الكاتب: أحمد علي
تبدو الأسرة السورية اليوم كبيتٍ قديمٍ يعرف سرّ تماسكه لكنه يختبر يومياً قسوة الزمن، الحلم البسيط ببيتٍ وزواجٍ آمن صار مشروعاً مُعقّداً يتقاطع فيه الاقتصاد والقوانين والهجرة وتغيّر القيم الاجتماعية.. وهذا ليس نصاً لِتأبين العائلة بقدر ما هو محاولة لقراءة ظاهرة العزوف عن الزواج في سوريا بعيونٍ باردة، تقارن وتفكّك ثم تقترح، فحين نتكلم عن عزوفٍ متزايد، نحن لا نصف مزاجاً عابراً، بل نقرأ تحوّلاً اجتماعياً واسعاً تدفعه أرقام الوقائع بقدر ما تصوغه المخاوف اليومية واشتراطات الحياة.
العزوف عن الزواج في سوريا: جذور اقتصادية ونفسية
على المستوى الاقتصادي، لا يمكن فصل العزوف عن الزواج في سوريا عن واقع الفقر الممتد؛ فوكالات الأمم المتحدة تؤكّد أن نحو 90% من السكان يعيشون تحت خط الفقر عامَي 2024–2025، ما يضغط على قرارات تكوين الأسرة ويؤجّلها أو ينسفها كليّاً.
ومع موجات التضخّم وتقلّبات سعر الصرف، تحوّل «المهر» إلى ذهبٍ ومبالغ كبيرة للتحوّط من تآكل القيمة؛ ووصلت بعض العقود الموثّقة في دمشق إلى تسجيل مهور بمليارات الليرات أو كيلوغرامات من الذهب، بينما تتداول الأوساط الاجتماعية مهوراً تبدأ من 5 إلى 10 ليرات ذهبية للطبقة المتوسطة وما فوقها.
وإلى جانب الكلفة، تتكثّف الضغوط النفسية؛ بطالة ممتدة، هجرة واغتراب، وخشية من عدم القدرة على توفير مسكن وتجهيزات أساسية – وكلها أسباب يسمّيها الشبان صراحةً حين يضعون «مشروع الزواج» في آخر قائمة الأولويات.
قبل العاصفة: كيف كانت صورة الزواج والطلاق ما قبل 2011؟
تكشف بيانات المكتب المركزي للإحصاء أن عام 2010 شهد 241,422 عقد زواج بنسبة 10.6 بالألف من السكان، مقابل 29,525 شهادة طلاق—أي نحو 6% من واقعات الزواج، وهذه اللوحة تُظهر كثافة زواج أعلى واستقراراً نسبياً في الميزان الأسري قياساً بالسنوات اللاحقة.
وفي الصورة الديموغرافية الأوسع، كانت سوريا تسجّل ارتفاعاً لافتاً في سنّ الزواج الأول قبل الأزمة؛ فمتوسط عمر النساء عند الزواج الأول بلغ 27.1 سنة في 2009، مقابل 29.4 للرجال، وهو ارتفاع يعكس انتقال المجتمع نحو تعليمٍ أطول وتطلعات مهنية أوسع قبل تكوين الأسرة.
مرايا 2021–2025: أرقام تُضيء مسار التحوّل
بعد عقدٍ من الحرب والانهيار الاقتصادي، تغيّرت لوحة الوقائع، إذ تُظهر المجموعة الإحصائية لعام 2022 أن سوريا سجّلت في 2021 ما مجموعه 237,944 عقد زواج و41,957 شهادة طلاق (17.6% نسبة الطلاق إلى الزواج في العام نفسه). وفي 2022 انخفضت عقود الزواج إلى 229,549 وارتفعت شهادات الطلاق إلى 46,827 (+11% عن 2021).
وهذه الاتجاهات لا تعني فقط «أزواجاً أقل»، بل «هشاشة أعلى» في العلاقات القائمة أيضاً، والجدير بالتنبيه أنّ جزءاً من الواقع يجري خارج السجلات الرسمية بسبب الزواج العرفي أو مناطقٍ خارج السيطرة الحكومية، ما يجعل الأرقام الرسمية «أرضيةً دنيا» لما يحدث على الأرض.
