تحقيق: هلا يوسف
أفرزت سنوات الحرب في سوريا مشاكل اقتصادية واجتماعية كبيرة، مما دفع بالكثير من الناس للبحث عن مصادر دخل بأساليب مختلفة، لذا كان خيار تطبيقات البث المباشر والمحادثات الصوتية والكتابية خياراً لدى فئات شبابية واسعة. وحتى الفئات الأكبر عمراً وجدت لنفسها مكاناً بشكل أو بآخر. لكنّ الدخول في هذه البرامج كشف الكثير من التفاصيل المروّعة أحياناً، والمتوقعة أحياناً أخرى، منها غير الأخلاقية والابتزاز، خصوصاً المرتبطة الفتيات اللواتي وجدن في هذه البرامج سبيلاً للخلاص، وفي كثير من الأحيان درباً لسدّ احتياجات العائلة.
على الرغم من وجود العديد من البرامج التي تفرض قيوداً أخلاقية معينة، إلا أن بعضها الآخر مصمم ليكون مرتعاً لتسويق الدعارة والتعامل بها بشكل رقمي، وأحياناً حسّي. نتحدث هنا عن تطبيقات تسعى لاستنساخ تطبيقات غربية شهيرة، ولكن بطابع سوري وعربي، مثل موقع “Only Fans” الذي نسمع عنه باستمرار.
تبعاً لذلك، شرعنا في تسليط الضوء في مقالنا هذا على آلية عمل هذه البرامج، محاولين الكشف عن خفاياها عبر وسائل متعددة، منها التواصل مع أشخاص يعملون فيها منذ سنوات، في محاولة معرفة المبالغ الحقيقية التي يحصلون عليها بعيداً عن المبالغة، بالإضافة إلى نقل رأي القانون السوري بها، وصولاً إلى التحدّث مع وكلاء تجاريين محليين لهذه التطبيقات. ولن يغيب عن مقالنا بالطبع التعرّض لآثارها النفسية والاجتماعية عبر تعليقات خبراء اجتماعيين.
ما هي تطبيقات البث المباشر؟
استخدمت تطبيق البث المباشر كأداة تتيح للمستخدمين بث محتوى الفيديو مباشرة عبر الإنترنت، وتتيح هذه التطبيقات للأفراد والفنانين والشركات مشاركة الفعاليات الحية، والعروض، والدروس التعليمية، وغيرها من أنواع المحتوى مع جمهورهم.
وكما شاهدنا في العديد من عروض البث المباشرة، فإنّها تسمح لصاحب البث بالتفاعل مع المشاهدين من خلال الدردشة الحية والتعليقات وردود الفعل، مما يجعل التجربة أكثر تفاعلية وجاذبية.
تتنوع تطبيقات البث المباشر، وتشمل هذه التطبيقات بث ألعاب الفيديو، والعروض الموسيقية والمحاضرات التعليمية، وعروض الطهي، ومدونات السفر المباشرة، وأكثر من ذلك، في حين تنقسم برامج إلى برامج على مواقع التواصل الاجتماعي مثل يوتيوب لايف، انستغرام لايف، فيسبوك لايف، تيك توك لايف.
لكن تركيزنا في هذا التحقيق سيكون على تطبيقات الدردشة والبث المباشر من أطراف خارجية، والتي يعمل بها الكثير من السوريين اليوم – ومعظمهم من النساء – بقصد تحقيق مداخيل شهرية. بعض أشهر أسماء هذه التطبيقات: مثل بيغو لايف، ستريملابز، فيميو، سويتشر، لايف مي، لاریکس برودكاستر، يوانو، داکاست.
نور: البث المباشر أسيء استخدامه في مجتمعاتنا
نور “اسم مستعار” من مدينة حمص تروي لموقع “سوريا اليوم 24” عن تجربتها في هذه البرامج، وتشير إلى أن هذه التطبيقات تابعة في معظمها لشركات صينية ويابانية، وتعتمد على جمع “الكوينزات” واستبدالها بالمال. وفقاً لنور، فقد بدأت هذه التطبيقات في بلادها الأصلية كجزء من تعريف مجتمعاتهم بصنّاع محتوى مبدعين في مختلف المجالات.
