شركات

المجتمع المدني في سوريا: إعادة تشكيل لدوره بمشاركة الاتحاد الأوروبي

المجتمع المدني في سوريا: إعادة تشكيل لدوره بمشاركة الاتحاد الأوروبي

بقلم هلا يوسف

يعتبر الحوار من أبرز الأمور التي يحتاجها الشعب السوري في المرحلة الانتقالية الحالية. حيث يلعب المجتمع المدني بكافة مكوناته دوراً حيوياً في تعزيز هذا الحوار وإيصال أصوات مختلف الفئات، بهدف ردم الهوة بين مكونات المجتمع التي حصلت خلال الحرب السورية، وتعزيز قيم العدالة بدلاً من الانتقام. ومن هنا بدأت رحلة “يوم الحوار الوطني مع المجتمعات المدنية” بتنظيم من الاتحاد الأوروبي. في هذا المقال، نعرض لك تفاصيل اليوم الأول من هذا الحوار وأبرز ما تم مناقشته.

انطلقت فعاليات “يوم حوار مع المجتمع المدني” أمس السبت، بدعم مشترك من الحكومة السورية والاتحاد الأوروبي، وبمشاركة واسعة من ممثلي المجتمع المدني. وبرز حضور منظمات المجتمع المدني التابعة لقوات سوريا الديمقراطية التي قدمت رؤيتها حول الوضع الراهن وآفاق المستقبل، في حين اعتذر ممثلو مدينة السويداء عن المشاركة بسبب اعتبارات أمنية كما أفادوا.

احتضن المؤتمر في أروقة قصر المؤتمرات بدمشق 500 مشارك، من بينهم ممثلون عن 355 منظمة سورية، تشمل 269 منظمة تعمل داخل سوريا، بالإضافة إلى 50 منظمة دولية. كما شارك ممثلون عن السلطات السورية، الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء، دول الجوار، والأمم المتحدة.

وقد تميزت هذه النسخة من حوار المجتمعات المدنية بحضور لافت من غالبية منظمات المجتمع المدني السوري، بالإضافة إلى عدد من المستقلين الذين حاضروا هذا الحدث. ومن جهة أخرى تعد هذه المرة الأولى التي تستضيف دمشق مؤتمر “يوم الحوار” بنسخته التاسعة. إذ كانت تنظم في بروكسل منذ عام 2017. وجاء اختيار مدينة دمشق لإقامة المؤتمر ضمن إطار مؤتمر بروكسل السنوي حول سوريا. ويعد هذا الحدث منصة تفاعلية للحوار بين منظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية العاملة في سوريا والمنطقة.

يهدف “يوم الحوار” إلى تبادل الأفكار والخبرات بين مختلف الأطراف، والمساهمة في صياغة السياسات التي توجه الدعم الدولي المستقبلي.

دعم الاتحاد الأوروبي لهذا الحدث

قالت المفوضة الأوروبية لشؤون المتوسط، دوبرافكا سويكا، إن تنظيم فعالية “يوم الحوار” داخل سوريا للمرة الأولى، يعكس التزام الاتحاد الأوروبي المستمر بدعم قيم الشمولية والمصالحة، وبخلق مساحة مدنية آمنة يمكن للسوريين من خلالها التعبير والمشاركة في صنع مستقبلهم.

من جانبها، أكدت الممثلة السامية للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس، أن دعم الاتحاد الأوروبي لسوريا يتجاوز حدود التصريحات، مشيرة إلى أن الاتحاد يقدم مساعدات فعلية تصل إلى 2.5 مليار يورو للمساهمة في إعادة إعمار البلاد. وأوضحت كالاس أن سوريا، بعد سنوات طويلة من الصراع والديكتاتورية، تمتلك اليوم فرصة حقيقية لإعادة البناء على أسس تعكس إرادة شعبها، وأن وجود مجتمع مدني حر ومستقل يشكل ركيزة أساسية في هذه العملية.