قانونٌ يتغيّر… وواقعٌ يعانِد
عُدّل قانون الأحوال الشخصية عام 2019 رافعاً السنّ القانوني للزواج إلى 18 عاماً للذكور والإناث، ومضيفاً تعديلاتٍ توسّع وكالة المرأة وتشدّد بعض ضوابط العقد، غير أنّ الأثر الاجتماعي يتوزّع بين محاكم وقائعٍ عرفية واستثناءاتٍ قضائية في حالات محددة، ما يقلّل من القدرة على كبح زواج القاصرات أو توحيد المعايير.
وإذ ارتبطت سنوات الحرب بارتفاع في الزواج القسري والمبكّر في بعض المناطق بوصفهما «آليات تأقلم» مع الفقر وانعدام الأمان، فقد سجّلت تقارير أممية ذلك بوضوح، محذّرةً من استمرار الظاهرة في بيئات الهشاشة.
لماذا يعزف الشبان؟
ليس الاقتصاد وحده ينسج خيوط العزوف عن الزواج في سوريا، فثمّة هجرة ذكورية كثيفة خلّفت فجوات في «بيئة الزواج»، وخوفٌ من التزامٍ طويلٍ في بيئة معيشية غير مستقرة، وإدراك متزايد لحقوق فردية جديدة يجعل التأنّي فضيلةً اجتماعية.
وعلى الخطّ ذاته، تتزاحم عناصر ثقافية – من توقعاتٍ أسرية عالية حيال «المهر والذهب والبيت»، إلى صورةٍ جديدة للشراكة الزوجية تتطلّب قدرة على التواصل وتوزيع الأدوار، وهكذا يصبح العزوف عن الزواج عرضاً مركّباً: ارتفاع سنّ الدخول في الزواج، نزعة للتأجيل بدل الرفض النهائي، وتحوّلٌ في التصورات عن جودة العلاقة نفسها.
حلول واقعية: من تخفيف الكلفة إلى إعادة الثقة
بالتأكيد، تبدأ المعالجة بالوقائع لا بالشعارات.. أولاً، سياساتٌ تخفّف كلفة التأسيس: برامج إسكانٍ ميسّرة للشباب، قروض صغيرة بضمانات مرنة لتجهيز بيت الزوجية، وحوافز ضريبية لتسجيل العقود رسمياً.
ثانياً، عقلنة المهر عبر توعية مجتمعية وربط الالتزامات بقدرة الدفع الواقعية، وتبنّي صيغٍ مرنة في توثيق «المؤجّل» بما يحفظ حقّ الزوجة دون ربطه بالذهب فحسب – ذلك أن تحويل المهور إلى ليرات ذهبية في زمن تقلب الأسعار يرفع عتبة الدخول للزواج ويغذّي العزوف. ولو استطردنا قليلاً، فإن التفكير في إلغاء المهر كليّاً أمر جدير بالدراسة والبحث ضمن واقع الحال السوري، فما الذي يمنع؟! إن كان ذلك بدأ يحدث بصورة عفوية في حالات مختلفة نسمع عنها في مجتمعاتنا المحلية..
ثالثاً، ربط الملف بسياسات العمل، ففرص التشغيل اللائقة للشباب هي «الخطوة صفر» لأي استقرار أسري مستدام، ومع تحسّن الدخل وتراجع القلق المعيشي، تنخفض تلقائياً دوافع التأجيل والامتناع عن الزواج.
بين رقمٍ وحلم
لا يختزل العزوف عن الزواج في سوريا في جملة سببية واحدة؛ إنّه محصلة اقتصادٍ متعب، وقانونٍ يتقدّم خطوةً ويتعثّر بأخرى، وثقافةٍ تعيد تعريف السعادة والاستقرار، ومع ذلك، تبقى النافذة مفتوحة: تشخيصٌ أدقّ، بياناتٌ معلَنة وشفافة، وسياساتٌ تخفض الكلفة وتزيد اليقين، كفيلة بتحويل العزوف من ظاهرةٍ مقلقة إلى خيارٍ فردي محترم لا يفرضه العجز بل يُحدّده الوعي.
اقرأ أيضاً: كيف يمكن محاربة الفقر جديّاً في سوريا؟!