سياحة و سفر

من ذاكرة الحجر والحنين “حي الجميلية” الحلبي إرثٌ لا يشيخ

من ذاكرة الحجر والحنين “حي الجميلية” الحلبي إرثٌ لا يشيخ

بقلم: ريم ريّا

في قلب حلب العتيقة، حيث تختلط رائحة الحجر القديم بصدى الخطوات على الأزقة المرصوفة، يقف حي الجميلة كصفحة مفتوحة من كتاب المدينة الذي لا يُغلق. هنا لا يهم الزمن كم مضى، لأن الجدران تتحدث بلغته الخاصة. تنطق بالذكريات، وتستعيد أسماء الحرفيين والتجار والعابرين الذين ملأوا المكان بالحياة. بين خان وآخر، ومسجد وساحة، يبقى الحي شاهداً على مجدٍ لم يخفت رغم ما مرّ عليه من تعب السنين، وكأنه يصرّ أن يبقى “جميلاً” كما سُمّي، مهما تغيرت الوجوه والأزمان.

قصة حي الجميلية في حلب

حي الجميلية في حلب نشأ في أواخر القرن التاسع عشر خارج أسوار المدينة التاريخية، وسُمي بهذا الاسم نسبةً إلى والي حلب جميل باشا الذي ساهم في تطويره وبناء قصره فيه. بدأ الحي بالتطور في بداية القرن العشرين مع بناء مرافق عامة مثل مخفر الشرطة وجامع زكي ومشفى القديس لويس. كما شهد الحي هجرة عائلات من الطوائف المختلفة، خاصة الطائفة اليهودية، مما جعله منطقة متنوعة وسكنها الموظفون الأثرياء.

الحي في البداية كان منطقة خارج المدينة القديمة، وتحديداً عند مدخل دمشق الجنوبي الغربي. بدأت السلطات العثمانية في تطوير الحي مع مطلع القرن العشرين، حيث أنشأوا مخفراً للشرطة عام 1900، وبنوا جامع زكي عام 1901، ومستشفى القديس لويس (فريشو حالياً) عام 1907.

اقرأ أيضاً: حين يلتقي التاريخ بالروح .. دير مار يعقوب “مار موسى الحبشي” في سوريا

كيف بدأ العمران في حي الجميلية الحلبي

في عام 1882 أسس الوالي محلة الجميلية وكان أول بناء فيها هو المكتب السلطاني وتحول بعد سنوات لثانوية المأمون اليوم. وكانت ثانوية المأمون أول مؤسسة تعليمية تعتمد على الأساليب الحديثة في التدريس. أما البناء الثاني في المنطقة فكان قصر جميل باشا وكان لا يزال قائماً أمام ثانوية معاوية حتى هدم عام 2000.

أما عام 1887 ورد الإذن من اسطنبول بإحداث المحلة رسمياً وسميت “بالسليمية” نسبة إلى سليم أفندي بن السلطان عبد الحميد، لكن أطلق أهالي حلب على الحي اسم الجميلية لحسن تعامل جميل باشا مع الأهالي، كما عرف عنه اهتمامه بالعمران في حلب.

بالرغم من جمال العمران في الجميلية، إلا أن أهالي حلب لم يقبلوا على المنطقة في بداية الامر لملوحة مياه آبارها وكثرة البعوض فيها بسبب قربها من نهر قويق، والسبب الأهم هو انتشار اللصوص وقطاع الطرق حيث أن الجميلية في ذلك الوقت تعتبر خارج مدينة حلب.

في بداية القرن العشرين عام 1900 بدأ الاهتمام بالجميلية فأنشأ مخفر للشرطة وبني جامع زكي الذي سمي على اسم بانيه ( عبد الرحمن ذكي) عام 1901 وما زال قائما لليوم، وتم بناء مشفى القديس لويس المعروف اليوم بمستشفى فريشو عام 1907 ولا يزال قائماً. كذلك مع بداية القرن العشرين كان أغلب سكان الجميلية من الموظفين ومن ثم انتقلت للحي الطائفة اليهودية من حي بحسيتا وشكلوا نسبة كبيرة من سكان الجميلية.

ليأتي عام 1920، حيث عُمّر الميتم الاسلامي وأصبح فيما بعد مقر ثانوية الفنون النسوية اليوم،وهكذا أصبح تعداد منازل الجميلية 220 بيت وعدد سكانها 1735 نسمة عام 1922. وظلت الجميلية تكبر وتزدهر وتنمو حتى أصبحت اليوم من أهم مناطق حلب.

جميلية

أبرز سمات حي الجميلية اليوم

يشكل اليوم حي الجميلية في حلب، موقع مركزي للمدينة إذ يعتبر موقع هذا الحي استراتيجياً في وسط حلب، يحده عدة أحياء هامة مثل المحافظة والسريان وشارع فيصل وحلب القديمة. فضلاً عن ذلك يعتبر الحي مركز للخدمات والنشاط التجاري، ويشتهر بحيوته المستمرة كونه يضم العديد من المحلات التجارية والأسواق والمقاهي وغيرها من المحال والمؤسسات المختلفة.

مَثَّل هذا الحي بداية النهضة العمرانية في المنطقة مع بداية القرن العشرين، ويعتبر رمزاً للتطور، وكان من أوائل الأحياء التي وصلت إليها الكهرباء في سوريا. يضم معالم دينية قديمة مثل جامع الصديق القديم وجامع زكي باشا الذي كان من أوائل الجوامع التي بنيت خارج أسوار المدينة. كذلك حي الجميلية اليوم قريب من أماكن حيوية في المدينة مثل الجامعة والفرقان وحلب الجديدة.

ختاماً، هذا الحي هو قلب حلب النابض، يمزج بين عبق التاريخ والحداثة العمرانية، فضلاً عن كونه مركز تجاري وسكني وحيوي في المدينة.

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.