وأضافت أن هذه البرامج تقوم على غرف للبث المباشر، سواءً كانت غرف دردشة صوتية أو بثاً مرئياً، وذلك بحسب نوع التطبيق. ففي مجتمعات تلك الدول، نجد عائلات كاملة تقدم بثاً مباشراً كمحتوى ترفيهي، أو غرفاً للنقاش حول قضايا السياسة والاقتصاد والإعلام، بينما في مجتمعاتنا العربية جرى استخدامها غالباً بشكل سيّئ.
وبيّنت نور بأنّ النساء يشكلن الشريحة الأكبر من مستخدمي هذه التطبيقات، ويرجع ذلك إلى عوامل اقتصادية واجتماعية، خصوصاً في سوريا التي عانت لسنوات من الحصار الاقتصادي وما خلّفه من تراجع في مستوى المعيشة، إلى جانب البطالة والظروف الاجتماعية التي تدفع بعض الفتيات إلى الهروب من واقع عائلي صعب نحو هذه البرامج.
تقول: «بعضهن يعتمدن على هذه التطبيقات كمصدر دخل أساسي، حيث يمكن أن يصل متوسط العائد الشهري إلى أكثر من 100 دولار في حال كانت الناشطة تعرف كيفية استغلال المنصة بطريقة بعيدة عن الشبهات والممارسات غير الأخلاقية، بينما يتراوح الدخل بين 15 و50 دولاراً فقط لمن لا يُجدن استخدامها، أما اللواتي يستخدمن أساليب غير أخلاقية فيحصلن على مبالغ أكبر بكثير.
كما لفتت إلى أن بعض الوكلاء قد يستغلون الفتيات اللواتي يعملن معهم لجذب داعمين من وكالات أخرى، ويتصدر السعوديون والعراقيون قائمة الداعمين، إلى جانب السوريين المغتربين.
وأشارت نور أيضاً إلى أن التحويلات المالية تصل إلى العاملات في التطبيقات عادةً بأسماء مستعارة، ما يعني أنهن لا يعرفن حقيقة هوية الأشخاص الذين يرسلون الأموال، وأن بعضهن يتقاضين مستحقاتهن عبر الوكيل الذي يمثل حلقة وصل بينهن وبين إدارة التطبيق.
وأوضحت أن الوكيل والإدارة يحصلان على نسبة من الأرباح، أما بالنسبة للعملة، فذكرت أنه قبل انهيار النظام السابق كانت الحوالات تُدفع بالليرة السورية حصراً، أما اليوم فأصبح بالإمكان استلام الأموال بالليرة السورية أو التركية أو بالدولار الأميركي.
مبالغ تصل إلى 1200 دولار ولكن مع شوية دلع
في الوقت ذاته، تحدّثت لبانة (اسم مستعار)، وهي من اللواتي يمتهنّ العمل في البثّ المباشر، إلى “سوريا اليوم 24” لتخبرنا عن قصتها. تقول لبانة بأنّها امرأة متديّنة، ولا يمكن أن تفعل ما يخالف الشرع، وبأنّها وصلت إلى تطبيقات الدردشة والبثّ المباشر بعد أن فقد الجميع في عائلتها أعمالهم.
ترى لبانة بأنّ من يريد أن يحافظ على أخلاقه يمكنه ذلك، ومن يريد الربح السريع فلا دخل للتطبيقات بالأمر. وقد أخبرتنا بأنّها في البداية كانت تتشكك في صوابية ما تفعله، لدرجة أنّها سألت زميلتها في درس الدين عمّا إن كان ما تفعله حرام، لكنّها بعد فترة وجدت بأنّها لا ترتكب أيّ معصية. حتّى أنّها أكدت: «عندما أتحدث مع إحدى النساء، ويدخل زوجها إلى الغرفة، أضع الحجاب على رأسي على الفور».
