بقلم: ريم ريّا
في قلب حلب القديمة، بين رائحة التاريخ وصدى المآذن، تقف المدرسة الخسروية شاهدة على خمسة قرون من العلم والعمران والروح. ليست مجرد مبنى أثري بقباب وأقواس، بل ذاكرة مدينة بكاملها، مرّ منها علماء ومفكرون وأجيال جعلت من العلم عبادة ومن العمارة لغة. تم تشييدها في القرن السادس عشر بأمر الوالي العثماني خسرو باشا، لتكون أول مدرسة عثمانية في بلاد الشام، وامتد أثرها بعيداً عن حدود الحجر حتى غدت رمزاً للهوية الحلبية التي تعرف كيف تزاوج بين الجمال والمعرفة.
حول المدرسة الخسروية في حلب
تم بناء المدرسة في مدينة حلب في عهد الدولة العثمانية، عام 154م وما يقابله عام 951هـ. صممت المدرسة من قبل المعماري العثماني الشهير المعمار سنان باشا، وتهدمت في زلزال حلب 1237 هـ، ثم اهتم بها والي حلب جميل باشا فرمم القبلية .
أما سنة 1330هـ، جددت المدرسة بمساعي الشيخ رضا الدمشقي الذي كان قيماً عليها.
تتألف الجهة القبلية من المدرسة من قاعة كبيرة مربعة بطول (16) متر ذات قبة ارتفاعها (21) متر كتب عليها أسماء الله الحسنى وزينت شبابيكها من الأعلى بقطع من القاشاني البديعة وقامت في الجانب الجنوب الغربي منارة رشيقة طويلة مستديرة الشكل زُينت في أعلاها بحزام من ألواح القاشان.
استخدمت المدرسة خلال الحرب العالمية الأولى للعسكر والذخيرة. أعيد افتتاح المدرسة في 1340هـ بمساعي يحيى الكيالي، مع استكمال الحجرات الشرقية وبناء قسطل ماء وتوسيع بعض الحجرات للقراءة والإدارة، كما أهدى لها مرعي باشا الملاح 120 كتاباً قيماً عام 1342هـ. تمتاز المدرسة بمحرابها الجميل ذا الرخام الملون وبزخرفة أحجار منبرها، ويوجد أيضاً رواق مقبب بست قبب أمام القبلية، وعلى طرفي مدخل الباب تحت قنطرته العظيمة عامودان من الرخام بنقوش بديعة. وفيها الزاوية المعروفة بزاوية الشيخ تراب. في 1959م، أعيد تنظيم التعليم الشرعي في حلب ودمجت بعض المدارس الشرعية، ليصبح اسمها الرسمي الثانوية الشرعية وتستمر في تدريس العلوم الشرعية حتى اليوم.
اقرأ أيضاً: من ذاكرة الحجر والحنين “حي الجميلية” الحلبي إرثٌ لا يشيخ

ما أبرز ما يروى عن المدرسة من حيث العلم والأحداث
تولى التدريس فيها عدد من كبار العلماء أبرزهم العلامة الشيخ تاج الدين ابراهيم الصنوي المتوفى سنة 973هـ، والعلامة الشيخ نصوح بن يوسف الأرنؤوطي المتوفى سنة 981هـ. بعدها أضحى التدريس فيها رتبة سلطانية يتم منحها لكل من تولى الإفتاء في حلب، فمن المفتين الذين تولوا التدريس فيها المفتي عبد اللطيف الزوائدي المتوفى سنة 1132هـ، وأبو السعود الكواكبي المتوفى سنة 1137هـ. وآخر شيوخها قبل عملية الإصلاح الشيخ ابراهيم سلقيني المتوفى سنة 1367هجري.
في سنة 1266 هجري حصلت فتنة حلب المعروفة ب (قومة البلد)، فقصدها بعض رجال (القومة) ونزعوا ما على قبابها من رصاص وصبوه مقذوفات لبنادقهم، فزادت تخريباً وإهمالاً وبقيت على هذه الحال إلى أوائل هذا القرن فاهتم بها الوالي جمال باشا ورمم قبلية الجامع وذلك سنة 1302 هـ.
أبرز من خرجت المدرسة الخسروية
خرجت هذه المدرسة عددا كبيرا من العلماء الذين تفخر بهم مدينة حلب نذكر منهم:
- الدكتور مصطفى الزرقا.
- الشيخ محمد النبهان.
- الشيخ محمد نجيب خياطة.
- الدكتور الشيخ معروف الدواليبي.
