الكاتب: أحمد علي
اندفعت دمشق فجأة إلى صدارة المشهد الاقتصادي مع تسريب خطة لإعادة تقييم العملة عبر حذف صفرين من الليرة السورية وإصدار أوراق نقدية جديدة. بدت الخطوة، وفق الوثائق والمصادر التي استندت إليها رويترز، محاولةً لتسهيل التعاملات اليومية واستعادة الثقة بعملة فقدت أكثر من 99% من قيمتها منذ 2011، لكنها في الوقت نفسه فتحت نقاشاً واسعاً بين خبراء الاقتصاد السوريين: هل نحن أمام إصلاح نقدي جاد، أم إجراء تجميلي يبدّل الشكل ويبقي الجوهر كما هو؟
ماذا يعني حذف صفرين من الليرة السورية؟
كشفت تقارير صحفية أن المصرف المركزي السوري أخطر بنوكاً خاصة في منتصف آب الجاري بنيّته طرح عملة معدّلة مع حذف صفرين من الليرة السورية، على أن يبدأ الإعلان الرسمي في 8 كانون الأول 2025 مع فترة «تعايش» تمتد 12 شهراً بين العملة القديمة والجديدة حتى كانون الأول 2026. وتحدّثت المصادر عن اتفاق مع «غوزناك» الروسية لطباعة الأوراق الجديدة، وأن الاجتماعات الفنية قادها نائب الحاكم مخلص الناظر، فيما امتنعت جهات رسمية عن التعليق العلني حتى الآن.
وتُقدّر أيضاً كتلٌ نقدية كبيرة – نحو 40 تريليون ليرة – خارج النظام المالي الرسمي، وهو أحد دوافع إعادة الهيكلة كما يرد في التقرير. فيما تؤشر هذه المعطيات إلى مسارين متوازيين: تقني يخص تسهيل التداول والعدّ والمحاسبة، وسياسي رمزي يتعلق بالقطيعة مع «حقبة الأسد» بعد تغيّر المشهد السياسي.
خلفية وسياق
توالت خسائر الليرة على مدى 14 عاماً، ليتحوّل دفع ثمن السلع والخدمات إلى عبء «وزني» تُنقل له الأموال بأكياس بلاستيكية، مع تداول فعلي واسع بالدولار في واجهات المتاجر ومحطات الوقود. ومع محدودية البنية الرقمية للمدفوعات وندرة أدوات التحويل الإلكتروني، بدا أن تخفيف الأصفار قد يقلّص الكلفة التشغيلية للتعامل النقدي، لكنه لا يمسّ القيمة الحقيقية للمال ما لم تُعالج أسباب التدهور: السياسة النقدية، عجز المالية، وتعدد أسعار الصرف.
آراء خبراء سوريين: بين التحذير والاشتراط
في تعليقه على الأمر، قدّم الخبير الاقتصادي جورج خزام قراءة نقدية حادة لتوقيت الخطوة. وحذّر من أن الإعلان المبكر سيمنح المضاربين، لاسيما من يحتفظون بكتل كبيرة من الليرة خارج البلاد، فرصة تحويلها سريعاً إلى دولار خلال أشهر التبديل، ما يرفع الطلب على العملة الصعبة ويضغط على سعر الصرف. ونصح – كما كتب سابقاً – بأن يأتي الإعلان قبل يومين فقط مع «ضبط الحدود» أمنياً لمنع دخول السيولة المضارِبة.
وذكّر أيضاً بأن طباعة عملة جديدة لا تغيّر القوة الشرائية بذاتها، وأن كثيرين قد يفضّلون شراء الدولار بدلاً من استبدال القديم بالجديد، خصوصاً الأموال غير المشروعة.
على الضفة الأخرى، رأى الدكتور كرم شعار – الخبير الاقتصادي والمستشار لدى الأمم المتحدة -أن حذف الأصفار يحمل مخاطر ارتباك للمستهلكين وعبئاً تنظيمياً باهظ الكلفة إذا غابت الأُطر التنفيذية الواضحة، مقترحاً بدلاً من ذلك إصدار فئات أكبر (20 و50 ألفاً) لتقليل الكلفة التشغيلية من دون تغيير جذري. لكنه أقرّ بالدلالة الرمزية لإزالة صور آل الأسد على العملة ضمن التحوّل السياسي.
