سياحة و سفر

الاستمطار الصناعي… إلى متى سيكون الحل المؤجل لأزمة الجفاف في سوريا؟

الاستمطار الصناعي… إلى متى سيكون الحل المؤجل لأزمة الجفاف في سوريا؟

بقلم: ريم ريا

تواجه سوريا منذ سنوات أزمة جفاف شرسة ومتفاقمة، رمت بثقلها على الزراعة فتأثرت المحاصيل ونَقُصَ الإنتاج، وكذلك على الموارد المائية التي شَحت. فبات وجود المياه خاليةً من التلوث نادراً، ما أدى لإرباك حياة الناس اليومية. حيث تراجعت معدلات الأمطار بشكل ملحوظ وازدادت الضغوط على مصادر المياه السطحية والجوفية المهددة بالاندثار. مع تغيّر المناخ وارتفاع درجات الحرارة، بات البحث عن حلول غير تقليدية ضرورة ملحّة لتأمين المياه ومواجهة التحديات، من بين التقنيات المطروحة بشكل عالمي لمكافحة الجفاف تقنية “الاستمطار الصناعي”.

تعتبر هذه التقنية وسيلة تعتمد على التدخل البشري لتحفيز الغيوم على الهطول باستخدام مواد كيميائية معينة يتم إطلاقها عبر الطائرات أو الصواريخ. رغم إثبات نجاحها في دول عدة مثل الإمارات والصين وأمريكا، فإن تطبيقها في سوريا ما زال غائباً، ما يفتح باب التساؤلات حول جدواها، وإمكانية اعتمادها كجزء من الحلول المستقبلية لمشكلة ندرة المياه والجفاف.

فما هي هذه التقنية، وما الموانع من تنفيذها في سوريا، وهل نُفّذت من قبل؟

ما هو الاستمطار الصّناعي المرجو تطبيقه في سوريا… وأين استخدم ونجح حول العالم؟

الاستمطار الصناعي من التقنيات الحديثة الهادفة إلى تعديل الطقس وتحفيز السحب على الهطول في الحالات التي تتطلّب ذلك، بحيث يتم تسريع أو زيادة كمية الأمطار في مناطق تعاني من الجفاف.

فكرة الاستمطار الصناعي قائمة على نشر مواد كيميائية معينة داخل الغيوم القابلة للمطر مثل “يوديد الفضة أو أملاح الصوديوم والبوتاسيوم”، هذه المواد تعمل كنواة تكاثف تساعد قطرات الماء الصغيرة داخل السحب على الالتقاء والتجمع، مما يؤدي في النهاية إلى تشكّل قطرات أكبر تهطل على شكل مطر.

تتم هذه العملية عادةً وفي أغلب الأحيان عبر طائرات خاصة تحلّق داخل الغيوم وتطلق هذه المواد، أو عن طريق صواريخ موجهة تحمل المُركبات الكيميائية اللازمة، أو بوضع موّلد على الأرض يمكن أن يقوم بتوزيع بخار يحتوي على “يوديد الفضة عند هبوب رياح قوية” تحمل البخار عالياً نحو الغيوم.

تقدير نجاح العملية أو فشلها يعتمد بشكل رئيسي ومحوري على وجود غيوم “رطبة” في الأصل، أي أن التقنية لا تستطيع “خلق” المطر من العدم، بل فقط “تحفيز” الغيوم على أن تمطر.

جُربت وحققت نجاح في عدة دول، عبر الاعتماد عليها كجزء من الاستراتيجية المائية لتلك الدول. على سبيل المثال لا الحصر الإمارات العربية المتحدة تستثمر بشكل واسع في هذه التقنية لتعزيز أمنها المائي، والعام الماضي رُجح غرق البلاد بالسيول بسبب قيام الدولة بعملية استمطار صناعي، والصين استخدمتها في مشاريع ضخمة للتحكم بالأمطار في مناطق زراعية واسعة وحتى للحد من التلوث في أجواء المدن وهناك صراع صيني أميركي على الريادة في هذه التقنية في ظل تفرّد روسي باستخدامها، أما أمريكا فقد جرّبتها منذ منتصف القرن العشرين خصوصاً في ولايات تعاني من الجفاف مثل “تكساس وكاليفورنيا”.

