بقلم هلا يوسف
تعد العدالة الانتقالية إحدى الملفات المعقدة التي تحاول الحكومة السورية حلها، فتفعيل العدليات في المحافظات لنظام الشكاوي الخاص بجرائم الحرب يعيد بريق الأمل بحصول أهالي الضحايا على حقوقهم، إلا أن التداخلات السياسية والأمنية قد تحول أي خطوة في هذا الملف إلى موضع شك وجدل، ولعل حمص من أكثر الأمثلة وضوحاً نظراً لتحملها تكلفة الحرب الأكبر سواءً المادية أو البشرية. وبالنظر إلى العدالة الانتقالية في دول شهدت حروب مشابهة لما حصل في سوريا، سنجد أنها استغرقت سنوات طويلة لتحقيق هذه العدالة، لكن هي بحاجة إلى نظام قضائي مستقل، وثقة متبادلة بين هذا النظام والشعب. وفي الحقيقة أسباب هذه المقدمة مصدرها الجدل القائم نتيجة نقل ملف متهمين بجرائم حرب من حمص إلى دمشق، وما تلاه من اتهامات بتضييع مسار العدالة، ومحاولة الإفلات من العقاب للمتهمين.
بحسب الدكتور باسل المحمد، أحد أبناء حي الوعر في مدينة حمص، تم تقديم ادعاء مباشر بتاريخ 16 تشرين الأول 2025 أمام قاضي التحقيق السادس في حمص، ضد مجموعة من المسؤولين السابقين، بينهم اللواء توفيق يونس، والعميد عبد المنعم النعسان، ووائل حسين عقيل، الذي يعد أبرز المتهمين في الملف. وقد أصدر القاضي السابق مذكرات توقيف غيابية بحق هؤلاء، رغم الضغوط الكبيرة لإغلاق الملف أو نقله إلى دمشق.
وعلى الرغم من إصدار مذكرات توقيف غيابية بحق الشخصيات الثلاث السابقة، إلا أن الجدل تضخم أكثر بعد قرار قاضي التحقيق الجديد إحالة الملف إلى النيابة العامة في دمشق استناداً إلى مبدأ “الاختصاص المكاني” القانوني. فبحسب رأي المحامين والأهالي إحالة القضية إلى دمشق يعني عدم قدرتهم على متابعة مجرياتها، وتغييبها عن عيونهم. خصوصاً في ظل وجود شخصيات متهمة بارتكاب جرائم حرب تابعة للنظام السابق، لكنها محمية تحت مظلة الأمن التابع للدولة.
فمثلاً وائل عقيل يشكل حالة مركبة، حيث تم توجيه اتهامات له بالمشاركة في قصف حي الوعر أثناء الحصار، وإدارة ملف المعابر في ريف حمص الشمالي، وتحصيل مبالغ مالية ضخمة من المدنيين المحاصرين. إلا أنه الآن موجود في دمشق تحت حراسة أمنية، وضمن وجود ترتيبات قضائية تعرقل اعتقاله.
اعتراض الأهالي على نقل الملف
وبعد الاعتراضات السابقة، لم يكتفِ الأهالي بها، بل اتجهوا نحو القانون للطعن بقرار نقل الملف إلى دمشق، حيث أعلن عدد من المحامين عزمهم الطعن قانونياً في قرار نقل ملف التحقيق الخاص بمسؤولين أمنيين سابقين ومقاولين عسكريين من محاكم حمص إلى دمشق. ووصفوا هذا القرار بأنه يشكل عائقاً أمام تحقيق العدالة، لأنه يقلل من قدرة الأهالي على متابعة القضية ومراقبة سير الإجراءات عن كثب.
وأضافوا أن نقل الملف يثير تساؤلات مهمة حول الاختصاص القضائي، لأن الجرائم وقعت داخل حمص، مما يجعل متابعة التحقيقات محلياً أكثر ملاءمة وشفافية. كما يخشى الأهالي أن يؤدي النقل إلى ضعف الرقابة على الإجراءات، ما قد يؤثر على ضمانات المحاكمة ويبعد العدالة عن المتضررين. كما رفعوا مذكرات لوزارتي العدل والداخلية وإدارة التفتيش القضائي، تتضمن تفاصيل ما وصفوه بـ عرقلة تنفيذ مذكرات التوقيف الغيابية الصادرة سابقاً بحق المتهمين.
وجود تبرير قانوني لنقل الملف إلى دمشق يفتح باب التساؤل حول هذا القانون، وكيف يعمل، خصوصاً في ظل استخدامه بشكل كبير في المصالح والنزاعات العقارية وليس في قضايا القتل والانتهاكات. وهذا ما جعلنا نبحث عن هذا القانون لنعرف فحواه.
الاختصاص المكاني في المحاكم السورية
ببساطة الاختصاص المكاني هو تحديد المحكمة التي لها الحق بالنظر في قضية معينة، بناءً على مكان وقوعها أو مكان إقامة الأطراف المتنازعة. لذلك يتم تحديد المحاكم المختصة وفق ثلاثة معايير أساسية:
معيار الشخص: ينظر إلى مكان إقامة الأشخاص المعنيين بالقضية. بشكل عام، المحكمة في الدائرة التي يقيم فيها المدعى عليه هي المختصة بالنظر في القضايا المتعلقة به. إذا لم يكن للمدعى عليه مكان إقامة معروف في سوريا، يتم النظر إلى مكان سكنه، أو في حال عدم وجوده، إلى موطن المدعي، وإذا لم يكن له موطن، فتكون المحكمة في دمشق المختصة.
