مشاهير

من “دولة مخدرات” إلى حرب على الكبتاغون: هل انتهت الإمبراطورية أم تغير شكلها؟

من “دولة مخدرات” إلى حرب على الكبتاغون: هل انتهت الإمبراطورية أم تغير شكلها؟

بقلم هلا يوسف

كانت المخدرات عنواناً لسنوات دولة النظام السابق، فمع كل الفوضى والسرقة التي ترافقت مع زمن الحرب، جاء الكبتاغون ليتوج مسيرة الحكم السابق. كما لم تقتصر عملية المتاجرة بمستقبل الشباب على سوريا، بل توسعت عملية البيع على دول الجوار ومنها إلى دول أبعد وصولاً إلى أوروبا. أما بعد التحرير، رفعت الحكومة السورية شعار محاربة الكبتاغون، وتجفيف منابع الإنتاج. والآن بعد عام ونصف تقريباً على مداهمة أوكار تجار المخدرات، السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا تستمر عمليات تهريب المخدرات من سوريا؟

في عام 2021، نشرت صحيفة “الغارديان” البريطانية تقريراً طويلاً بعنوان “الكبتاغون… كيف تحولت سوريا إلى دولة مخدرات”، سلط الضوء على التحول التدريجي الذي شهدته البلاد خلال سنوات الحرب، لتصبح أحد أبرز مراكز إنتاج وتهريب المخدرات في المنطقة، وعلى رأسها مادة الكبتاغون. ووفق ما أورده التقرير، فإن هذه الصناعة لم تكن نشاطاً هامشياً أو عشوائياً، بل جرى تنظيمها ضمن شبكات معقدة ارتبطت بمؤسسات أمنية وعسكرية تابعة للنظام السابق، من بينها الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد، مع امتداد النفوذ إلى مناطق واسعة في الجنوب والوسط والشرق السوري.

نشوء اقتصاد المخدرات داخل بيئة الحرب

تشير المعطيات إلى أن انتشار معامل تصنيع الكبتاغون في سوريا تركز في مناطق متعددة، خاصة في محيط دمشق وريفها، إضافة إلى الجنوب والحدود الشرقية. هذه المواقع لم تكن معزولة عن العمليات العسكرية، إذ تداخلت فيها أنشطة مجموعات مسلحة محلية وأخرى مرتبطة بحلفاء إقليميين، من بينهم إيران. ومع استمرار الحرب وتراجع مؤسسات الدولة، تحولت تجارة المخدرات إلى مصدر تمويل غير رسمي، يشبه اقتصاداً موازياً يعمل خارج الأطر القانونية، لكنه متداخل مع بنية السلطة والنفوذ في تلك المرحلة.

ومع مرور الوقت، لم تعد العملية مقتصرة على الإنتاج، بل توسعت لتشمل سلاسل كاملة من التهريب والتوزيع. وقد لعبت الأراضي الأردنية دور الممر الرئيسي لهذه الشبكات، حيث كانت الشحنات تعبر باتجاه الخليج العربي ومصر، ثم بعدها نحو أسواق أوروبا. وعلى الرغم من الجهود الأمنية الأردنية، بما فيها العمليات العسكرية على الحدود، فإن الظاهرة استمرت، حتى مع محاولات التقارب السياسي الذي حصل بين عمان ودمشق بين عامي 2023 و2024.

اقرأ أيضاً: تاريخ سوريا المنهوب: تهريب الآثار موضة قديمة متجددة ومساعٍ حكومية للحل

التحول السياسي وتفكيك البنية الإنتاجية

جاء التحرير في نهاية عام 2024 ليحمل معه بداية النهاية لملف المخدرات في سوريا، حيث أصدر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) في عام 2025 تقريراً أشار فيه إلى أن الحكومة السورية الجديدة بدأت حملة واسعة لتفكيك البنية الإنتاجية للكبتاغون تسلمها السلطة. وبحسب التقرير، تم تدمير نحو 15 مختبراً صناعياً و13 موقعاً للتخزين، في إطار عمليات مداهمة شملت أيضاً تعاوناً استخباراتياً مع دول الجوار.

وأظهرت البيانات الأممية أن الإنتاج اليومي الذي كان يقدر بملايين الحبوب قد انخفض بنحو 80% خلال عام واحد، وهو تراجع كبير وغير مسبوق مقارنة بوضع سوريا خلال سنوات الحرب. كما أوضح التقرير أن الضربات الأمنية استهدفت سلاسل الإنتاج في مناطق كانت تعد مراكز أساسية، مثل ريف دمشق والمناطق القريبة من الحدود اللبنانية، مما أدى إلى تعطيل جزء مهم من الشبكات السابقة.

