بقلم هلا يوسف
يعد ملف المقاتلين الأجانب في سوريا أحد أكثر الملفات تعقيداً وحساسية. فهؤلاء المقاتلون شاركوا لسنوات إلى جانب هيئة تحرير الشام، وتكونت بينهم علاقات اجتماعية وعقائدية يصعب تفكيكها. وفي المقابل، ترتبط بهذا الملف شروط أمريكية تفرضها واشنطن على الحكومة السورية لرفع العقوبات عنها.
ومؤخراً وبعد نشر وكالة “فرانس برس” خبراً يفيد بأن الحكومة السورية تنوي تسليم المقاتلين الإيغور إلى الصين بالتزامن مع زيارة وزير الخارجية أسعد الشيباني لبكين، سارعت دمشق إلى نفي الخبر. وهذه هي المرة الثانية التي تنفي فيها الحكومة السورية تقارير منشورة في وسائل إعلام دولية، رغم أن هذه التقارير تستند بحسب تلك الوسائل إلى معلومات من مسؤولين سوريين. لذلك سنناقش في هذا المقال معضلة ملف المقاتلين الأجانب.
حواضن الثورة
شكلت تركيا ممراً أساسياً للمقاتلين الأجانب الذين قدموا إلى سوريا مع بداية تشكيل الجيش الحر. وفي وقتها تدفقت أفواج هؤلاء المقاتلين والتحقوا في صفوف الفصائل المسلحة السورية التي لم يكن لديها توجهات أيديولوجية واضحة. إلا أن المقاتلين الأجانب اكتسبوا شعبية كبيرة بين السوريين المقاتلين للنظام بين أعوام 2012 و2014 وخصوصاً في مناطق الشمال، وذلك عندما تزايدت الضربات الجوية والقصف العنيف على المناطق الخارجة عن سيطرة النظام. وأظهروا شراسة في القتال حتى شكلوا مجموعات “الانغماسيين” و”العمليات الانتحارية”، وهو ما جعلهم يحظون بتعاطف شعبي كبير، ويعرفون حينها باسم “المهاجرين”.
كان للتنافس على النفوذ والاختلافات الفكرية دوراً في تفرّق معظم المقاتلين الأجانب أو “المهاجرين” بين جماعات متعددة. فقد شهدت “جبهة النصرة” نفسها والتي كانت في بداياتها مرتبطة بتنظيم “داعش” انشقاقاً كبيراً عندما رفض قائدها أبو محمد الجولاني آنذاك، أحمد الشرع، مبايعة أبو بكر البغدادي، معلناً بدلاً من ذلك ولاءه لأيمن الظواهري، زعيم “القاعدة” في ذلك الحين.
هذا القرار أدى إلى خروج عدد كبير من القادة والمقاتلين الأجانب من “النصرة” وانضمامهم إلى “داعش”، معتبرين أن بيعة الظواهري غير شرعية. واندلعت إثر ذلك معارك بين الطرفين ساهمت لاحقاً في ظهور تشكيلات مستقلة، أبرزها “جند الأقصى” الذي أسسه أبو عبد العزيز القطري، إلى جانب جماعات أخرى تمحورت حول هويات قومية مثل الإيغور والأوزبك والشيشان.
ومع توسع سيطرة داعش في عام 2014 على مناطق واسعة من غرب العراق وشماله، وصولاً إلى دير الزور والرقة وجزء من الحسكة وأرياف حلب وإدلب، تدهورت علاقة التنظيم بفصائل أخرى من المقاتلين الأجانب. وقد صنف داعش هذه الجماعات بأنها مرتدة، رغم أنها فضلت البقاء على مسافة من الصراع، محتفظةً بقنوات اتصال جيدة مع جبهة النصرة، ومتبعةً سياسة الحياد في أغلب المواجهات بين الفصائل.
ومن بين المجموعات التي حافظت على وجودها واستقلالها حتى سقوط نظام الأسد: “الحزب الإسلامي التركستاني” ، و”أجناد الشام”، و”أجناد القوقاز”، و”أنصار التوحيد”، إضافة إلى ما تبقى من “جند الأقصى” الذي تفكك عام 2017. وقد التحق قسم من هذا الفصيل بداعش، بينما بقي جزء آخر في إدلب تحت اسم “أنصار التوحيد”، منضماً إلى التحالفات العسكرية التي قادتها “هيئة تحرير الشام” في معارك السيطرة على دمشق.