معيار موضوع النزاع: يتعلق بما هو محل النزاع نفسه، أي الشيء أو الحق الذي يتم المطالبة به. المحكمة في الدائرة التي يقع فيها هذا الشيء تكون عادة المختصة.
معيار السبب القانوني للدعوى: يركز على سبب الدعوى، مثل مكان توقيع العقد أو تنفيذه، أو المكان الذي حدثت فيه الواقعة التي تسبب الضرر، أو مكان فتح التركة.
لكن القانون يضع بعض الاستثناءات لمبدأ محكمة موطن المدعى عليه، مثل:
الدعاوى العينية والعقارية: تشمل الدعاوى المتعلقة بحقوق الملكية أو الحيازة، حيث تكون المحكمة في مكان العقار أو أحد أجزائه هي المختصة، حتى لو كان المدعى عليه يقيم في مكان آخر.
الدعاوى المتعلقة بالتركات: أي النزاعات بين الورثة قبل قسمة التركة، تُنظر في المحكمة التي فتحت فيها التركة.
اتفاق الأطراف على مكان محدد لتنفيذ العقد: إذا اتفق الطرفان على مكان معين لتنفيذ العقد، يمكن رفع الدعوى هناك أو في موطن المدعى عليه.
كما يشمل الاختصاص المكاني قضايا النفقة والحضانة، والمنازعات التجارية، وأجور العمال والعقود، مع السماح للطرف المدعي باختيار المحكمة المناسبة وفق ظروف كل قضية.
ومن المهم أن نعرف أن قواعد الاختصاص المكاني ليست من النظام العام، أي أن المحكمة لا تطبقها تلقائياً، بل يجب على الأطراف تقديم طلب بعدم الاختصاص في بداية المحاكمة، وإلا يفقدون هذا الحق. وقد أكدت محكمة النقض السورية في قراراتها أن أي اتفاق مسبق بين الأطراف لتحديد محكمة معينة يحترم ما لم يتطلب موافقة الطرف الآخر.
مكتب الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية
تسعى الحكومة السورية لتطبيق العدالة الانتقالية وفتح الأبواب أمام الضحايا وذويهم لتقديم شكاويهم ضد من مارسوا انتهاكات بحقهم، ففي 11 آذار تم إنشاء مكتب فرعي للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في حمص بهدف تعزيز الوصول إلى خدمات العدالة الانتقالية في مختلف المحافظات السورية، بما يسمح للضحايا بتقديم إفاداتهم مباشرة وتوثيق الانتهاكات دون الحاجة إلى السفر إلى العاصمة، وهو ما يخفف عنهم الأعباء ويقرب العدالة من واقعهم اليومي.
وأوضح إبراهيم برهان مدير دائرة الإعلام في الهيئة، أن افتتاح المكتب يتضمن سلسلة من الإجراءات التنظيمية والفنية لضمان انطلاق العمل بكفاءة. فقد بدأ الفريق بتقييم شامل للمبنى من حيث الجاهزية اللوجستية، يلي ذلك استكمال أعمال الصيانة والتجهيز الأساسية وتجهيز المكاتب وأنظمة الأرشفة والتوثيق، بما يضمن سير العمل وفق معايير دقيقة ومنهجية.
كما سيضم المكتب قسماً مخصصاً لاستقبال المواطنين وتسجيل إفاداتهم، مع الحفاظ على خصوصية المعلومات ومعايير الحماية المهنية، بالإضافة إلى تدريب الفريق الإداري والفني على آليات التعامل مع الملفات والضحايا وفق المعايير الدولية للعدالة الانتقالية. ويعمل المكتب ضمن الهيكل الإداري للهيئة وبالتنسيق المباشر مع المقر الرئيسي في دمشق، مع اعتماد نظم موحدة للأرشفة والتوثيق تضمن توحيد آليات معالجة الملفات بين مختلف المكاتب في المحافظات.
ووفق برهان تركز المرحلة الأولى من عمل المكتب على جمع الإفادات والشهادات المتعلقة بالانتهاكات، بهدف بناء قاعدة بيانات متكاملة تساعد في تطوير مسارات العدالة الانتقالية المختلفة، بما في ذلك كشف الحقيقة، وجبر الضرر، ومعالجة إرث الانتهاكات.
باختصار، من ينظر إلى قضية نقل ملف المتهمين من حمص إلى دمشق، يرى أن لها زوايا قانونية توضح كيف يمكن لثغرة بسيطة أن تغير مكان المحاكمة. وهذا ما يؤدي إلى ضرورة وجود قضاء مستقل يستطيع الأهالي الوثوق به دون تحيز أو تعتيم، حتى لا يتحول موضوع إجرائي إلى “نظرية مؤامرة”.
اقرأ أيضاً: إحاطة جنيف: ماذا عن “مؤشر الشرعية” في سوريا.. من العدالة الانتقالية إلى إصلاح الأمن!