بعد أن بدأت لبانة تجني الأرباح من التطبيقات، بدأت عائلتها تدخل تباعاً وتجني معها الأرباح، وذلك يشمل الذكور والإناث. تجني لبانة اليوم ما بين 300 إلى 400 دولار شهرياً، وهو أعلى من أي أجر عملت مقابله من قبل.
لكنّ نهى “اسم مستعار”، وهي التي تعمل في تطبيق التشات والبث المباشر منذ قرابة العام، لم تتمكن من تحصيل مبالغ ترضيها دون اللجوء إلى “شوية دلع”!
نهى موظفة في إحدى الدوائر الحكومية، ووفقاً لما قالته “لموقع سوريا اليوم 24″، فهذه البرامج تحتاج لبعض التصرفات التي تجذب فيها الداعمين، كالدلع والإيحاءات. لكن نهى تقول بأنّها ترفض رفضاً قاطعاً محادثات الفيديو المباشرة أو المكالمات الصوتية المشبوهة، وحتى ترفض الصور الخليعة أو المقابلات خارج البرنامج، وتسوّق لنفسها على أنها ذات أخلاق عالية. وتقول في هذا السياق: “الفتيات اللواتي يقبلن هذه الأمور ويخرجن في مواعيد خارج البرنامج مع الداعمين، تصل رواتبهن إلى 1500 دولار”، بينما لا يتجاوز ما تحصل عليه 800 دولار.
الإنترنت والنقاط
بالرغم من ضعف البنية التحتية في سوريا من حيث الكهرباء والإنترنت، ما ينعكس سلباً على جودة البث والتفاعل، فإن شريحة من المستخدمين ما زالت متمسكة بهذه التطبيقات، خصوصاً مع انتشارها الواسع في مدن مثل دمشق واللاذقية وطرطوس، حيث تُسلَّم الأرباح غالباً باليد، بينما يتم إيصالها في المحافظات الأخرى عبر وسطاء.
وتعتمد هذه التطبيقات على نظام “النقاط”، حيث يحصل المستخدم على نقاط كلما تابع الفيديوهات أو قدّم الهدايا، ومع تراكم النقاط تتحول إلى رموز أو أيقونات مثل “وردة”، “ألماسة”، “يخت” أو “تنين”، ولكل منها قيمة مالية محددة، بالإضافة إلى “التحديات” والهدايا المدفوعة التي يشتريها المتابعون مباشرة لدعم أصحاب البث.
بعد ذلك، يتولى “الوكيل” تحويل هذه النقاط إلى أموال حقيقية مقابل عمولة تصل إلى 20%، ومن ثم يتم إرسال المبالغ عبر شركات الحوالات المحلية، بحيث تتراوح أرباح معظم العاملين بين 200 و1000 دولار شهرياً.
الوكيل وعمله في التطبيق
تعمل هذه التطبيقات في سوريا بالاعتماد على ما يُعرف بـ “الوكلاء”، بالرغم من أنهم ليسوا جهات مرخصة ولا يملكون سجلات تجارية رسمية، وغالباً ما يتمركز هؤلاء الوكلاء في دول الجوار، خصوصاً لبنان، أو داخل سوريا، حيث تقتصر مهمتهم على استلام الأرباح والمستحقات من التطبيقات.
يحصل الوكيل عادةً على نسبة تتراوح بين 20% و50% من إجمالي الأرباح، وفقاً لبنود الاتفاق مع المضيفة، وبعد ذلك، يقوم الوكيل بإرسال المبلغ المتبقي إلى المستحقين في مختلف المحافظات عبر شركات الحوالات المالية.
قال أحد الوكلاء العاملين في برامج البث المباشر لموقع سوريا اليوم 24 إن معظم هذه التطبيقات تعود ملكيتها لشركات صينية، وإن الداعمين الأكبر هم من دول الخليج، رغم وجود داعمين من مختلف دول العالم. وأوضح أن عملية الدعم تتم عبر شحن البطاقات بمبالغ مالية، ثم دخول قسم يُعرف بـ”ألعاب الحظ” حيث يمكن للمشارك أن يربح أو يخسر، مشيراً إلى أن بعض البرامج تعوّض الداعم في حال الخسارة الكبيرة.