اقرأ أيضاً: شتاء 2025 في سوريا.. توقعات استثنائية لم تتحقق والهطولات جاءت مخيبة للآمال

مدى نجاح تجربة الاستمطار الصناعي في سوريا.. هل جربت من قبل؟

التواجد الروسي كان حاضراً بأول مشروع استمطار صناعي في سوريا مطلع التسعينيات، والذي كانت له نتائج إيجابية على الزراعة السورية بحسب التقارير المواكبة للمشروع آنذاك، فقد تم إحداث مديرية خاصة بالاستمطار منذ عام 1990 أي منذ 35 عاماً ولديها أربع محطات رادار الطقس، وكان للمشروع أهمية بالغة.. لاسيما أن الجفاف كان في مرحلة تزايد واضحة في البلاد.

في ذلك الوقت، كان لا بد من وجود تجهيزات لازمة للقيام بعملية الاستمطار من بناء بنية تحتية لها على أساس علمي في ظل وجود أربع محطات رادار للطقس في سوريا، في “دمشق” و”حلب”. وأكدت الدراسات أن سعر الرادار الواحد يكلف بحدود مليون دولار في ذلك الوقت.. وكانت بحاجة دورية للصيانة وتأمين قطع الغيار أثناء الأعطال، وكان يتعين على المعنيين في ذلك الزمان الاستعانة بتجارب الاستمطار الروسية في سورية، لأنها رخيصة التكاليف، حيث بلغت تكلفة المتر المكعب من المياه حوالي /30/ قرشاً سورياً فقط في تسعينيات القرن الماضي.

حسب الصحافة المحلية في ذلك الوقت، “صحيفة تشرين” بتاريخ 18/3/2009، وعلى لسان مدير مديرية الاستمطار الدكتور “علي عباس”، أن كلفة المتر المكعب الواحد بلغت وسطياً /15/ قرشاً سورياً من المياه الناتجة عن الاستمطار.

لكن لم يكن هناك أي دور مميز لمشروع الاستمطار في سوريا، وكان يمشي بخطوات بطيئة، ولم يصل إلى مستوى الطموح المطلوب. أبرز المعوقات في ذلك الحين تمثلت في تأمين الاعتمادات اللازمة وإجراء الصيانات الدورية لكافة المحطات الموجودة في البلاد، لتكون على الاستعداد التام. وكان يجب إحداث محطة جديدة للرادار في محافظة “الحسكة” لكونها منطقة زراعية، مع العمل والتنسيق التام بين مديرية الاستمطار ومديرية الأرصاد الجوية في سوريا لدراسة أنواع السحب وحركتها، والاستفادة قدر الإمكان منها في عملية الاستمطار وفي الأوقات المناسبة لمواسم الزراعة الشتوية البعلية.

اقرأ أيضاً: الزراعة البعلية في سوريا تحت سطوة الجفاف

هل الغيوم السورية صالحة للاستمطار الصناعي… ما الموانع الأخرى؟

كما أفدنا، جرى العمل على مشروع الاستمطار في سوريا منذ عقود خلت، وكان يقوم على زرع الغيوم الركامية “بنويات” تجمد صناعية تُنثر في الغيوم اعتماداً وانطلاقاً من فكرة أن “نويات” التجمد الطبيعية في الغيوم غير كافية، ذلك من أجل تجميد أكبر كمية من المياه غير المبردة الموجودة في الغيوم.

وفي تصريح قديم يعود للدكتور “علي عباس” مدير الاستمطار في وزارة الزراعة عام 2011 قال: “قد يزيد الهاطل المطري بنسبة قد تصل إلى 45% حسب نوع الغيوم ،دافئة أم باردة”. لكن مع كامل الأسف أغلب مكونات المشروع ومقراته في سوريا دمرت في أَتون الصراع السوري.. ما سبب بخسارة هذا المشروع الهام بالكامل.

يجب على الجهات المعنية التحرك حيال مشكلة الجفاف ومواكبة تقنيات الاستمطار الصناعي معوضة التدمير اللاحق بالمشروع السابق، لكن عليها مواجهة التحديات في المناخ السوري والتجهيزات السورية لهكذا مشروع.

