بقلم: ريم ريا
الحياة الاجتماعية في سوريا تقوم على التعليم، إذ تحتضن البلاد شبكة واسعة من المدارس العامة والخاصة والتي تمتد في معظم المدن الكبرى وصولاً إلى القرى النائية. بالرغم من أن المدارس الحكومية ما تزال تشكل النسبة الأكبر في عملية استقطاب الطلاب وتقدم التعليم بشكل مجاني لمختلف الفئات، لكن هذا لا يلغي التزايد الملحوظ في أعداد المدارس الخاصة والتي تسعى إلى تقديم مناهج أكثر حداثة من المدارس العامة وبيئات تعليمية أكثر تنوع. وهذا التفاوت هو ما خلق حالة المقارنة بين نظامي التعليم العام والتعليم الخاص في المدارس. في هذا المقال سنوضح الفروق الجوهرية بين النظامين، ونبين تأثير البيئة التعليمية على الطلاب.
الفروق الجوهرية بين المدارس العامة والمدارس الخاصة في سوريا
بلغ عدد المدارس حالياً في سوريا 19426 مدرسة منها 7849 مدرسة خارج الخدمة، أما عدد الطلاب في سوريا حاليا 4 ملايين و200 ألف طالب وطالبة، وهناك مليونان و400 ألف طالب وطالبة خارج المنظومة التعليمية النظامية.
تبرز فروق عديدة بين نظامي التعليم العام والخاص في المدارس سنذكر أبرزها وأكثرها تأثيراً على عملية التعليم، فالمدارس العامة في أغلب الأحيان تكون الصفوف مكتظة بالطلاب إذ يتراوح عدد الطلاب بين 40 أو 55 طالب في الصف الواحد في بعض الأحيان، وهذا نلاحظه في المدن الكبرى كاللاذقية ودمشق وحلب، وهذا الاكتظاظ من أهم المشكلات التي تعترض التعليم العام في البلاد، فهو يحد من قدرة المعلم على المتابعة الفردية ويضعف تفاعل الطلاب في الصفوف.
أما المدارس الخاصة فنادراً ما يبلغ أعلى عدد للطلاب فيها ال 25 طالباً، وهذا ما يتيح تعليماً أكثر انضباطاً، فمن مميزات هذه المدارس الاهتمام بالطلاب بشكل شخصي، والعدد المحدود يتيح للمعلم تطبيق أساليب التعليم الحديثة القائمة على الحوار مع الطلاب والمشاركة.
المدارس العامة كما هو معروف عنها تشكل عماد التعليم الوطني وتحوي فئات المجتمع كافة من الفقراء حتى ذوي الدخل المحدود فالمتوسط، وتنتشر في المدن والأرياف وحتى في المناطق النائية، وهي وسيلة التعليم المجاني للجميع. أما الخاصة فهي تستهدف الفئات الميسورة أو المتوسطة القريبة إلى العليا وأقساطها حددت مؤخراً من قبل الوزارة على أن لا يتعدى سقف الأقساط السنوية للمدارس الخاصة في المرحلة الثانوية مليونين و450 ألف ليرة سورية، وفي التعليم الأساسي مليونين و100 ألف ليرة، ومليون و225 ألف ليرة لرياض الأطفال.
فيما يتعلق بالكوادر التدريسية، ففي المدارس العامة تخضع هذه الكوادر إلى التعيين الحكومي المركزي من قبل وزارة التربية، وتتميز بالخبرة الطويلة والإعداد الجيد لكنها تعاني من تدني الرواتب رغم زيادتها الأخيرة فإنها لا تكفي مواصلات للمعلمين في الأرياف أو المعلمين القادمين من الأرياف إلى المدن أو محافظات أخرى، وتبلغ رواتب المعلمين الحالية في القطاع العام ما بين 80 و120 دولاراً شهرياً، ما يعادل ما بين 1.2 – و1.8 مليون ليرة، وهناك نقص في بعض الاختصاصات بالكوادر نتيجة ظروف التعيين وما شابه ذلك.
أما المدارس الخاصة يتم اختيار المعلمين حسب سياسة كل مدرسة وغالباً تكون لديهم فرص تدريب أعلى من المدارس العامة، فالمدارس الخاصة تعتمد على النخبة ولدى المعلمين فيها حوافز مالية أعلى، وتتراوح الرواتب بين مليون و200 ألف إلى مليون ونصف ليرة سورية للعاملين الإداريين، في حين يتقاضى معلمو المرحلة الابتدائية بين مليون ونصف إلى مليونين ليرة سورية، أما معلمو المرحلة الثانوية فيتقاضون أجورهم بناءً على عدد ساعاتهم التدريسية، حيث تتراوح الساعة التدريسية الواحدة بين 100 و150 ألف ليرة سورية. ما ينعكس على الأداء ضمن الصفوف.