وبيّن أن الداعم بعد ذلك يدخل إلى إحدى الوكالات ويلقي هدايا افتراضية كالألماسات أو الورود أو رموز أخرى للمشاركين في البث المباشر، وهذه الهدايا تُحوَّل إلى رصيد مالي للمشارك. وأضاف أن لكل نوع من الهدايا سعراً محدداً.
وعن آلية فتح وكالة، قال إنه بإمكان أي شخص أن يؤسس وكالة عبر خيار متاح في البرنامج للتواصل مع الإدارة، حيث تضم الوكالة شباناً وفتيات من مختلف الأعمار، ويحصل الوكيل على نسبة من الأرباح إلى جانب المشترك وإدارة التطبيق.
أما عن دوافع انتشار هذه البرامج، فأكد الوكيل أن الفقر والبطالة من الأسباب الرئيسية، وضرب مثالاً على نفسه قائلاً: “لو كنت أعمل لما لجأت إلى هذه البرامج”.
وفي ما يخص السمعة السيئة التي تلاحقها، شبّه الوكيل هذه التطبيقات بالشارع، قائلاً إن الفتاة قد تسمع كلاماً غير لائق وقد لا تسمع، وهي في النهاية تختار الطريق الذي تريد أن تسلكه. وأوضح أن بعض الوكالات قد تفرض شروطاً على الفتيات، وقد تستغلهن في ممارسات غير أخلاقية لتحقيق أهداف مالية، لكن الاستجابة لتلك الشروط تبقى خياراً شخصياً.
وأضاف أن الغرف المغلقة داخل التطبيقات لا تجبر الفتيات على القيام بما لا يرغبن فيه، غير أن بعضهن قد يواصلن علاقاتهن مع الداعمين خارج إطار التطبيق عبر وسائل أخرى مثل “واتساب”.
وقد أكدت ذلك نور، التي تحدثنا عنها في وقت سابق. فوفقاً لمعارفها، العديد من النساء قد يتابعن تواصلهن مع الداعمين خارج إطار البرنامج، فيشكل الواتس آب البرنامج الأكثر استخداماً لهذا التواصل، على الرغم من أن بعضهن متزوجات. في حين ترفض أخريات هذا التواصل خوفاً من أزواجهن أو عائلاتهن، والجدير بالذكر أنه قد ينتج عن هذا التواصل طلاق الفتاة من زوجها، أو هروبها من عائلتها.
بعض الفتيات اللواتي يسكن بعيداً عن عائلاتهن في محافظات أخرى اتجهن نحو الزواج السري من بعض الداعمين، فتقول إحدى الفتيات أن صديقتها تزوجت سراً من عراقي تعرفت عليه عبر تطبيقات البث المباشر، وتسكن الآن في منزل استأجره لها، بينما تقول لعائلتها أنها تعمل في إحدى الشركات.
من جهة أخرى، أفاد مصدر آخر لموقعنا أن بعض البرامج تفرض قيوداً على المشاركين، منها منع الظهور بمظهر غير أخلاقي أو إشراك الأطفال في البث، كما يُمنع التدخين أحياناً أثناء البث المباشر. وأوضح أن فتح وكالة جديدة قد يتطلب أحياناً استثمار مبلغ مالي معين، إضافة إلى حاجة الوكيل لشبكة علاقات اجتماعية واسعة لاستقطاب مشاركين، لافتاً إلى أن بعض الحالات قد تستدعي توجيه المشتركين نحو وكالات أخرى بغرض جذب داعمين منها.
وأوضح الوكيل السابق أن من يحقق شروط البرنامج ويغلق “التارغت” يحصل عادة على مبالغ تتراوح بين 15 و50 دولاراً، بينما من يريد دخلاً أكبر فعليه الظهور في بث مباشر والتواصل المستمر مع المتابعين، وكأنها عملية ترويج شخصي لجذب داعمين جدد.
