بقلم: ريم ريا
في سوريا، من حالفه الحظ بالنجاة جسدياً لم ينجُ معنوياً، فمن لم تترك عليه الحرب ندوباً مادية تركت له ندوباً معنوية ونفسياً ربما يصعب ترميمها حتى على المدى الطويل. بين أزقة المدن السورية باتت اضطرابات ما بعد الصدمة واقعاً يومياً لكل من شهد الحرب أو فقد أحبائه أو اضطر للنزوح القسري. جروح الحرب لم تعد تُرى بالعين المجردة، لكنها محفورة في النفوس، تهدد حياة السوريين بصمت قاتل. الكوابيس والقلق المستمر والاكتئاب الشديد باتت ترافقهم مثل ظل لا يفارقهم، مخلفة آثاراً كارثية على الفرد والمجتمع، تهدد بإبقاء الجراح مفتوحة لأجيال قادمة. في هذا المقال سنورد التفاصيل المتعلقة بهذا الاضطراب.
عدد الحالات المسجلة لاضطرابات ما بعد الصدمة في سوريا
لا يوجد احصائيات دقيقة لعدد المصابين باضطراب ما بعد الصدمة في سوريا لعام 2025، لكن هناك تقديرات تشير إلى أن عشرات الآلاف، وربما الملايين من السوريين يعانون من اضطرابات نفسية بما في ذلك اضطراب ما بعد الصدمة، نتيجة الحرب وتداعياتها. فتشير بعض التقارير إلى أن ما يقارب 3.7 مليون سوري قد عانوا من مشاكل نفسية.
قال تقرير لموقع “تنسيق الشؤون الإغاثة الإنسانية في سوريا” في عام 2021، إن 99% من النازحين داخلياً في إدلب شمال غربي سوريا قد عانوا من أعراض “اضطراب ما بعد الصدمة” (PTSD). وذكر التقرير، المنشور أن 74% من اللاجئين السوريين في لبنان، و76% من اللاجئين السوريين في تركيا، عانوا أيضاًً من أعراض الاضطراب. كما بين التقرير أن 88% من المستجيبين للدراسة الاستقصائية الذين بلغوا 721 من مواقع مختلفة في إدلب، وسهل البقاع في لبنان، و(اسطنبول وهاتاي وغازي عينتاب وكلّس) في تركيا، لديهم أعراض متوافقة مع “اضطراب ما بعد الصدمة”.
فيي إدلب وحدها شملت الدراسة 393 شخصاً ظهرت عليهم أعراض “اضطراب ما بعد الصدمة”، باستثناء اثنين، أي بنسبة 99%. ومن بين الأعراض الـ 15 المحتملة لاضطراب ما بعد الصدمة، عانى 42% من الأشخاص المشمولين بالدراسة من حادثة واحدة على الأقل تهدد حياتهم، إذ ظهرت لديهم عشرة أو أكثر من أعراض الاضطراب الأخرى.
من أعراض هذا الاضطراب: توتر انفعالي حاد أو ردود فعل جسدية تجاه أمر ما يذكر، أو التذكر الخاطف، مثل استرجاع تفاصيل حدث مؤلم نفسياً، أو توارد ذكريات مزعجة. التجنب ويعني تجنب التفكير في حدث مؤلم نفسياً أو التحدث عنه إلى جانب تجنب الأماكن أو الأنشطة أو الأشخاص الذين يذكرون بالألم. فضلاً عن التغيرات السلبية في التفكير والمزاج، كالمشاعر السلبية المستمرة والخوف واللوم والغضب وربما يرافقها شعور بالانفصال عن العائلة والأصدقاء مع فقدان الشغف بالأنشطة التي كانت يوماً محطة للاستمتاع. التغيرات الجسدية والعاطفية في ردود الأفعال، كالحذر الدائم من وجود خطر، صعوبة في التركيز، صعوبة في النوم وغيرها. أما بالنسبة للأطفال بعمر الست سنوات فيمكن أن تشمل الأعراض إعادة تمثيل الحدث عبر اللعب، أو أحلاماً مخيفة.