أما وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، فاعتبر أن إطلاق هذه الفعالية يمثل بداية لشراكة قوية بين الحكومة السورية والمجتمع المدني، وأيضاً مع شركاء سوريا في الاتحاد الأوروبي. وأكد في كلمته أن المجتمع المدني في سوريا ليس ظاهرة طارئة، بل هو امتداد لتاريخ طويل من النقابات والمبادرات الإنسانية والطلابية التي صمدت في أصعب المراحل، مشيراً إلى أنه اليوم يشكل “مرآة لنبض الشارع وجسراً يربط بين الدولة والمجتمع”.

وفي السياق ذاته، شددت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات على أن “الحوار هو نقطة الانطلاق نحو التغيير”، مؤكدة أن إعادة بناء سوريا لن تتحقق إلا من خلال شراكة حقيقية بين الدولة والمجتمع تقوم على الاحترام المتبادل. وأضافت أن المجتمع المدني شريك أساسي في عملية التنمية من خلال دوره في “التخطيط والتنفيذ والمساءلة”، إلى جانب المؤسسات الرسمية والمنظمات الدولية، بما يضمن العدالة والشفافية.

من جهة أخرى أوضح الكاتب والإعلامي السوري علي عيد أن الحضور الواسع في هذا اليوم عكس مشهداً غير مسبوق في المؤتمرات السورية، سواء من حيث تنوع المشاركين أو جرأة الطروحات التي تناولت قضايا المجتمع المدني. وأشار إلى أن الفعالية شهدت ترجمة بثلاث لغات من بينها الكردية، معتبراً ذلك إشارة إلى انفتاح حقيقي على جميع المكونات السورية ورغبة واضحة في بناء حوار وطني شامل.

دور المجتمع المدني خلال المرحلة الانتقالية

في إطار تعزيز دور المجتمع المدني في المرحلة الانتقالية، نظمت المبادرة السورية للحيز المدني (SCSI) جلسة نقاشية يوم الجمعة، بدعم من الاتحاد الأوروبي، قبيل انطلاق “يوم الحوار مع المجتمع المدني”. وكانت الجلسة بمثابة منصة لإطلاق ورقة سياسات بعنوان “دور المجتمع المدني في المرحلة الانتقالية”، والتي تناولت العلاقة بين المجتمع المدني والدولة والمجتمع المحلي والجهات المانحة.

شاركت في كتابة الورقة مجموعة من الخبراء والناشطين السوريين، وهم: ندى أسود، فرح حويجة، ناز حمي، نسرين علاء الدين، زيدون الزعبي، وعمر عبد العزيز الحلاج.

استندت الورقة إلى سلسلة من اللقاءات التي أجرتها المبادرة مع عدد من مؤسسات المجتمع المدني السوري، بالإضافة إلى مجموعة من الناشطين والناشطات من مختلف المناطق السورية. وكانت هذه اللقاءات جزءاً من الجهود التي تهدف إلى تقديم رؤية شاملة للمبادرة السورية في هذا السياق.

وقالت نسرين علاء الدين، الشريكة المؤسسة في المبادرة، إن الهدف من الورقة كان جمع آراء السوريين والسوريات حول أدوار المجتمع المدني في المرحلة الانتقالية. وأوضحت أن الورقة تم إعدادها بعد سلسلة من المشاورات الواسعة مع فاعلين وفاعلات من مختلف المناطق السورية. وأضافت أن الورقة تهدف إلى توضيح أدوار المجتمع المدني في هذه المرحلة، وتحديد الإطار الذي يحكم هذه الأدوار وفقاً للمعايير القائمة في الساحة السورية.

تناولت الورقة بشكل خاص علاقات المجتمع المدني، بما في ذلك علاقته مع الحكومة، ومع المنظمات المدنية الأخرى، وكذلك علاقته بالمانحين المحليين والدوليين، إضافة إلى علاقته بالسلطات المحلية. وفي ختام الورقة، تم تقديم مجموعة من التوصيات الموجهة إلى جميع الأطراف المعنية، سواء كانت حكومية، مانحة، أو منظمات المجتمع المدني.