اقرأ أيضاً: من Adolescence إلى سوريا: كيف تسمّم الهواتف الذكية عقول أطفالنا؟
التحقق من هذه البرامج
لم يكن بالإمكان معرفة تفاصيل محددة من التي سمعنا عنها من الفتيات أو الوكلاء دون محاولة التحقق بشكل شخصي من هذه التطبيقات. لهذا قام فريقنا بتجربة هذه البرامج عبر إنشاء حساب على أحدها، ولاحظنا أنه بمجرد الدخول تظهر أعلام الدول في أعلى واجهة التطبيق، وتمثل هذه الأعلام وكالات مختلفة، فعلى سبيل المثال، عند الضغط على علم سوريا يتم نقلك مباشرة إلى غرف مرتبطة بوكالات متعددة، وغالباً ما تتلقى رسائل فورية من تلك الوكالات تدعوك للانضمام إليها.
ومن خلال متابعتنا لطريقة التفاعل داخل التطبيق، تبين في المحصلة العامة أن أسلوب جذب الداعمين يتم عادة بطريقتين؛ الأولى عبر الإلحاح والطلب المباشر للدعم بأسلوب يشبه “التسول” الإلكتروني، والثانية عبر طرق أخرى أقل شفافية وأكثر شبهة. أما من لا يلتزم بآليات البث المطلوبة، كالساعتين المخصصتين للبث المباشر، وساعتين إضافيتين للجلوس على ما يسمى “الكرسي الذهبي” في إحدى الغرف، فلن يتمكن من تحقيق أرباح كبيرة.
أما خلال البث المباشر، في التطبيقات التي جربناها على أقل تقدير، هناك شروط صارمة، مثل منع ظهور الأطفال أو التعري أو حتى الجلوس دون حركة، وفي حال مخالفة هذه القواعد يتعرض الحساب للحظر فوراً، وبالتالي يخسر صاحب البث العملات أو “الكوينزات” التي حصل عليها.
وتجدر الإشارة إلى أن الترويج لمثل هذه البرامج يتم غالباً عبر منصات التواصل الاجتماعي، من خلال إعلانات تعلن عن فرص عمل، لكن بمجرد التواصل مع المعلنين، يطلبون التواصل بشكل خاص، لتُكتشف لاحقاً أن “الفرصة” ما هي إلا عمل على تطبيقات البث المباشر أو الصوتي، وبهذه الطريقة يتم استدراج العديد من الفتيات اللواتي يبحثن عن عمل أو مصدر دخل.
ولا يقتصر الترويج لهذه التطبيقات على المسوقين غير الرسميين فحسب، بل يشارك فيه أيضاً بعض المشاهير ومؤثري مواقع التواصل الاجتماعي، ومن بينهم فنانون معروفون و”بلوغرز”، ومن الأمثلة على ذلك عدد من الممثلين السوريين مثل ليليا الأطرش، رنا الأبيض، ديمة بياعة، ويزن السيد، الذي صرّح في برنامج “في فخ” على منصة يوتيوب في حزيران 2021، أنه تقاضى من تطبيق “بيغو لايف” نحو 200 مليون ليرة سورية (أي ما يقارب 13,500 دولار) خلال شهر واحد فقط.
رأي القانون السوري
من الناحية القانونية، لا يوجد في القانون السوري أي بند ينص على تجريم هذه البرامج، ولكن في المقابل، لا يوفّر القانون أي حماية فعلية للعاملين والعاملات في هذا المجال من المضايقات أو التحرش أو الخداع والابتزاز.
تقول ولاء في حديث لمنصّة إعلامية أجرت تحقيقها المستقل عن الأمر: “اضطررت إلى الانتقال من شقتي في ريف دمشق حين علمت أن جاري في الطابق الثاني هو من يبتزني، بعدما كان واحداً من الداعمين في ما مضى من دون أن أتعرف على هويته”.