وكذلك أكدت وزارة الداخلية أن الكميات التي يتم ضبطها حالياً تعود في معظمها إلى إنتاج سابق لفترة ما قبل التغيير السياسي، مشيرة إلى أن المرحلة الأخطر، وهي مرحلة التصنيع الواسع، قد تم تفكيكها. كما أعلنت عن عمليات أمنية استهدفت شبكات تهريب في الجنوب، أسفرت عن اعتقال عدد من المتورطين وضبط كميات ضخمة من المواد المخدرة، إضافة إلى معدات متطورة مثل الطائرات المسيرة والبالونات الهوائية المستخدمة في التهريب.

ومن أبرز العمليات المعلنة، ضبط أكثر من 2.05 مليون حبة كبتاغون و151 كيلوغراماً من الحشيش، إضافة إلى وسائل تهريب غير تقليدية، مما يعكس تطور أساليب الشبكات الإجرامية حتى في مراحل ما بعد الإنتاج الواسع.

شبكات التهريب والتوسع الإقليمي

على الرغم من التراجع في الإنتاج، تشير البيانات إلى أن شبكات التهريب لم تختفِ، بل أعادت تنظيم نفسها بشكل أكثر مرونة. فبحسب إحصاءات وزارة الداخلية خلال النصف الثاني من عام 2025، تم ضبط أكثر من 25.2 مليون حبة كبتاغون داخل سوريا، إلى جانب كميات كبيرة من الحشيش والمواد المخدرة الأخرى، بينما أسفرت عمليات التعاون الدولي عن ضبط نحو 23 مليون حبة إضافية خارج البلاد.

كما برزت الحدود مع تركيا والعراق كمسرح رئيسي للضبطيات، حيث تم إحباط عمليات تهريب بملايين الحبوب واعتقال عشرات المتورطين، في حين استمرت محاولات التهريب نحو الأردن والكويت والسعودية، باستخدام أساليب أكثر تعقيداً تشمل إخفاء المواد داخل شحنات تجارية أو استخدام وسائل جوية صغيرة.

كما لا تبدو الصورة مكتملة بالوضوح الذي قد توحي به حجم المضبوطات. فبحسب تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، فإن سقوط النظام السابق فتح باباً واسعاً من عدم اليقين حول مستقبل تجارة الكبتاغون، أكثر مما أغلقه. صحيح أن اكتشاف معامل ضخمة بعد التغيير السياسي أعطى انطباعاً أولياً بأن سلاسل الإنتاج قد تلقت ضربة قاسية، لكن المعطيات اللاحقة كشفت أن التدفقات لم تتوقف بالوتيرة المتوقعة، خصوصاً باتجاه أسواق شبه الجزيرة العربية، مما يطرح احتمالين: إما تصريف مخزونات ضخمة جرى إنتاجها سابقاً، أو استمرار التصنيع في مواقع جديدة بعيدة عن الأنظار.

هذا التباين يظهر أيضاً في الفجوة بين الأرقام المعلنة داخل سوريا وتلك التي تكشفها دول الجوار. فبينما تشير البيانات الرسمية السورية إلى كميات محددة تم ضبطها، أعلنت الأردن خلال الفترة نفسها عن إحباط محاولات تهريب بملايين الحبوب، إلى جانب كميات من الحشيش، مما يعكس أن جزءاً مهماً من النشاط لا يزال يجري خارج نطاق الرصد المحلي. هذه الفجوة لا تتعلق فقط بضعف التنسيق، بل تعكس أيضاً طبيعة الشبكات التي باتت أكثر قدرة على التكيف مع الضغوط الأمنية.

وتشير تقارير ميدانية إلى أن هذه الشبكات لم تعد مركزية، بل تعمل ضمن خلايا صغيرة قادرة على إعادة التموضع بسرعة. كما أن انتشارها الجغرافي لم يعد محصوراً في منطقة واحدة، بل شمل معظم الأراضي السورية من الشمال إلى الجنوب، مروراً بالشرق والغرب، مما يعكس تحولها إلى منظومة لا مركزية يصعب تفكيكها بالكامل.

ما طبيعة هذه الشبكات؟

يرى الباحث السوري مالك الحافظ أن حجم المضبوطات لا يمكن تفسيره باعتباره نشاطاً محلياً فقط، بل يعكس وجود تجارة منظمة عابرة للحدود تستهدف بالدرجة الأولى أسواق الخليج. ويشير إلى أن ما يُضبط فعلياً لا يمثل سوى نسبة صغيرة من الحجم الحقيقي للتجارة، التي قد تصل وفق تقديرات الأمم المتحدة إلى أضعاف مضاعفة لما يتم كشفه.

