أخبار العالم

غرفة عمليات “110”.. هل تنجح المركزية الإسعافية في رفع سرعة الاستجابة الطبية؟

غرفة عمليات “110”.. هل تنجح المركزية الإسعافية في رفع سرعة الاستجابة الطبية؟

الكاتب: أحمد علي

ليس كل رقم موحد حلاً بحد ذاته، وليس كل مركز قيادة دليلاً تلقائياً على أن الخدمة صارت أسرع. لكن في ملف الإسعاف، حيث يضيع أحياناً جزء حاسم من الوقت بين البلاغ والسيارة والمشفى، تصبح أي محاولة لإعادة جمع هذه الحلقات في نقطة واحدة أكثر من مجرد تعديل إداري. تصبح سؤالاً عن قدرة الدولة على أن تحول التنظيم إلى زمن أقل، والزمن الأقل إلى فرصة نجاة أعلى.

من هنا يمكن فهم ما أعلنته وزارة الصحة السورية في منتصف نيسان 2026 حين أطلقت مركز القيادة والتحكم والسيطرة للإسعاف في دمشق، وربطته بهوية بصرية جديدة ورقم موحد هو “110”. في الخطاب الرسمي، قُدمت الخطوة بوصفها نقلة نوعية في خدمة الطوارئ على مستوى المحافظات. أما في القراءة الأهدأ، فهي تبدو محاولة لترتيب منظومة ما تزال تعمل تحت ضغط النقص المادي، وتفاوت التغطية، وتشتت قنوات الاتصال والإحالة.

الفرق بين المعنيين مهم. لأن السؤال ليس ما إذا كان إطلاق المركزية خطوة إيجابية من حيث المبدأ، فهذا يكاد يكون محسوماً، بل ما إذا كانت هذه المركزية قادرة فعلاً على تقليص الزمن الذي يهم المريض، أي الزمن بين طلب النجدة ووصول الوسيلة المناسبة، ثم الزمن بين السيارة والمشفى القادر على الاستقبال. هنا فقط يبدأ الاختبار الفعلي للغرفة الجديدة.

غرفة عمليات 110 ومعنى المركزية

ما أعلنته وزارة الصحة لا يقتصر على تغيير رقم الاتصال. بحسب ما نشرته سانا، تقوم الغرفة الجديدة على ثلاث طبقات مترابطة. الأولى توحيد الرقم الإسعافي بحيث يتصل المواطن على “110” فيُربط آلياً بأقرب منظومة إسعاف. الثانية قدرة غرفة التحكم المركزية على التخاطب المباشر مع رؤساء المنظومات في المحافظات ومع كل سيارة إسعاف على حدة. والثالثة تفعيل التتبع عبر GPS لمراقبة حركة السيارات ومساراتها وتوقيت تنفيذ المهام.

بهذا المعنى، لا تقدم المركزية هنا بوصفها سلطة فوقية فحسب، بل بوصفها مركز رؤية أيضاً. أي أن الغرفة لا تستقبل النداء فقط، بل ترى أين السيارة، وأين الحالة، وأين الجهة الطبية التي يمكن أن تستقبلها. وإذا أضيف إلى ذلك ما أشار إليه مدير الإحالة والإسعاف والطوارئ عن مكاتب تنسيق مشتركة مع الدفاع والداخلية والتعليم العالي والهلال الأحمر السوري لتأمين الإحالات العاجلة وشواغر العناية والحواضن، فإن المعنى العملي يصبح أوضح. المطلوب ليس فقط جمع المكالمات، بل جمع القرار المرتبط بالمسار كله.

وهنا يظهر جوهر المشروع. فالمنظومة لا تريد اختصار الطريق على المتصل فحسب، بل تقليل الزمن الذي يضيع بعد الرد على الاتصال نفسه. أي الزمن اللازم لمعرفة أقرب سيارة، وتوجيهها، والتأكد من أن الجهة المستقبلة قادرة على الاستلام إذا كانت الحالة بحاجة إلى إحالة. وإذا نجحت الغرفة في هذه الحلقة تحديداً، فإنها تكون قد أصابت مكاناً كان يستهلك من الخدمة أكثر مما يظهر عادة في البيانات العامة.