اقرأ أيضاً: الضغوط النفسية في جوارح السوريين بين الوطن والمنفى
نتائج الاضطراب النفسي على الفرد وعلى المجتمع
المتضرر الأول الفرد، فتداعيات اضطراب ما بعد الصدمة تبدأ من القلق والاكتئاب وربما تصل إلى ميول في الانتحار، فيواجه الفرد صعوبات في استمرار حياته بشكل طبيعي فربما يعاني من هلاوس بصرية أو سمعية، وفي حالات شديدة أفكار انتحارية، والمخيف أن الأعراض تحتاج للظهور أشهر معدودة بعد الحدث، وربما تظهر بعد أعوام وهنا تكمن الكارثة.
كما تنعس النتائج على الحياة الاجتماعية للفرد، فيميل إلى العزلة والانطواء وفقدان الاهتمام بالعائلة والأصدقاء، وتنعكس نتائج اضطراب ما بعد الصدمة على العمل أو الدراسة.
أما على مستوى المجتمع، يمكن للمجتمعات التي تعاني من اضطراب ما بعد الصدمة بشكل جماعي، أن تواجه تراجع في التماسك الاجتماعي، ما يزيد من التفكك الأسري والمجتمعي، وترتفع معدلات العنف والصراع الداخلي فغالباً ما يُظهر الأشخاص المصابون بهذا الاضطراب سلوكيات عدوانية. ولا تسلم الأجيال القادمة من الآثار، حيث تكبر تلك الأجيال في بيئات مشحونة بالقلق والخوف، فتظهر لديهم اضطرابات سلوكية وعاطفية.
آلية تعاطي المجتمع السوري مع الصحة النفسية
حال المجتمع السوري كحال أغلب المجتمعات العربية، يتعامل المجتمع السوري مع الصحة النفسية واللجوء إلى استشارة نفسية بعدة تعقيدات إن جاز التعبير عنها “تعقيدات ثقافية”، تتمثل بوصمة العار الاجتماعي إذا تم اللجوء إلى طبيب نفسي أو مختص. فهناك شعور سائد بأن اللجوء إلى العلاج النفسي مؤشراً على الضعف أو فقدان الاتزان العقلي “الجنون”، وتحديداً للرجال، يوصمون بفقدان الرجولة والاستقلالية وكونهم رجال فالتعبير عن أي جانب شعوري لديهم هو انتقاص من رجولتهم.
هناك نظرة صادمة ومخيفة بذات الوقت تجاه “الصدمة النفسية” في المجتمع السوري، ينظر إليها أغلب السوريون على أنها حالة طبيعية بعد الحرب وليس مرض يحتاج علاج، يقرون بالحالة لكن يرفضون علاجها ويصفونها بالطبيعية! هذا يكشف هشاشة وربما انعدام الوعي النفسي داخل المجتمع السوري.
ناهيك عن سيطرة العادات البالية والخرافات على بعض المجتمعات الضيقة في سوريا، غالباً ما يلجأ البعض إلى حلول روحية أو دينية وينسبون أي اضطراب سلوكي إلى (العين، الحسد، السحر)، وينسفون بالمطلق الحاجة للعلاج النفسي ويعتبرونه عاراً وبدعة.
أقامت وزارة الصحة في الحكومة السورية ورشة نقاش حول الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي في سوريا. وقال نائب رئيس الجمعية السورية للصحة النفسية الدكتور “محمد أبو هلال“: “ناقشت الورشة هيكلية اللجنة الوزارية للصحة النفسية والتي أقرت قبل التحرير وهي تهدف إلى التشبيك مع الجهات الأخرى المعنية بالصحة النفسية”. وأضاف: “ستقوم اللجنة بوضع خطة استراتيجية للصحة النفسية ووضع قانون الصحة النفسية ووضع آليات التدريب للموارد البشرية”.
أشير في الجلسة إلى وجود مليون إلى ثلاثة ملايين مريض وفق الاحصائيات المعتمدة عالمياً، وبالتالي من المحتم رسم سياسات الصحة النفسية من خلال تقديم البرنامج ووضع آلية الحوكمة والتدريب النفسي، وهناك كيانات صحية ظهرت بعد الثورة والتحرير تعمل في هذا الإطار وهي بحاجة إلى مظلة للتشبيك مع بعضها البعض من خلال وزارة الصحة.