المقاتلين الأجانب بعد سقوط النظام
شكلت فصائل المقاتلين الأجانب مثل “الحزب الإسلامي التركستاني” و”أجناد الشام” و”أجناد القوقاز” جزءاً محورياً من غرف العمليات العسكرية التي أدارتها هيئة تحرير الشام قبل سقوط النظام السابق في 8 كانون الأول. وفي أول تصريحات رسمية حول وجود هؤلاء المقاتلين، قال الرئيس أحمد الشرع إنهم شاركوا في إسقاط نظام الأسد ويستحقون التقدير، موضحاً في لقاء صحافي منتصف كانون الثاني أن جرائم النظام السابق دفعت إلى الاستعانة بالمقاتلين الأجانب، وأن دورهم كان أساسياً في دعم السوريين.
كانت المكافأة السورية للمقاتلين الأجانب بين منح بعضهم الجنسية، وهو الأمر الذي أثار نقاشاً واسعاً آنذاك. وتسليم بعضهم الآخر مناصب ومواقع عسكرية في الجيش السوري. فبعد فترة قصيرة من سقوط النظام “ثلاثة أسابيع” أعلنت الحكومة السورية الجديدة عن تعيين عدد من المقاتلين الأجانب في مواقع عسكرية عالية داخل الجيش الجديد، مانحة بعضهم رتباً تصل إلى عميد. من بين أبرز هذه الأسماء، الأردني عبد الرحمن حسين الخطيب الذي تمت ترقيته إلى رتبة عميد، والمصري علاء محمد عبد الباقي، وعبد العزيز داوود خدا بردي من تركستان الشرقية، إضافة إلى مولان ترسون عبد الصمد الطاجيكي، وعمر محمد جفتشي مختار التركي، وعبد البشاري خطاب القادم من ألبانيا، وكذلك زنور البصر عبد الحميد عبد الله الداغستاني، قائد “جيش المهاجرين والأنصار”.
ما مصيرهم؟
يبقى مستقبل هؤلاء المقاتلين مجهول بعد أن أصبح ملفهم حساساً خصوصاً بالنسبة للولايات المتحدة، حيث ذكر قيادي سابق في هيئة تحرير الشام لم يكشف عن اسمه لإحدى المصادر الإعلامية أن إدارة الرئيس أحمد الشرع مستعدة للتعامل بإيجابية مع أي مطلب أميركي يتعلق بوجود هؤلاء المقاتلين، مشيراً إلى أن “الإخوة المهاجرين” أنفسهم لا يتمسكون بالمناصب إذا كانت تعرقل المصلحة العامة.
وبعد اللقاء الذي جمع الرئيسين ترمب والشرع في الرياض، بدأت وسائل إعلام سورية محلية تتحدث عن مداهمات نفذها الأمن العام في ريف إدلب ضد مواقع مرتبطة بالمقاتلين الأجانب. مع عدم التأكد هذه الأنباء، سواء كانت صحيحة أو خاطئة.
من جهته، يقول كريم محمد، وهو قيادي في الجيش السوري الحالي ويقيم في دمشق لإحدى المصادر الإعلامية، إن الحكومة “لا ترغب في اتخاذ أي خطوات قد تفهم على أنها عدائية” تجاه هؤلاء المقاتلين، مؤكداً أنهم يحظون بتأييد داخل الجيش الجديد وفي أوساط الحاضنة الشعبية للثورة. ويضيف أن بعض الدول بدأت تستخدم ملف المقاتلين الأجانب كورقة ضغط على دمشق، رغم أن هؤلاء الذين يشار إليهم بين الثوار باسم “المهاجرين”، كان لهم تأثير مهم منذ الأيام الأولى للثورة، إذ لعبت خبراتهم القتالية دوراً بارزاً في العديد من المعارك. ويؤكد كريم أن الحكومة تعمل على إبعادهم عن النزاعات الداخلية، وإعادة تموضعهم في مناطق إدلب، مع بحث خيارات لدمجهم في المجتمع، وحتى إمكانية منحهم الجنسية السورية في المستقبل.
