بقلم: ريم ريّا
مع تزايد كلفة النقل يوماً بعد آخر، منذ شهر، بسبب البيئة الإقليمية المضطربة، وتكرار اختناقات سلاسل الإمداد في فترات زمنية قصيرة، لم يعد الاعتماد على منفذ بحري واحد خياراً مستداماً لأي دولة. من هنا برز توجه أردني – سوري باتجاه تنويع مسارات التجارة كاستجابة عملية لضغوط الواقع الحالي المفروضة، فالأمر لم يعد يحتمل الطرح النظري. فهل ستتقاطع المسارات عند اللاذقية والعقبة؟
بالأمس تم طرح حديث عن استخدام مرفأ اللاذقية كخيار مكمل لميناء العقبة، ما يعكس إدراكاً متقدماً لأهمية المرونة اللوجستية، تحديداً مع ارتفاع حدة التوترات التي تؤثر على الملاحة بالبحر الأحمر بشكل مباشر، وما ينتج عنها من ارتفاع في تكاليف التأمين والشحن. فبين الحاجة الأردنية إلى البدائل والمساعي السوري لاستعادة دور البلاد كممر تجاري، تتقاطع المصالح المشتركة عند نقطة إعادة تفعيل الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة.
قدرات مرافئ العقبة واللاذقية.. بنية مختلفة ووظائف متكاملة
يشكل ميناء العقبة في الأردن الرئة الوحيدة للبلاد، فهو حجر الأساس في حركة التجارة الخارجية للمملكة. تبلغ مساحة امتداد الميناء حوالي مليوني متر مربع، موزعة بين مساحة مائية تبلغ نحو 0.4 مليون متر مربع، ومساحة تصل إلى 1.7 مليون متر مربع تضم منشآت متعددة الأغراض. بقدرة استيعابية تبلغ تقدرتها بحوالي 5 ملايين طن سنوياً، ما يمنح ميناء العقبة القدرة على استيعاب تدفقات كبيرة من السلع، سواء في حالات الضغط أو الظروف العادية.
في مقابل ذلك، يشكل مرفأ اللاذقية المركز البحري الأهم في سوريا، فهو المرفأ الذي تمر عبره معظم الواردات والصادرات غير النفطية. للمرفأ بنية تشغيلية تضم 23 رصيفاً، وسعة تخزينية تبلغ ما يقارب 620 ألف حاوية، ما يمكن من خلاله التعامل مع حجم معتبر من الحاويات والبضائع.
كما يتمتع بعمق مائي يصل إلى نحو 12 متراً، وقدرة استيعابية سنوية تقارب 3 ملايين طن. وتكمن أهمية المرفأ في كونه ليس مجرد نقطة عبور، بل ركيزة أساسية في النشاط الاقتصادي السوري، وممراً محتملاً لحركة الترانزيت نحو دول الجوار، في حال تفعيل دوره بشكل أوسع.
اقرأ أيضاً: معبر اليعربية.. عودة شريان التجارة السورية نحو العراق
هل تلتقي اللاذقية والعقبة؟.. تنويع مسارات التجارة
في حقيقة الأمر التقاطع الحالي لا يقوم على التنافس، بل على التكامل الوظيفي. التوجه الأردني لاستخدام مرفأ اللاذقية “عند الحاجة” يعكس مقاربة عملية لإدارة المخاطر، تحديداً في الظروف الإقليمية الراهنة وما تواجه الملاحة البحرية من مخاطر حالية. هذا الخيار استراتيجي، يندرج ضمن مروحة أهداف تضع في أولوياتها تأمين استمرارية تدفق السلع، وتخفيف الاعتماد على مسار واحد قد يتعرض للاضطراب في أي لحظة أو يتأثر في انسداد مسار آخر.
