أسابيع قليلة، تحوّل ملف أطفال سوريا المسروقون من رواية موجعة تتناقلها العائلات إلى قضية عامة تشعل نقاشاً وطنياً ودولياً، وتدفع واحدة من أكبر منظمات رعاية الطفولة إلى مراجعة وجودها في البلاد.
قرار تعليق الأنشطة، أو تقليصها إلى حدها الأدنى تمهيداً للإغلاق بحسب بعض الروايات، لم يهبط من فراغ؛ بل جاء نتيجة تفاعل معقّد بين كشف استقصائي غير مسبوق، وضغط مجتمعي متصاعد، وهواجس تمويل وسمعة وحوكمة داخلية، وسؤالٍ أكبر يتقدّم على كل شيء: أين يذهب الأطفال اليوم، ومن يحمي ما تبقى من طفولتهم؟
أطفال سوريا المسروقون: الشرارة
عرضٌ علنيّ لفيلم وثائقي داخل بيت فارحي في دمشق القديمة وضع القضية في قلب المدينة. الفيلم، من إنتاج BBC Eye وبالشراكة مع Lighthouse Reports وجهات سورية بينها منظمة «نساء ربحن الحرب»، روى شهادات وفتح سجلات وصوّر كيف فُصل مئات الأطفال عن ذويهم لسنوات.
النقاش الذي تلا العرض شاركت فيه صحفيات ومختصون، ما أعطى للمساءلة طابعاً عاماً وملموساً، وأعاد أطفال سوريا المسروقون من فصول التحقيق إلى ساحة الجمهور.
ضغط الرأي العام المتزايد
بعد العرض، تمدّد النقاش إلى الحملات المجتمعية ومنصات المناصرة، وتحوّل إلى مطالب واضحة بفتح الملفات وتتبّع السجلات واطلاع العائلات على مصائر أبنائها، وتبنّت «الحملة من أجل سوريا» وسواها من مبادرات المجتمع المدني دعوات لمساءلة الجهات الرسمية وكل المؤسسات التي كانت جزءاً من منظومة الرعاية، مع التأكيد على أولوية الوصول إلى الحقيقة قبل أي إجراء إداري أو قضائي.
وحضور الأهالي وظهور قصصهم في الفضاء العام جعل القضية أقل تجريداً، وأكثر إلحاحاً من منظور العدالة الانتقالية وحق المعرفة.
ردّ SOS الرسمي
الخبر الذي انتشر كالنار في الهشيم كان إعلان فرع «قرى الأطفال SOS» في سوريا إغلاق أنشطته بالكامل، وأن نهاية العام ستكون خاتمة عقود معظم الموظفين مع إبقاء فريقٍ مصغّر للتصفية.
في المقابل، جاء في تقارير صحفية موازية أن إدارة الجمعية تتحدّث عن خطة «إعادة هيكلة» واسعة عقب انسحاب تدريجي لإحدى الجهات المانحة، وأن الرسائل الموجهة للموظفين جزء من هذه الخطة، لا إعلان توقفٍ نهائي، في محاولةٍ لتهدئة الذعر وتوضيح أن العمل «لم يتوقف كلياً» حتى الآن.
التباين بين الرواية الإخبارية الأولى والتوضيحات اللاحقة فتح الباب لأسئلةٍ مشروعة حول الشفافية والإدارة والتواصل، لكنه أكد أيضاً أن ملف الأطفال صار أكبر من قدرة أي بيانٍ منفرد على احتوائه.
هواجس السمعة والتمويل
التحقيق الدولي الذي نسّقته Lighthouse Reports وأُذيع عبر BBC ألقى ظلالاً ثقيلة على صورة المنظومة التي رعت الأطفال، وأثار أسئلةً ملحّة عن معرفة بعض الجهات الدولية بحجم الانتهاكات وصمتها أو تباطؤها في الإفصاح.