لغط في المطالب الغربية اتجاه ملف المقاتلين الأجانب
يرى الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، حسام جزماتي، أن هناك التباساً كبيراً في فهم مطالب الدول الغربية. فبحسب رأيه، لا تطالب الولايات المتحدة وحلفاؤها بطرد المقاتلين الأجانب من سوريا، بل تركز على شرطين محددين، الأول ألا يتولى هؤلاء أي مواقع حساسة في الحكومة الجديدة، خصوصاً في الأجهزة الأمنية والعسكرية، والثاني ألا تستخدم الأراضي السورية كقاعدة للتخطيط أو التدريب أو إطلاق عمليات عبر الحدود.
ويضيف جزماتي لإحدى المصادر الإعلامية أن “هيئة تحرير الشام” خلال سنوات سيطرتها على إدلب التزمت بعدم السماح لأي مجموعة باستغلال مناطقها لشن هجمات خارج البلاد، ونجحت في ضبط نشاط العناصر المتشددة بحيث لا تتحول إدلب إلى منصة لعبور الحدود.
ويتابع قائلاً إن ما يعترض عليه المهاجرون وحلفاؤهم هو فكرة طردهم من سوريا أو تسليمهم لدولهم الأصلية، حيث قد يواجهون السجن أو حتى الإعدام. ويرى جزماتي أن هؤلاء المقاتلين، ومعهم الفصائل القريبة منهم، لا يطمحون إلى قيادة الدولة الوليدة، ولا يبدو أن هذا هدف بالنسبة لهم أصلاً. كما أن السوريين لا يصرون على وجودهم في مواقع القرار.
ويتوافق مع هذا الرأي أبو حفص التركستاني، قائد كتيبة تابعة لوزارة الدفاع السورية الحالية تضم غالبية من أبناء تركستان وتتمركز بين ريف إدلب واللاذقية. يقول: “وجودنا في سوريا لم يكن من أجل سلطة أو مكاسب، جئنا فقط لمساندة السوريين في محنتهم، وشاركناهم معاركهم حتى تحقق النصر، وهذا شرف لنا”. ويؤكد أبو حفص أن حملات إعلامية منظمة تستهدفهم حالياً، متهمةً إياهم بالمسؤولية عن أي خرق أمني أو هجوم خصوصاً في السويداء وقرى الساحل، مضيفاً أن هذه الاتهامات محض افتراءات.
ويشرح أن المقاتلين الأجانب عاشوا لسنوات طويلة بين السوريين دون التدخل في شؤون حياتهم اليومية، رغم اختلاف العادات والثقافات، وأن الأخطاء الفردية التي حدثت في إدلب لم تستمر ولم تكن نهجاً عاماً، وهو ما يعرفه أبناء المنطقة.
ويضيف جزماتي بأن من الممكن إيجاد صيغة قانونية تبقي المهاجرين داخل سوريا بصفة مدنية واضحة ومتفق عليها، بعيداً عن المناصب العسكرية والسياسية، مع التزامهم بعدم استخدام الأراضي السورية لأي نشاط عابر للحدود. أما من لا يرغب في الالتزام بهذه الشروط، فبإمكانه اختيار المغادرة إلى أي بلد يراه مناسباً.
حل للتعيينات التي صدرت
يقول أحد المقاتلين الأجانب، المعروف باسم “أبي محمد”، وهو من جنسية عربية، في حديثه لإحدى المصادر الإعلامية “لن نقف ضد الرئيس الشرع. كنا طوال السنوات الماضية نتجنب الانخراط في صراعات الفصائل، ونحرص على مصلحة سوريا التي لم تتعارض يوماً مع ما نراه مصلحة لنا. قاتلنا حتى الموت من أجل السوريين، واليوم نستطيع التعايش مع الدولة الجديدة واحترام قوانينها”.
لكن المشكلة الأساسية، كما يوضح الباحث حسام جزماتي، تكمن في أن التراجع عن القرارات التي اتخذتها القيادة العامة بعد سقوط نظام الأسد ليس سهلاً، خاصة وأنها تضم ترقيات وتعيينات لعدد من المقاتلين الأجانب، بينهم ثلاث رتب عميد وثلاث رتب عقيد، صدرت بعد ثلاثة أسابيع فقط من انتهاء حكم بشار الأسد. وبحسب ما تسرب لجزماتي، فإن القيادة الجديدة تعهدت بإيقاف تعيين غير السوريين مستقبلاً، إلا أن وضع الذين تم تعيينهم بالفعل ما يزال بحاجة إلى صيغة حل تحفظ مكانتهم من دون إحراج الدولة.