الأرقام الحالية وما تكشفه

لكن أي قراءة جادة لهذه المركزية ينبغي أن تبدأ من حجم المنظومة التي ستديرها. وفق الأرقام الرسمية، تعمل منظومة الإسعاف في سوريا حالياً بـ 312 سيارة إسعاف، مع خطة للوصول إلى 342 سيارة. في المقابل، يقدر الاحتياج الفعلي بنحو 1100 سيارة وفق ما تذكره الوزارة نفسها بالاستناد إلى الكثافة السكانية واتساع الجغرافيا. هذا يعني أن المنظومة الحالية تغطي تقريباً 35 بالمئة فقط من الحاجة المقدرة.

الوزارة تقول أيضاً إنها وسعت التغطية الجغرافية إلى 83 نقطة إسعافية خلال 2025، وتعاملت مع أكثر من 102 ألف حالة إحالة طبية موثقة، كما دربت 685 من الكوادر الصحية. وفي دمشق جرى الحديث عن زيادة عدد سيارات الإسعاف بنسبة 70 بالمئة مقارنة بما كان متوافراً سابقاً. هذه أرقام لا يمكن تجاهلها، لأنها تشير إلى أن هناك حركة فعلية في اتجاه التوسيع. لكنها في الوقت نفسه تضع حدوداً واضحة لأي تفاؤل زائد. فالنقص البنيوي لا يزال أكبر من أن تحجبه فكرة المركزية وحدها.

ومن هنا تصبح المسألة أكثر دقة. المركزية قد تجعل استخدام الموارد المتاحة أكثر كفاءة، لكنها لا تخلق بحد ذاتها موارد غير موجودة. وإذا كان عدد السيارات أقل بكثير من المطلوب، وتوزيع النقاط محدوداً قياساً إلى الجغرافيا، فإن الغرفة الجديدة ستنجح أساساً في تحسين التوجيه وتقليل الفاقد، لا في إلغاء فجوة التغطية. وهذه نقطة لا ينبغي أن تضيع تحت بريق الإعلان.

كيف ترفع المركزية سرعة الاستجابة

رغم ذلك، ليست الفائدة المتوقعة من المركزية أمراً رمزياً فقط. الأدلة التشغيلية الحديثة لمنظمة الصحة العالمية تضع مراكز الاتصال والإرسال في صلب منظومة الإسعاف قبل المستشفى، وتعتبر أن جزءاً مهماً من جودة الخدمة يتحدد قبل أن تتحرك السيارة أصلاً. وفي الأدوات التي تقترحها المنظمة لقياس الأداء، يبرز ما يسمى بزمن التفعيل، أي المدة بين بدء الاستجابة للبلاغ وإرسال سيارة الإسعاف، بوصفه مؤشراً أساسياً ينبغي أن يبقى في المتوسط دون 180 ثانية.

هذه النقطة تكشف لماذا يمكن أن يكون لمركز مثل “110” أثر حقيقي إذا اشتغل كما ينبغي. ففي المنظومات المشتتة، يضيع الوقت في تكرار الاتصال، أو في الحيرة بين الجهات، أو في إرسال وسيلة ليست الأقرب أو ليست الأنسب. أما حين توجد غرفة قادرة على رؤية الحركة والتخاطب مع المحافظات والمشافي والوسائل نفسها، فإن جزءاً من هذا الزمن الإداري يختصر قبل أن تبدأ السيارة طريقها نحو الحالة. وفي حالات الطوارئ، قد يكون هذا الاختصار حاسماً بقدر أهمية السيارة نفسها.

المؤشرات السورية الأخيرة تعطي لهذه الفكرة بعض السند أيضاً. ففي مارس 2026 تحدثت وزارة الصحة عن متابعة غرفة الطوارئ المركزية للوضع الصحي خلال عطلة العيد على مدار الساعة، مع تنسيق حركة سيارات الإسعاف بين المحافظات في حالات الازدحام والتجمعات الكبيرة. هذا يعني أن المنطق التشغيلي المركزي كان موجوداً جزئياً بالفعل، لكن إطلاق “110” يبدو أقرب إلى تثبيته في بنية واحدة واضحة ومعممة، تربط التتبع بالاتصال بالإحالة.