لا توجد تقارير واضحة تشير لموانع قيام مشروع الاستمطار في البلاد، لكن في مقاربة للواقع ومقارنة مع الدول الرائدة في هذا المجال نستطيع استنباط العديد من المعوقات عبر أخذ العديد من الأسباب الواقعية لعدم نجاح المشروع بعين الاعتبار، ومحاولة اقتراح حلول منطقيّة بناءً على المعطيات المستنبطة، وخَلصنا عبر ما توفرّ من معطيات أمامنا إلى أن الأسباب التالية في حال عدم معالجتها سَتَحول بين سوريا وبين قيام مشروع للاستمطار الصناعي فيها ينقذها من الجفاف. الأسباب المستخلصة هي:

  • الأسباب التقنية:

تتربع على رأس قائمة الأسباب المانعة لنجاح تجربة الاستمطار الصناعي في سوريا، فمثل هذه العملية يحتاج إلى تجهيزات عالية التطور.. كالطائرات الخاصة ذات القدرة على التحليق داخل الغيوم، أو الصواريخ الدقيقة المولدّة للمواد الكيماوية، وسوريا تفتقر للمختبرات العلميّة والخبرات اللازمة لإعداد مُسببات النتائج ومراقبة تلك النتائج وتحليلها. على سبيل المثال السعودية تملك هذه المختبرات. لهذا فتراجع البنية العلمية والتقنية في البلد يَحول دون قيام التجربة.

  • الأسباب المالية:

بلد كسوريا منهك اقتصادياً ومديون ويحتاج لإعادة إعمار في مواجهة تقنية حديثة متطورة كالاستمطار تحتاج أرطال من المال، كيف ستغطي سوريا ذلك؟؟؟

هذه التقنية تحتاج استثمارات كبيرة مدعومة بضخ مالي كبير لتوفير المواد المستخدمة مثل يود الفضة، ناهيك عن تكاليف تشغيل الطائرات الخاصة إلى جانب صيانة المعدّات بشكل دوري. على سبيل المثال الإمارات يتوفر لديها الضخ المالي لهكذا مشاريع أما سوريا في ظل هذا الاقتصاد المنهك لا تستطيع لوحدها.

  • الأسباب الطبيعية:

هنا يكمن مربط الفرس.. في حال علاج الأسباب السابقة وتهيئة اللوجستيات والمال للاستمطار.. كيف نصنع الغيوم؟ الاستمطار لا يصنع الغيوم بل يحفزها، وفي الحالة السورية تشير تقارير إلى أن نوع الغيوم في سوريا رقيق. فمن يتابع النشرات والتقارير الجويّة في سوريا ويراقب تشكل ظواهر الغيوم فوق سوريا في السنين الماضية، يلاحظ أن السحب في سوريا تميل لنوع السحب الركامية الضعيفة أو السحب السمحاقية، وهذه الأنواع غير مناسبة لعمليات الاستمطار.

وقد أشرنا في السابق لمحاولة زرع غيوم في سوريا من نوع محدد مناسب للاستمطار، فغياب الغيوم الملائمة يُفشل التجربة برمتها.. لا غيوم صالحة لا تجربة من الأصل. إن حالة الغيوم في سوريا مختلفة عن مناطق الخليج أو شرق آسيا، حيث تتشكل غيوم كثيفة قابلة للهطول بشكل أكبر.

  • الأسباب الإدارية:

هذه العملية تحتاج لتنسيق إداري ولوجستي وتقني عالي المستوى بين الوزارات المعنية “الزراعة، الموارد المائية” والأرصاد الجويّة، وتتطلب دعم سياسي مترافق مع استقرار إداري يُلاحظ وجوده في روسيا وأمريكا وغيابه الآن في سوريا.

ناهيك عن غياب البرامج البحثية المتقدمة بالبلاد وضعف التنسيق المؤسساتي، ما يجعل المشروع “خيال فكري” طَموح لأن يرقى ليكون “طموح نظري” على أمل التطبيق العملي يوماً ما.

ختاماً، لا داعي لتقدمة حلول فمعالجة الأسباب السابقة بحد ذاتها حلول لنجاح التجربة، إلاّ في حال تعاونت دول متقدمة في هذا المجال مع سوريا وشاركتها معداتها وتقنياتها وخبراتها… على غرار تجربة الاستمطار الأخيرة في حوض اليرموك بين سوريا والأردن.

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.