ومن جانبه، وصف الدكتور فراس شعبو، أستاذ الإدارة المالية، الإجراء بأنه «شكلي» ما لم يترافق مع سياسة نقدية منضبطة واحتياطيات كافية وتوحيد فعلي لسعر الصرف. وشدّد على أن الثقة بالعملة تُبنى عبر الإنتاج والصادرات وضبط المالية العامة، لا عبر تبديل الورق على حدّ تعبيره.
أمّا الدكتور أسامة القاضي فقد قدّم زاوية «مشروطة» أكثر تفاؤلاً، إذ رأى أن الإصدار الجديد قد يساعد في معالجة التزوير وغسل الأموال وأزمة السيولة، لكنه ربط ذلك برقابة مصرفية وأمنية صارمة وبناء ثقة مع المودعين تمكنهم من السحب بلا قيود – أي أن النجاح هنا يتوقف على الحوكمة والتنفيذ لا على الطباعة بحد ذاتها.
المخاطر العملية وسلوك الجمهور
اصطدمت تجارب مماثلة في دول عدة بحقيقة أن «سلوك الناس» يحسم النتيجة. عند بدء الاستبدال قد يهرع جزء واسع نحو الدولار اتقاءً للمجهول، فتتزايد «الدولرة» بدل أن تنحسر. ويُضاف إلى ذلك كلفة الطباعة والتوزيع وتبديل الأنظمة المحاسبية وتكييف الصرّافات ونظم الدفع، وهي كلف قد تصل – بحسب خبراء – إلى مئات ملايين الدولارات. إذاً، يبقى التحدي في إدارة الطلب على الدولار خلال «نافذة التبديل» وفي ضبط تدفقات الليرة من الخارج، إلى جانب حملة تواصل شفافة تمنع الشائعات وتشرح القواعد بدقة لشرائح المجتمع كافة.
هل تكفي رمزية «القطيعة»؟
حملت الخطة بعداً سياسياً معلناً في إعادة تصميم العملة من دون صور آل الأسد، تعبيراً عن قطيعة رمزية مع خمسين عاماً من الحُكم. غير أن الرمزية وحدها لا تثبّت سعر الصرف ولا تُعيد الودائع إلى المصارف. إذ تتطلّب الاستدامة حزمة سياسات متكاملة: توحيد أسعار الصرف، إطاراً تواصلياً صارماً من المصرف المركزي، إدارة ذكية للسيولة، أدوات تمويلية للقطاع الإنتاجي، وإصلاحات مالية تقلّص العجز وتعيد هيكلة الدعم بما يحافظ على القدرة الشرائية للشرائح الأضعف. وإلا بقي «حذف صفرين من الليرة السورية» عنواناً جذاباً بلا مضمون إصلاحي حقيقي.
ما الذي يلزم لنجاح العملية؟
بالنظر إلى تجارب دول أخرى، فقد احتاجت تجارب ناجحة – كتركيا في 2005 – إلى تزامنٍ بين إعادة التسمية والإصلاح النقدي والمالي الحقيقي. وفي الحالة السورية، يبرز مساران لا غنى عنهما: أولاً، تثبيت توقعات التضخم عبر سياسة استهداف واضحة وانضباط مالي يحدّ من التمويل بالعجز.
ثانياً، إدارة انتقالية مُحكمة تقنياً: تحديث الأنظمة المصرفية، تأمين السيولة بالقطع الأجنبي لتلبية الطلب المشروع، ضبط الحدود لمنع دخول الكتل المضارِبة، وتخصيص نافذة زمنية قصيرة ومرتبة للاستبدال مع إجراءات استثنائية للمسنّين والمناطق الأضعف. وهذه الشروط، إن تحققت، قد تحوّل «تخفيف الأصفار» من قناع تجميلي إلى مدخلٍ لإصلاح نقدي أوسع.
ختاماً، عكست التسريبات فراغاً تواصلياً رسمياً حتى الآن، وأشعلت نقاشاً سورياً حيوياً بين التحذير من التوقيت والتحفّظ على الجدوى والرهان على التنفيذ الصارم. ولهذا لا بدّ من القول إن حذف الصفرين قد يمنح الليرة السورية فرصة لإعادة ترتيب النظام النقدي، لكنه قد يتحوّل سريعاً إلى «بهدلة» – بتعبير المنتقدين – إذا فتحت شهية المضاربين ورفعت الطلب على الدولار بلا حواجز. ليبقى الفيصل في الحوكمة: شفافية، سرعة، وانضباط.. ومن دون ذلك، سيظل السؤال معلّقاً بين الرمزية والفعالية.
اقرأ أيضاً: هل طباعة العملة حل للأزمة الاقتصادية السورية؟