ويضيف أن استمرار هذه الظاهرة يرتبط بوجود بنية تحتية متجذرة تشكلت خلال سنوات الحرب، وتطورت إلى اقتصاد موازٍ يعتمد على التمويل غير الرسمي وشبكات التهريب العابرة للحدود. ويؤكد أن سقوط النظام لم يُنهِ هذه البنية بالكامل، بل دفعها إلى إعادة التموضع وتغيير مساراتها.

وفي محاولة لفهم من يدير هذا الاقتصاد، تبرز فرضيتان أساسيتان: الأولى تتحدث عن شبكات مستقلة نشأت في ظل ضعف الدولة، واستمرت بعد سقوط النظام بفضل بنيتها المرنة، وربما أعادت بناء تحالفاتها مع قوى محلية جديدة. أما الثانية، فترى أن ما يجري هو امتداد مباشر للمنظومة السابقة، لكن بصيغة مختلفة، حيث تحولت الشبكات المرتبطة بالنظام إلى تنظيمات مافيوية تعمل بشكل مستقل دون غطاء سياسي مركزي. وفي الحالتين، النتيجة واحدة: منظومة متكاملة تشبه دولة ظل، تحكمها قواعد خاصة وتستند إلى المال غير المشروع.

ومن جهة أخرى، ترى الصحافية الحقوقية بشرى صالح أن التركيز على الجانب الأمني وحده غير كافٍ، مشددة على ضرورة إدماج سياسات اجتماعية وصحية، خصوصاً في ظل محدودية مراكز علاج الإدمان وغياب برامج إعادة التأهيل، مما يجعل تأثير المخدرات مستمراً داخل المجتمع رغم تراجع الإنتاج.

كما تشير المعطيات إلى أن شبكات التهريب تستفيد من عدة عوامل، أبرزها ضعف السيطرة الحكومية الكاملة على بعض المناطق الحدودية، وغياب الإمكانات التقنية المتطورة لمراقبة الجغرافيا الوعرة، إضافة إلى وجود ثغرات اقتصادية واجتماعية تسمح بإعادة تجنيد الأفراد في هذه التجارة.

كما أن طرق التهريب تطورت بشكل ملحوظ، حيث لم تعد تعتمد فقط على المسارات البرية التقليدية، بل أصبحت تشمل طائرات مسيرة وبالونات موجهة، إلى جانب أساليب إخفاء معقدة داخل شحنات قانونية أو مواد استهلاكية. هذا التطور يعكس بحسب الخبراء ما يشبه سباقاً تقنياً بين شبكات التهريب والأجهزة الأمنية.

وتكشف بعض التحقيقات عن ارتباطات معقدة بين هذه الشبكات وشخصيات بارزة مثل عامر جديع الشيخ الملقب “بملك الكبتاغون”، والذي تم اعتقاله بالتعاون بين السلطات السورية والتركية، والذي ورد اسمه في تحقيقات مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد، بالإضافة إلى ارتباطات مع شبكات يقودها حسن دقو في لبنان.

كما يزداد الملف تعقيداً مع تقارير تتحدث عن تداخل بين شبكات التهريب وبعض الجماعات المسلحة، بما في ذلك خلايا متطرفة في مناطق الشرق والجنوب، حيث توفر الحماية مقابل حصة من الأرباح. كما برزت مناطق مثل ريف السويداء كمراكز نشطة، مستفيدة من ضعف السيطرة الأمنية وطبيعة التضاريس الصعبة.

ولا يمكن فصل ذلك عن البعد الإقليمي، إذ تشير تقارير إلى أن شبكات التهريب عابرة للحدود بطبيعتها، وأنها قد تضم أطرافاً متعددة، بما في ذلك جماعات مسلحة في دول الجوار. كما أن استمرار الطلب الخارجي، خاصة في دول الخليج، يظل عاملاً حاسماً في بقاء هذه التجارة.

في النهاية، يبقى ملف المخدرات من التحديات الكبيرة التي تواجه الحكومية السورية، ليس بوصفه ملفاً خاصاً بالشأن السوري الداخلي، بل بوصفه ملفاً متداخلاً مع دولاً إقليمية ودولية متضررة منه. فعلى الرغم من تراجع الإنتاج إلا أن استمراره يفتح باب التساؤلات حول الإمكانيات التي يملكها المصنعين. لذلك لا يمكن اعتبار أن الملف منتهي، بل أخذ وجهاً جديداً يحتاج أساليب أذكى للتعامل معه.

اقرأ أيضاً: ملاحقة المخدرات في ريف حلب الشرقي.. هل تكفي العمليات الأمنية لوحدها؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.