من ناحية أخرى، هناك مادة قانونية واحدة يتم فيها ملاحقة العاملين في هذه البرامج بحسب خبير قانوني سوري، وهي تهمة “الحضّ على الفجور” من قبل المشرفات أو الوكلاء، وذلك استناداً إلى الفقرة الأولى من المادة 509 من قانون العقوبات السوري، والتي تنص على أن: “من اعتاد حضّ شخص أو أكثر، ذكراً كان أو أنثى، لم يُتم الحادية والعشرين من عمره، على الفجور أو الفساد أو على تسهيلهما له أو مساعدته على إتيانهما، عوقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات وبغرامة من 75 إلى 600 ليرة.”
لكن هذه المادة لا تنطبق إلا على من هم دون سن الـ21، كما أن مصطلح “الفجور” بحد ذاته غامض ويحتمل تأويلات عدة.
أما الحالة الأكثر وضوحاً التي يمكن للقانون التدخل فيها فهي جرائم “الابتزاز”، والتي تتطلب إثباتها بأدلة كصور أو وثائق، وفي الوقت نفسه، لا ينظم القانون السوري عمل هذه التطبيقات أساساً، ما يجعل العاملين فيها بلا أي صفة قانونية، ويتركهم عرضة للنصب والاحتيال دون حماية.
وكيل أحد البرامج يقول: الملاحقة القانونية لهذه البرامج في سوريا قبل سقوط النظام لم تكن بسبب السمعة السيئة، بل بسبب التعامل بالدولار الذي كان محظوراً تداوله، أما بعد سقوط النظام فلم تعد هناك مشكلة في عمليات الدفع”.
خبراء اجتماعيون يحذرون
تسبب بعض التطبيقات، وخاصة منصات البث المباشر مثل “تيك توك”، أذى نفسي كبير للفتيات اللواتي ينجذبن إليها، حيث تكثر فيها ممارسات الابتزاز من عدة أطراف مثل الداعمين أو الوكلاء، ولهذا شدد خبراء في تكنولوجيا المعلومات وعلم الاجتماع على أهمية وضع قوانين واضحة تنظم عمل هذه المنصات، مع فرض رقابة فعالة تراعي خصوصية المجتمع وتحمي المستخدمين من الانتهاكات الأخلاقية.
وأوضح الخبراء أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد وسيلة للتسلية، بل أصبحت مؤثرة في تشكيل الوعي العام والذوق المجتمعي، فقد أشار المهندس محمد الحارثي، الخبير في تكنولوجيا المعلومات، إلى أن “تيك توك” يسمح لأي شخص بإنتاج محتوى قصير بسهولة، لكن المشكلة الأكبر تكمن في خاصية “البث المباشر”، المعروفة داخل التطبيق باسم “امتيازات” أو “برامج الداعمين”، حيث يفتح ذلك المجال أمام محتويات غير منضبطة تشكل خطراً على المستخدمين.
وتعقيباً على ذلك قالت الدكتورة ولاء يوسف، أستاذة علم الاجتماع في جامعة دمشق، أن تطبيقات البث المباشر تشبه غيرها من برامج التواصل الاجتماعي، فلها إيجابياتها وسلبياتها.
وأشارت إلى أن هذه التطبيقات حققت انتشاراً واسعاً في المجتمعات العربية مؤخراً، وتعود أسباب هذا الانتشار إلى الأزمات الاقتصادية والحروب وتطور أدوات الذكاء الاصطناعي التي أصبح استخدامها بشكل يومي في حياتنا، إذ يلجأ إليها البعض للتسلية أو التجارة وتحقيق الأرباح، فيما يستغلها آخرون في ممارسات غير مشروعة كالنصب والاحتيال.
وأعربت يوسف عن قلقها من انعكاس هذه التطبيقات على القيم والعلاقات الاجتماعية، فهي تقوم على التلاعب العاطفي بالعقول باستخدام الإيحاء من جهة، وصناعة علاقات اجتماعية وهمية تربط الأفراد بعالم افتراضي بعيد عن الواقع من جهة أخرى. وعلى ذلك حذرت من أن هذه الظاهرة قد تسهم في إضعاف التماسك الاجتماعي وتآكل القيم الأخلاقية وتهميش الهوية الثقافية، كما دعت إلى فرض رقابة مشددة على عمل هذه المنصات محلياً، مشيرة إلى أن بعض الدول العربية اتخذت بالفعل قرار الحظر، بينما قامت دول أخرى بحملات تقوم على الاستخدام الواعي لهذه التطبيقات.