تنظيم علاقة المجتمع المدني بالسلطة

شرح أحمد قربي، الباحث الأكاديمي ومدير مركز الحوار السوري، ثلاثة نماذج رئيسية لعلاقة المجتمع المدني بالسلطة في سوريا:

  • حالة المواجهة: وهي الحالة التي يعود فيها المجتمع المدني إلى موقعه المعارض، كما كان الحال خلال الثورة، مما يضعه في صدام مباشر مع السلطة.
  • حالة الانخراط: حيث يشارك المجتمع المدني في معركة ضد السلطة، محاولاً التصدي لها أو مواجهتها.
  • حالة التكامل: وهي الحالة التي يأمل قربي في تحقيقها، حيث يعمل المجتمع المدني على سد الثغرات وتفعيل التعاون مع السلطة لتحقيق النجاح المشترك في المرحلة الانتقالية. في هذه الحالة، يعتبر نجاح المرحلة هدفاً مشتركاً بين جميع الأطراف.

يؤكد قربي أن المجتمع المدني حالياً يتجه نحو النموذج الثالث، أي التكامل مع السلطة، رغم أنه يلاحظ بعض الاستثناءات، حيث تقوم بعض المنظمات بدور موازٍ أو حتى تابع للسلطة، وهو ما يظهر بشكل خاص في المجال الإعلامي. في المقابل، هناك منظمات أخرى ما تزال في حالة صراع ومواجهة مع السلطة، وهو ما يعكس سلبياً على الدولة بأسرها وليس فقط على السلطة.

وفيما يخص مجالات الصحة، والمساعدات، والطوارئ، يرى قربي أن هذه المجالات تمثل نموذج جيد للتكامل الإيجابي بين المجتمع المدني والسلطة. ومع ذلك، يظل من الصعب الجزم بأن أحد النماذج الثلاثة هو الأكثر سيطرة على عمل المجتمع المدني في الوقت الراهن. ويؤكد قربي أن هدف المشاركين في هذا المجال هو توفير مساحة حقيقية للمجتمع المدني للتعبير عن نفسه، وتبني دور تكاملي بعيد عن المواجهات التي قد تضر بمصداقيته في هذه المرحلة.

كما أشار إلى أنه يجب على المجتمع المدني أن يظل صوت المجتمع، ويعمل على التغيير بطريقة هادئة ومتدرجة، بعيدًا عن الأسلوب الصدامي الذي قد يفقده شرعيته. وأكد على أن المجتمع المدني يجب أن يقود قضايا المجتمع من الأسفل إلى الأعلى، وهذا يتطلب تفاعل دقيق مع التحديات التي تواجه المجتمع السوري في هذه المرحلة الانتقالية.

اندماج المجتمعات المحلية

قالت نسرين علاء الدين إن المحاولات الجارية في الوقت الراهن لا تركز على الاندماج بين منظمات المجتمع المدني، بقدر ما تسعى إلى إيجاد مساحات أوسع وأثر أكبر للعمل. وأوضحت أن الجميع يحاول تأكيد وجوده في مناطقه الخاصة، وأن العديد من المنظمات تسعى لإبراز دورها المحلي وتعزيز تأثيرها في المناطق التي تعمل بها.

وأشارت إلى أنه، رغم مرور ما يقارب العام على سقوط نظام الأسد، لا يزال هناك سعي مستمر من قبل مختلف الأطراف للحصول على تلك المساحات التي يفترض أن تكون متاحة للعمل المدني بحرية. وأكدت أنه في هذا السياق، بعض الأطراف تراجعت عن دورها أو انكفأت، بينما توسعت أطراف أخرى في نطاق عملها، مما جعل مساحة عمل المجتمع المدني أكثر تباينًا.

ورغم هذه التحديات، نوهت علاء الدين إلى أن جميع الأطراف تعمل بشكل جاد على ترسيخ وجودها على الأرض، محاولين تكريس دورهم ضمن مجال العمل المدني في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ سوريا.