في ذات الوقت، هذا التوجه الأردني ينسجم مع الرغبة السورية في تعزيز دور البلاد كممر لوجستي إقليمي كما كانت قبل عام 2011، من خلال تفعيل حركة الترانزيت وتوسيع استخدام مرافئها. التنسيق بين البلدين في أعلى مستوياته سواء على مستوى اللجان المشتركة أو من خلال التفاهمات القطاعية، ما يعطي مؤشراً على وجود أرضية سياسية واقتصادية تسمح بتطوير هذا المسار.
مستوى التعاون إن حصل، فلن يقتصر على البضائع العامة، بل سيمتد إلى قطاعات مثل الزراعة، حيث يمكن لمرفأ اللاذقية أن يختصر المسافة نحو الأسواق الأوروبية والمتوسطية، ويمنح المنتجات الأردنية ميزة تنافسية من حيث الوقت والتكلفة.
لماذا الاستخدام الطارئ للاذقية؟ ما الذي ينقص المرفأ؟
رغم امكانيات مرفأ اللاذقية التي تقدر بالجيدة. لكن مرفأ الاذقية غارق بالتحديات التي تحد من تحوله إلى بديل مكافئ للعقبة. أول تلك التحديات يتمثل في البنية التحتية، التي رغم توسعها لا تزال تحتاج إلى تحديث مستمر ليواكب المعايير العالمية، تحديداً فيما يتعلق بالمعدات الحديثة، وأنظمة المناولة، وسرعة التخليص الجمركي. فضلاً عن أن تجهيزات التعامل مع البضائع الحساسة، مثل المنتجات الزراعية سريعة التلف، لا تزال دون المستوى المطلوب، ما يقلل من قدرة المرفأ على جذب هذا النوع من الشحنات.
بجانب البنية التحتية، هناك صعوبة أخرى تتمثل في الكفاءة التشغيلية، التي تلعب دوراً حاسماً في نهوض أي ميناء حول العالم. لا يكفي توفر الأرصفة والمساحات، بل يجب أن تقترن بسرعة الإنجاز وتقليل زمن الانتظار. إلى جانب ضعف العمل اللوجستي والتقني القائم على تحسين الربط البري من الداخل السوري نحو دول الجوار، ليتعزز دور المرفأ كمركز للترانزيت.
بالعموم، استخدام مرفأ اللاذذقية كبديل “عند الحاجة”، لا ضرر فيه، إذ يمكن أن يكون بمثابة الخطوة الأولى، لكن هذا الأمر يجب أن يشكل دافعاً نحو تطوير شامل للمرفأ لجعله خياراً دائماً وليس ظرفياً.
في حال تم الاستخدام.. ماذا تكسب سوريا؟
في حال نجح التنسيق، واستخدم مرفأ اللاذقية بشكل أوسع من استخدامه الحالي، فإن المكاسب المحتملة لسوريا ستتجاوز الجانب اللوجستي المباشر، وأول ثمار تلك المكاسب ستكون تعزيز دور البلاد كممر تجاري إقليمي مطروح على الخارطة. ما سينعكس على تنشيط قطاع النقل والخدمات المرتبطة به. وزيادة حركة الترانزيت تعني المزيد من التدفقات المالية الإضافية، سواء من خلال رسوم العبور أو من خلال الخدمات المرافقة كالمناولة والتخزين وغيرها.
سيسهم هذا التوجه في إعادة دمج البلاد تدريجياً في شبكات التجارة الإقليمية، إلى جانب فتح قنوات للتعاون الاقتصادي مع مختلف دول الجوار. هذه العملية ستنشط الموانئ السورية لا سيما أن اللاذقية أكبرها، ما سينعكس إيجاباً على الاقتصاد المحلي، عبر خلق فرص عمل وتحفيز القطاعات المرتبطة بالتجارة والنقل.
ربما مع مرور الوقت ودخول سوريا تدريجياً للتجارة الإقليمية، سيكون لموقعها بعداً هاماً، وسيكون موقعاً تفاوضياً يمنح أفضلية معينة في معادلة التجارة الإقليمية، من خلال تقديم نفسها كخيار لوجستي موثوق وقابل للتطور.