من جانبها، رأت الاختصاصية النفسية روان قطيفاني أن انجذاب الشباب نحو هذه التطبيقات يعود إلى عدة دوافع نفسية واجتماعية واقتصادية، فتمثل تطبيقات البث المباشر مجالاً للهروب من الواقع، إلى جانب الدافع المادي المرتبط بالكسب السريع الذي لا توفره الوظائف التقليدية، بالإضافة إلى البحث عن التقدير الذاتي أو التعويض عن نقص عاطفي داخل الأسرة نتيجة انشغال الأهل أو ضعف التربية.
وحذرت قطيفاني من التأثيرات النفسية والاجتماعية لهذه الظاهرة، مثل تقليد سلوكيات خطرة، الانغماس في ألعاب مقلقة، تراجع المستوى الدراسي، الشعور بالإحباط والاكتئاب.
كما أشارت قطيفاني إلى بروز أنماط خطيرة مثل “الدعارة الإلكترونية”، حيث قد يلجأ بعض الشباب والفتيات إلى استغلال البث المباشر لأغراض جنسية مقابل المال، والتي بعضها قد ينتقل إلى علاقات واقعية تهدد المجتمع إذا لم تتم مواجهتها قانونياً وتربوياً ونفسياً. ودعت إلى ضرورة تفعيل دور الأسرة عن طريق مراقبة سلوك الأبناء على الإنترنت وفي محيطهم الاجتماعي، ولتفادي المخاطر التي قد تنعكس على الفرد والمجتمع.
مشاكل زوجية وحالات طلاق
وصل تهديد النسيج الاجتماعي إلى العلاقات الزوجية مع ازدياد كبير في حالات الطلاق بسبب تطبيقات البث المباشر وشبيهاته، وتوضح الناطقة باسم دار المرأة في مدينة منبج، إيمان حمشو أن بعض الزوجات أسأن استخدام تطبيقات البث المباشر، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة الزوجية وأدى إلى تفكك العديد من الأسر.
“لهفة خاطر” هو اسم حساب إلكتروني على تطبيق “لايفبرو” تديره سيدة في الخامسة والثلاثين من عمرها، وأم لثلاثة أطفال. روت السيدة ف أحد ظهوراتها الإعلامية أنّها وبعد أشهر من استخدام التطبيق، بدأت تكتشف خفاياه، إذ بدأت الشركة ترسل إليها رسائل تطلب منها نشر منشورات تُظهر حاجتها الملحّة للدعم المالي، مع إلزامها بتمديد فترات البث المباشر، وإلا فإن حسابها سيكون مهدداً بالإغلاق.
وتصف “لهفة خاطر” هذه الرسائل بأنها أقرب إلى “تسوّل إلكتروني”، هدفه استجداء المزيد من الهدايا والمنح عبر المنصة.
أما عن أثر هذه التجربة على حياتها اليومية، فتشير إلى أنّ هذه “الطقوس” صارت موضع شك لدى زوجها الذي كان ينتقد انشغالها المفرط بالبث المباشر، الأمر الذي أدى إلى خلافات متكررة بينهما، تصاعدت أحياناً إلى مشاجرات يومية، انتهت أكثر من مرة بتركها منزلها واللجوء إلى بيت أهلها.
تشير حمشو إلى أن نسبة الطلاق المرتبطة بالإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي بلغت نحو 40% من إجمالي حالات الطلاق في منبج، واصفة هذه النسبة بالخطيرة، وتضيف: “قد لا يكون مستغرباً أن تصل النسبة مستقبلاً إلى ما بين 70 و80% وهو ما يشكل تهديداً حقيقياً للنسيج الاجتماعي إذا لم يتم التعامل مع هذه المشكلة بشكل عاجل قبل فوات الأوان”.
اقرأ أيضاً: مشروع «برق نت»: هل ينجح في تحسين واقع الإنترنت في سوريا؟