بالنسبة للمناهج، فالمدارس العامة تعتمد على المناهج الموحدة الصادرة من وزارة التربية السورية، وتركز على المواد الأساسية واللغة العربية تحديداً، أما الخاصة فهي تلتزم بالمناهج الحكومية ذاتها لكنها تضيف برامج إضافية تتناسب مع السياسة التعليمية التي تنتهجها، لكنها تركز في أغلب الأحيان على اللغات، ومؤخراً قامت بإدخال مواد ونشاطات علمية على مناهجها في بعض المدارس الخاصة كمادة الحساب الذهني.
اقرأ أيضاً: الإبداع البشري.. كيف تسرق المدارس مواهب أطفالنا!
كيف تؤثر البيئة التعليمية على الطلاب بشكل عام
أشارت آخر الاحصائيات عام 2024 إلى أن نسبة الطلاب في المدارس الخاصة بلغ نحو 15% من الطلاب، وللبيئة المدرسية دور حاسم في التأثير على الطلاب، لا سيما مع الفروقات بين المدارس العامة والخاصة. فالبيئة المدرسية تساهم في بناء شخصية الطالب وقدرته على تلقي التعليم وإظهار الإبداع.
ففي المدارس العامة، على الرغم من الجهود المضنية التي يبذلها الكادر التعليمي إلا أن الكثافة الصفية، وضغط المناهج، ونقص الأنشطة اللاصفية تؤثر بشكل مباشر وسلبي في الغالب على تجربة الطالب، ما يجعل العملية التعليمية مجرد مرحلة حفظ وتلقين لاجتياز الامتحان.
لكن تظل هذه المدارس مساحة للتنوع الاجتماعي والتكافؤ، حيث يتعلم الطلاب من خلفيات مختلفة، ما يعزز الانتماء والمساواة. على عكس المدارس الخاصة التي تبقى أكثر هدوء وتنظيم بصفوف صغيرة ما يتيح تفاعلاً أكبر للطلاب مع المعلمين، فضلاً عن الاهتمام المكثف بالأنشطة الفنية والبدنية الرياضية، ما يعزز الثقة بالنفس لدى الطلاب وينمي القدرات الاجتماعية. لكن الجدير بالذكر أن بعض هذه المدارس وعلى الرغم من توفر الإمكانات الحديثة، قد تسقط الجانب التربوي لصالح الجانب الأكاديمي أو التجاري، ما يجعل الطلاب في أغلب الأحيان ينجحون في الدرجات ويفشلون في القيم والمبادئ أو السلوك المنضبط بشكل عام في حال غابت متابعة الأهل عنهم.
بناءً على ما سبق تظهر الحاجة في سوريا إلى بيئة تعليمية متوازنة تجمع بين النظام والانفتاح، وبين الانضباط والإبداع.
اقرأ أيضاً: شهادة البكالوريا في سوريا.. هل تصنعها المدارس أم الدروس الخصوصية؟
في سوريا من يصنع التفوق الطالب أم نظام التعليم؟
في خضم الجدل السائد والمنافسة في الأفضلية بين المدارس العامة والمدارس الخاصة، يبقى السؤال الأعمق في صلب النقاش التربوي السوري: هل التفوق نتيجة جهد الطالب الفردي أم ثمرة نظام تعليمي فعال؟
التجارب تشي حسب الواقع إلى أن الطالب السوري أينما كان سواء في المدارس الحكومية أو في المدارس الخاصة يمتلك طاقات فكرية نيرّة، ومهارات عقلية، وقدرة على التركيز عالية بالرغم من كل الصعوبات، وخير دليل على ذلك ليس فقط تفوقهم في الشهادات المحلية سواء الثانوية أو الجامعية، بل تفوق الطالب السوري في الجامعات العالمية وذلك عند حصولهم على فرص تعليم متطورة.
لكن هذه الطاقات في أغلب الأحيان يتم تقييدها داخل نظام يركز على الحفظ أكثر من الفهم، والتقليد أكثر من الإبداع، وهذا سائد في المدارس الحكومية عموماً. لكن من جهة أخرى، لا يمكن للنظام التعليمي سواء العام وحتى الخاص أن ينجح من دون المُرتكز البشري المتمثل بالطلاب المتحمسين للعلم والمجتهدين فيه، فالعلاقة بين الاثنين تكاملية، الطالب المجتهد بحاجة إلى نظام يدعمه ويوجه طاقته، والنظام الناجح بحاجة إلى طلاب مؤمنين بأهمية المعرفة. التفوق الحقيقي في النهاية لا يتم صنعه داخل الصفوف فقط، بل في قدرة التعليم السوري على الجمع بين العلم والتفكير، بين الاجتهاد والفرصة، وبين الطالب والنظام في منظومة واحدة متكاملة.