ما الذي قد يحد من الأثر

المشكلة أن المركزية لا تعمل في فراغ. فإذا كان الخلل الأكبر في نقص السيارات، أو في جاهزيتها الفنية، أو في تموضعها الجغرافي، أو في محدودية طواقمها، فإن غرفة القيادة لن تحل هذه العناصر من تلقاء نفسها. هي قد تخفف بعض سوء التوزيع، وقد تجعل المنظومة أذكى في استخدام ما لديها، لكنها لن تسد وحدها فجوة الوسائط المادية.

وهذا ما يجعل بعض الأرقام الأممية القديمة ما يزال حاضراً بقوة في خلفية المشهد. منظمة الصحة العالمية كانت قد أشارت في 2021 إلى أن ثلثي سيارات الإسعاف في سوريا دُمرت منذ بداية الأزمة، وأن هذا أحدث فجوة حرجة في خدمات الإحالة والاستجابة. كما كانت المنظمة نفسها قد وصفت دعمها لمركز عمليات الطوارئ العامة في دمشق في 2020 و2021 بأنه جزء من رؤية أوسع لربط المحافظات بمراكز عمليات تساعد في تحسين الاستجابة والتنسيق. ما يعني أن الغرفة الجديدة لا تبدأ من أرض خالية، بل من تاريخ طويل من محاولات إصلاح منظومة أصابها التآكل.

لهذا يصبح السؤال الأهم هو ما إذا كانت وزارة الصحة ستتعامل مع “110” كمنصة قابلة للقياس لا كمركز معلن فقط. أي هل ستنشر لاحقاً مؤشرات زمن الرد، وزمن التفعيل، ونسب الوصول، وحجم التغطية الفعلية، ونسبة البلاغات التي عولجت ضمن أزمنة مستهدفة. من دون هذا النوع من القياس، ستظل الخطوة مهمة من حيث الاتجاه، لكن من الصعب الجزم بما حققته عملياً.

بين الرمز والخدمة

الهوية البصرية الجديدة، برموز المحافظات وترقيم السيارات وإتاحة قنوات للشكاوى والتقييم، ليست تفصيلاً ثانوياً بالكامل. فهي تعكس محاولة لإعطاء المنظومة وجهاً موحداً ومقروءاً وقابلاً للمساءلة. وفي بلد عانى طويلاً من تفاوت الخدمة بين منطقة وأخرى، فإن هذا البعد التنظيمي له معناه.

لكن المواطن لا يختبر الهوية البصرية حين تكون الحالة إسعافية. ما يختبره هو إن كان الاتصال يصل بسرعة، وإن كانت الجهة التي ردت تعرف أين ترسل السيارة، وإن كانت السيارة تجد سريراً أو حاضنة أو عناية عند الوصول. لذلك فإن القيمة الحقيقية للمركزية الجديدة لن تثبتها الشاشات ولا الشعارات، بل قدرتها على تحويل هذا التنظيم إلى مسار أقصر وأكثر ثباتاً بين البلاغ والنجاة.

ومن هذه الزاوية، تبدو “110” خطوة ضرورية في الاتجاه الصحيح، لكنها ليست خاتمة الملف. هي أقرب إلى محاولة لنقل الإسعاف السوري من التوسع غير المتناسق إلى التنسيق المقاس. وإذا نجحت في ذلك، تكون قد أنجزت جزءاً بالغ الأهمية من المعركة. أما إذا بقيت فوق منظومة لا تملك العدد الكافي من الوسائط والنقاط والقدرة الميدانية، فإن أثرها سيظل محدوداً مهما كانت نيتها واضحة.

خاتمة

غرفة عمليات “110” قد تنجح في رفع سرعة الاستجابة الطبية إذا تمكنت من تقليص الزمن الضائع قبل تحرك السيارة، وربط المحافظات والمشافي داخل سلسلة قرار واحدة، وتحسين استخدام الموارد المتاحة إلى أقصى حد. هذا هو الوجه الواقعي الإيجابي للخطوة.

لكن الحكم على نجاحها لن يتقرر عند إطلاقها، بل بعد أن تتحول إلى أرقام أداء يمكن اختبارها، داخل منظومة ما تزال تعاني من نقص حاد في السيارات والتغطية والقدرة الميدانية. ولهذا فإن “110” تبدو اليوم خطوة مهمة وضرورية، لكنها تبقى اختباراً للمركزية أكثر من كونها دليلاً مسبقاً على أن المشكلة قد حُلّت.

اقرأ أيضاً: نداء الصحة الطارئ 2026: أين أخطر فجوات النظام الصحي؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.