منظمات المجتمع المدني في شمال شرق سوريا

استعرضت شيرين إبراهيم الإعلامية ومديرة مشاريع رابطة “دار” لضحايا التهجير القسري، أبرز التحديات التي تواجهها منظمات المجتمع المدني في شمال شرقي سوريا، مشيرة إلى أن هناك قضايا محلية لا تحظى بالاهتمام الكافي على المستوى الوطني، مما يشكل تحديًا كبيرًا أمام هذه المنظمات. وتُبرز هذه القضايا بشكل خاص في مناطق مثل الرقة، دير الزور، والحسكة، التي تقع ضمن مناطق الإدارة الذاتية. وأكدت إبراهيم على ضرورة فهم هذه القضايا بعمق ودقة، كي يتم طرحها بشكل مناسب على المستوى الوطني.

وأضافت أن تحدياً آخر يكمن في انعدام الجغرافيا المتكاملة بعد سقوط النظام، ما يجعل التنقل بين شمال شرقي سوريا وبقية المناطق السورية أمر صعب، وبالتالي يجعل من الصعب الاطلاع على تجارب المناطق الأخرى من الداخل السوري.

وشددت على أهمية إجراء لقاءات دورية بين منظمات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية لفهم التفاصيل الدقيقة في كل منطقة. وبينت أنه رغم التشابه في القضايا بين المناطق السورية نتيجة النظام السياسي الواحد الذي استمر أكثر من نصف قرن، إلا أن التفاصيل تظل بالغة الأهمية لإيجاد حلول مشتركة وفعالة. وحذرت إبراهيم من أن عدم القدرة على إيجاد حلول لهذه القضايا سيحول المجتمع المدني إلى جزءاً من المشكلة، مما يساهم في استمرار أزمة الدولة في المستقبل.

وفي تعليقها على اتفاق 10 آذار، قالت إبراهيم إن خطوات الحوار والاندماج ونزع السلاح هي اهداف متفق عليها ومشتركة من قبل الجميع. إلا أن الاختلاف يأتي من آليات التنفيذ وشكلها، ومدى القدرة على استيعاب التعدد ضمن الإطار القانوني والديمقراطي الجامع. وأشارت إلى أن التفاصيل في هذه المسائل هي ما يجعل التحدي أكبر، مؤكدة على ضرورة بناء علاقة قوية وشراكة عادلة بين المركز والأطراف المختلفة، بغض النظر عن شكل النظام.

فيما يخص ملف المجردين من الجنسية، أشارت شيرين إبراهيم إلى أن الأحزاب الكردية تواصل تمسكها الشديد بهذا الملف، مؤكدة أن المنظمات المدنية والحقوقية تضعه على رأس أولوياتها، خاصة في ظل غياب قانون الأحزاب في سوريا. وأضافت أن شبكات مدنية قد تم تأسيسها لدعم هذه الفئة، بهدف التعريف بقضيتهم ورفع الوعي حولها، عدا عن الضغط نحو إيجاد إطار قانوني يعترف بحقوق جميع السوريين ويحمي التعددية.

وأكدت إبراهيم أن هذه الجهود تهدف إلى تصحيح الضرر الناتج عن التجريد من الجنسية، مع الاعتراف بالمأساة التي تعرض لها هؤلاء الأفراد، والعمل على إعادة الجنسية للمستحقين، بما يضمن حقوقهم ويعزز العدالة الاجتماعية.

باختصار، يمكن القول إن دور المجتمع المدني اليوم هو محاولة للتوفيق بين مختلف أطياف المجتمع السوري، وفي نفس الوقت تعزيز التعاون مع السلطة ونقل مطالب المجتمع إليه. لذلك إذا تمكنت المنظمات من العمل على أساس الحرية والعدالة والمساواة، فبإمكانها فعلاً أن تلعب دورها الحقيقي في هذه المرحلة. لكن الأهم من كل الاجتماعات والمؤتمرات هو ما سيتحقق على أرض الواقع، وهل ستترجم هذه الجهود إلى تغيير حقيقي يشعر به الناس.

اقرأ أيضاً: المرأة السورية في البورصة .. إنجاز لافت محفوف بالعقبات

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.