لا يتوقع جزماتي عودة القاعدة” إلى الساحة السورية بعد تفكيك فرعها “حراس الدين”، لكنه لا يستبعد أن تحاول داعش استقطاب الغاضبين من قرارات الحكومة الحالية، سواء كانوا سوريين أو أجانب. كما يرجح ظهور مجموعات أصغر قد تحاول استثمار أي شعور بالإقصاء، خصوصاً لدى من يرون أن الدولة الجديدة تبتعد عن تطبيق الشريعة كما يتصورون.
ويضيف جزماتي أن المقاتلين الأجانب لم يكونوا كتلة واحدة يوماً، إذ ظهرت بينهم اختلافات فكرية وتنظيمية منذ لحظة وصولهم إلى سوريا، سواء جاءوا عبر شبكات تجنيد منظمة أو بدافع فردي. ففي بعض الحالات كان يتم إرسال أحد العناصر إلى بلده لتجنيد الراغبين، وتُرتّب رحلتهم بشكل محكم إلى أن يصلوا إلى الفصيل المقصود. وفي حالات أخرى جاء البعض بطرق تقليدية، عبر مهربين أو رحلات سياحية إلى تركيا، ثم عبر الحدود بمساعدات شخصية وعلى نفقتهم الخاصة.
ومع مرور الوقت، خاصة في منتصف 2013، كثرت الفصائل وتشعبت، وبدأت تظهر خطوط التمايز بينها. ورغم هذا التنوع، ظل القسم الأكبر من المقاتلين الأجانب يتجه نحو التنظيمات الجهادية، وعلى رأسها جبهة النصرة، بينما التحق عدد أقل بفصائل وصفت “بالمعتدلة” مثل لواء التوحيد في حلب.
تشذيب فكر المهاجرين بين الماضي والحاضر
قلصت هيئة تحرير الشام من نفوذ المقاتلين الأجانب داخلها بين عامي 2014 و2018، حيث تم إبعادهم عن المناصب القيادية ومنعوا من الظهور الإعلامي كما كانوا في السابق، وتعرض كثير منهم للاعتقال، تماماً كما حدث مع عناصر حراس الدين. كما تم طرد عدد آخر رفض الانخراط في التوجهات الجديدة التي قادها أحمد الشرع ( أبو محمد الجولاني آنذاك). إذ أصبحوا عقبة أمام مشروعها السياسي والعسكري.
داخلياً، بدأ يتشكل انطباع لدى سكان المناطق المحررة بأن الهيئة تمنح الأجانب هيمنة أكبر من السوريين أنفسهم. وخارجياً، برز هؤلاء المقاتلون في الإعلام والمنابر بخطاب أقرب لنهج القاعدة، ما ألحق ضرراً بعلاقة الهيئة مع تركيا، خاصة بعدما أعلن بعضهم تحريم التعاون مع الجيش التركي بصفته جزءاً من الناتو.
ولمواجهة هذا الوضع، اتخذ الشرع خطوات وصفها البعض بأنها “تشذيب للمتشددين” داخل الهيئة، سواء من السوريين أو الأجانب. كما أعاد صياغة خطاب التنظيم من مفهوم الجهاد العالمي إلى نهج محلي يركز على الداخل السوري، وبدأ يستخدم عبارات تؤكد هذا التحول، مثل “ثورة أهل الشام”.
هذا التغيير جذب عدداً من المقاتلين الأجانب الذين اقتنعوا بالرؤية الجديدة، معتبرين أن دورهم هو النجدة والمساندة وليس الهيمنة، وأن سوريا يجب أن تكون لأبنائها أولاً. وبالتوازي مع ذلك، عمل الشرع على جعل المعركة سورية من خلال دمج المقاتلين الأجانب ضمن مشروع سياسي وعسكري جديد يقوم على الابتعاد عن أي ارتباطات أو صراعات خارج الحدود السورية.
في المحصلة، يظل ملف المقاتلين الأجانب خاضعاً بالكامل للتفاهمات بين الحكومة السورية والدول الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة التي توظّف هذا الملف لخدمة مصالحها ومصالح إسرائيل. أما داخلياً، فالواضح أن التعامل مع هذا الملف يرتبط بما يتم فرضه من الخارج أكثر مما يستند إلى مواقف المؤيدين أو المعارضين لوجود هؤلاء المهاجرين في سوريا.
اقرأ أيضاً: إعادة بناء القوة العسكرية السورية ما بعد الحرب.. دراسة شاملة!