وفي بيئات العمل الإنساني، السمعة رأس المال الأثمن، وأيّ ثغرةٍ في منظومة الحماية أو الإبلاغ قد تُترجم سريعاً إلى تردّد لدى المانحين وإلى مراجعات مؤلمة داخل المؤسسات.. بهذا المعنى، يصبح قرار التعليق أو التقليص خطوة إدارة مخاطر بقدر ما هو استجابة أخلاقية لصدمة رأي عام ترفض أي تهاون في ملفات الطفولة.
مصير الأطفال الآن
ما يقلق الناس ليس مصير المؤسسة بقدر مصير الأطفال أنفسهم، فتقارير متطابقة تفيد بأن نقل الأطفال إلى مراكز رعاية بديلة وإبقاء طاقمٍ محدود لتصفية الشؤون الإدارية والمالية مطروحٌ كخيارٍ انتقالي، مع وعودٍ بأن لا يُترك أي طفلٍ بلا متابعة، لكن نقل الطفل من بيتٍ إلى آخر ليس قراراً شكلياً؛ إنه مسار دقيق يحتاج إلى خطط فردية ودعم نفسي وقانوني، وقاعدة بيانات موثوقة تُطابِق بين السجلات والبلاغات والعينات الوراثية عند الضرورة.
هنا، تتقدّم مسؤولية الدولة، بوصفها المرجع التنظيمي والقانوني، لتأمين خطوط اتصال مفتوحة مع الأسر، وتحديد معيار الشفافية الذي ينبغي على كل مؤسسة الالتزام به.
بين الاستقصاء والسياسة العامة
تكمن القيمة الكبرى لما أشعله ملف «أطفال سوريا المسروقون» في أنه نقل النقاش من خانة «التجاوز الفردي» إلى سؤال السياسات: كيف تُصمَّم منظومة رعاية آمنة في بلدٍ خارجٍ من حرب؟ ما هي قنوات الإبلاغ وحماية المبلّغين؟ من يراجع المعايير الأخلاقية ويختبر الامتثال؟
التحقيقات الاستقصائية لا تُصدر أحكاماً قضائية، لكنها تضع الحكومات والجهات الدولية أمام التزامات واضحة، كفتح الأرشيف، إشراك الضحايا في صياغة الحلول، والتعاون مع وسائل الإعلام والمنظمات المتخصصة لإصلاح الثغرات.
عند هذه النقطة تحديداً يصبح تعليق الأنشطة أو إعادة هيكلتها بداية مسار، لا نهايته، على أمل أن يعود العمل بعد تصحيح الأسس أو أن تتسلم مؤسسات بديلة راية الرعاية ضمن عقود شفافة وآليات تدقيق مستقلة.
ما وراء قرار التعليق
ختاماً، السؤال «ما الذي دفع SOS لتعليق أنشطتها؟» يمكن تلخيص إجابته بثلاث حلقات متشابكة: أولاً، كشفٌ استقصائي فجّر رواياتٍ مسكوتاً عنها وأشعل النقاش العام وأعاد أطفال سوريا المسروقون إلى صدارة الاهتمام.
ثانياً، ضغط مجتمعي وإعلامي شرّع أبواب المساءلة ودفع المانحين وصنّاع القرار إلى إعادة تقدير المخاطر.
ثالثاً، استجابةٌ مؤسسية تتراوح بين الإغلاق الشامل بحسب بعض المصادر، وبين تقليصٍ وإعادة هيكلة بحسب تصريحات رسمية، في محاولةٍ لإدارة سمعة المؤسسة وحماية الأطفال خلال المرحلة الانتقالية.
وهذه الحلقات لا تُغلق إلا بواحدة: الحقيقة بكامل وثائقها، ثم العدالة التي تضع المصلحة الفضلى للطفل فوق أي اعتبار.
اقرأ أيضاً: عمالة الأطفال في سوريا.. براءة اختطفها العمل كالكبار